شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
العود الأبدي للعنف...  كيف قاد فشل ثورة "شيخ العرب همام" إلى ميلاد "ريّا وسكينة"؟

العود الأبدي للعنف... كيف قاد فشل ثورة "شيخ العرب همام" إلى ميلاد "ريّا وسكينة"؟

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الأحد 22 يناير 202305:22 م

أختان نازحتان من صعيد مصر إلى مدينة الإسكندرية، شكلتا عصابة من 6 أفراد، بدأ أرادها بالتربّح من الأعمال المجافية للقانون بسبب الحاجة والفقر وسوء أحوال المعيشة. كونوا شبكة دعارة سرّية، واشتغلوا في بيع مخدرات. وبعد سلسلة من حوادث القتل الغامضة؛ أُلقي القبض على الأفراد الستة، ليثبُت أن نشاطهم الأخير والذي حقق لهم بعض البحبوحة المنشودة من العيش، كان استدراج السيدات اللاتي يرتدين ذهب أو حُلى غالية والقيام بقتلهنّ، ثم سرقة الذهب. ووجِدت سبعة عشر جثّة مدفونة في منزل الأختين. وبعد القبض على التشكيل العصابي وثبوت التهم، حكم عليهما وشركائهما جميعاً بالإعدام.

 لو قرأنا الحادثة المذكورة، منزوعة الزمن أو مؤرخة بتاريخ اليوم، فلن نستغرب من مستوى بشاعتها حالياً، سينسى الناس الواقعة البشعة بعد ساعات منشغلين بواقعة أخرى، ستكون غالباً أكثر بشاعة. لكن هذه الحادثة تخص "عصابة ريّا وسكينة" التي وقعت في نهاية العقد الثاني من القرن العشرين (1919- 1920).

قُدّمت حكاية ريّا وسكينة في مسرحيات ومسلسلات إذاعية وعمل درامي وحيد، اتقت جميعها على تجاهل الأبعاد السياسية والاجتماعية التي وقعت خلالها أشهر جريمة قتل متسلسل في مصر.

لم تكن حظوظ ريّا وسكينة جيدة عندما استقرا في الإسكندرية. فخلال السنوات من 1905 وحتى الحرب العالمية الأولى 1914، كانت أطراف الحكم في مصر تتجاهل أية شؤون محليّة، وبدأت عملية "فلترة" الحيّز الطبقي الواقع بين الفقر والغنى

ثورة الهوارة وبداية الشتات

في النصف الأول من القرن الثامن عشر، ظهر الشيخ همّام بن يوسف، الابن الأكبر لزعيم قبائل هوّارة في منطقة الصعيد والملقب بـ"شيخ العرب".

أنشأ همّام ما يشبه الدولة المستقلة في الشطر الأعلى من الصعيد؛ من المنيا حتى أسوان.

محاولة استقلال همام قُضي عليها من السلطة المركزية في القاهرة، حيث يحكم المماليك تحت لواء الدولة العثمانية، وبعد عدة محاولات فاشلة نجح رأس المماليك محمد بك أبو الدهب في القضاء على دولة همام وإيقاع الاخير في الأسر بعد الاستيلاء على ممتلكاته وأسر بعض أفراد أسرته، ودفع آخرين من أبناء القبيلة إلى الهرب والشتات.

يُعيدنا صلاح عيسى في كتابه (رجال ريّا وسكينة) إلى الأصول الهوّارية للأختين المنتميتين لأحد الفروع الشاردة من القبيلة عقب فشل ثورة شيخ العرب همام.

تعلّق الهوّارة المُرتحلون بفعل "التنقّل"، بحثاً عن عمل يجعل الحياة ممكنة، لكن فعل الانتقال، على مستوى جماعي، استمر مثل تنبيه يُنذر بانفصال، أو اتساع الفجوة بين الضيف وصاحب الأرض.   

لم تكن الحظوظ جيّدة في حياة ريّا وسكينة عند الاستقرار في الإسكندرية. خلال السنوات من 1905 وحتى الحرب العالمية الأولى (1914) - نفس فترة استقرار ريّا وسكينة واحتراف الجريمة- كانت أطراف الحكم في مصر (الدولة العثمانية- الاحتلال الإنجليزي) تتجاهل أية شؤون محليّة، وبدأت عملية "فلترة" الحيّز الطبقي الواقع بين الفقر والغنى.

السلطة تدعم الجريمة

كان البنك الزراعي المصري في 1907 يعرض يومياً حوالي 40 إعلان بيع في مزاد علني لملّاك أراضي صغار، فشلوا في سداد مديونياتهم بسبب سوء الأوضاع المالية، نتج عن ذلك تحول مساحات مدينية واسعة، وزادت نسب الجرائم في مصر ما بين 1907 و 1909، لتصل إلى 3828 حالة.

فيما يتعلّق بتبعات الحرب العالمية الأولى، يشير المؤرخ المصري خالد فهمي، في محاضرته "السرقة الكبرى للتاريخ... الجيش المصري في الحرب العالمية الأولى" إلى قرارات الاحتلال البريطاني في مصر، والتي بدأت بفرض رقابة على الصحافة، ومنع أي تجمّعات، وتفعيل التجنيد الإجباري، الذي قوبل بمعارضة شديدة لأن قطاع كبير من من ريف وصعيد مصر أصبح معرّضاً لفقد قوته الإنتاجية التي تقاوم ليعيش أهلها على الفُتات.

بدلاً من التجنيد الإجباري، أنشأ الاحتلال البريطاني فيلق عمّالي، ووضع ميزة للعاملين المتطوعين به، أن يتم إعفائهم من التجنيد والمشاركة في الحرب. تم جمع ما يزيد عن ربع مليون مصري من مختلف القُرى المصرية للعمل في فيلق العمّال الذي يعود إنتاجه بالكامل لصالح الجيش البريطاني، إضافة إلى إلى مائة ألف تم توظيفهم في عدّة فرق عمّالية حربية مختلفة.

طبقاً لصلاح عيسى، فإن تطور عامل العنف عند ريّا وسكينة كان تدريجياً ومتزامناً مع الحاجة الضرورية للعيش، عملت إحدى الأختان في الدعارة غير الرسمية، ثم تطور الاسترزاق إلى تسهيل الدعارة وتجارة المخدّرات، حتى انتهت الأختان إلى قتل النساء لجمع الذهب

 تداعت الأحوال المعيشية أكثر بسبب الاستنزاف البشري والاقتصادي. يُشير كتاب "القاهرة السينمائية" للباحثين نزار الصياد وهبة صفي الدين إلى آثار هذه المرحلة، وإزاحة أماكن لها بُعد تاريخ ثري مثل حي بولاق؛ وتحويلها إلى مناطق عشوائية تطفح بالجرائم والتجارة غير المشروعة. وارتفع معدّل الجرائم خلال هذه سنوات الحرب والسنوات التي تلتها حتى وصل إلى حوالي 7502 جريمة في العام 1920.، حسبما يرصد الكاتب والمؤرخ الصحافي الدكتور ياسر ثابت.

تبدو هذه الحقائق التاريخية، بالتوازي مع حادثة مُركّبة الأبعاد مثل سلسلة جرائم ريّا وسكينة، أدوات هامة للنظر إلى ما وراء فعل الجريمة ذاته، لأنهم –عصابة ريّا وسكينة- تحولوا إلى آلية قراءة لنتاجات السياسات الاقتصادية التي تتخذها الدولة إذا ما وقعت وطأتها على عاتق الفقراء.

طبقاً لصلاح عيسى، فإن تطور عامل العنف عند ريّا وسكينة كان تدريجياً ومتزامناً مع الحاجة الضرورية للعيش، عملت إحدى الأختان في الدعارة غير الرسمية، ثم تطور الاسترزاق إلى تسهيل الدعارة وتجارة المخدّرات، حتى انتهت بقتل النساء لجمع الذهب.

دفاع عن الوجود 

تُعاني الطبقة المتوسطة وشقيقتها الدنيا حالياً من سوء وضع الاقتصاد المحليّ، تنخفض قيمة العملة وتتقلص مؤسسات القطاع العام أمام بيع الأصول، بالإضافة إلى قلّة السلع الاستهلاكية الأساسية، وارتفاعها المُتكرر خلال فترات متقاربة.

بلغت معدلات القتل العائلي تجاه النساء في 2021، حوالي الثلث من إجمالي الجرائم، ووصل قتل النساء عموماً إلى 92% من مجموع حالات القتل المثبتة في هذه السنة، بينما تتعرّض 80% من النساء للتحرش والتعنيف اللفظي في الشارع

نتذكر هنا أن أسباب ظهور العنف في مطلع القرن العشرين، وتبلوره من خلال ريّا وسكينة، كانت لأسباب مقاربة: الشعور بالتهديد تجاه أسس العيش اليومية، رغم أننا نواجه هذه الأزمة بطريقة أكثر "شياكة"، لأن الطبقة المتوسطة بطبيعتها هي ابنة التجميل والالتصاق الطامح بالطبقات الأعلى، لكن هناك منبّه يعيدنا إلى حالة التهديد الحاصلة، وهي ما يبدو على السطح من صعود كبير لظاهرتي العنف والجريمة.

 نموذج ريّا وسكينة يشاركنا عوامل التقشّف الاقتصادي والقمع السلطوي، على اختلاف الممارسات ومدى حدّتها، ويشاركنا أيضاً وضع "المرأة" كأقرب ضحيّة يمكنها تحمّل حيّز واسع من العواقب، فعلى الرغم من وجود بلاغات إختفاء نسوة كثيرات، أوردها صلاح عيسى في كتابه المذكور، لكن تم تجاهلها لأنّ بعضهنّ كنّ "مومسات" في نظر الشرطة ومن ورائها الدولة.  

تُطالعنا الإحصائيات الحالية على سياق مقارب، بلغت معدلات القتل العائلي تجاه النساء في 2021، حوالي الثلث من إجمالي الجرائم، ووصل قتل النساء عموماً إلى 92% من مجموع حالات القتل المثبتة في هذه السنة، بينما تتعرّض 80% من النساء للتحرش و التعنيف اللفظي في الشارع.

  في عام 2022، شاهدنا حوادث قتل مُختلفة ذات تركيب معقد، منها حادثة قتل الطالبة الجامعية نيّرة أشرف، التي طعنها أحد زملائها في الشارع أمام بوابة جامعة المنصورة، بعدما رفضته كحبيب. شغلت الحادثة مواقع التواصل الاجتماعي واستحالت بعد وقت قصير إلى "شأن مجتمعي"، وبدلاً من محاولة قراءة تبعات الحدث، أو التفاعل معه آدمياً بسبب بشاعته، نشأت مساحات واسعة من الجدل حول صور الفتاة غير المُحجّبة، إضافة إلى تكهّنات عن استغلالها العاطفي للجاني.

يعود العنف الحاصل المتمثل في الذكور –كشريحة واسعة يمكن قراءة الوضع المجتمعي من خلالها- تجاه الإناث إلى عاملين: ممارسات السلطة وخياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ وتدهور الإسلام السياسي في مصر.

يتبلور مفهوم السلطة عند ميشيل فوكو في كتاب "المراقبة والمعاقبة" في ثلاثة أدوات "الانضباط- الأمن- السيادة". آليات عمل مختلف أشكال السلطة حالياً يعتمد على ممارسة الأدوات الثلاثة، الانضباط كعامل لتفعيل القاعدة المطلقة، والأمن كتبرير للسلب والقمع، والسيادة لتفعيل النموذج "الأعلى" والمتحكم.

ندور، في شراكة وثيقة، خلال دورة السلطة المتأتية من القرار السيادي، وتتابع هذه القرارات في مؤسسات العمل، ليلتقطها أرباب الأسر، ثم يقوموا بعكسها على الطرف الأخير في المعادلة: المرأة.

يعمل فرد الطبقة المتوسطة حالياً على الدفاع عن كوده الخاص بنفسه، مازجاً بين "التقليد" واستدعاء ستار القدسية الدينية، لترويج الحفاظ على مفاهيم "الشرف" و"الانضباط" والسيادة الجندرية التي يخلعها أمام مؤسسة عمله يومياً حتى لا يُخصم من راتبه، الذي لم يعد كافياً إلا لمنتصف الشهر

بالنسبة لعامل الكود الديني، وضع د.فؤاد زكريا نقطتي انطلاق الصحوة الدينية، الأولى هي التمكين الإقتصادي "أريحية الاقتصاد النفطي الخليجي خلال الثمانينيات" والثانية هي الحفاظ على الأكواد الدينية والعرفية لخلق سلطة داخلية، أي من الناس إلى الناس، وجاءت تحت إطار "مواجهة انتشار الأفكار الشيوعية المخرّبة".

يذكر كتاب "القاهرة السينمائية" الصادر عن دار المرايا 2022، أن نسبة الهجرة من مصر إلى الخليج، بلغت 2 مليون مُهاجر خلال عقد الثمانينيات، وهي ذاتها مرحلة "التمكين الاقتصادي" التي أشار لها زكريا. وبالتالي؛ استوعب الخطاب المجتمعي المصري التوجه السعودي بالجملة خلال كُتل العمالة المُتأرجحة بين العمل بالخليج والإجازات السنوية بمصر.

انعكست هذه الحالة بصورة واضحة في بداية الألفينيات، التي رأينا خلالها نماذج دعوية مُختلفة، كُهول وشباب وسيدات من تيارات إسلامية مُتباينة تظهر يومياً على قنوات فضائية، لا يُمكننا إغفال مدى عنف الخطاب المُصدّر من قِبل هذه الكوادر، وربط مسألة فردية مثل "التقوى" بالاستقرار الاقتصادي.

هل نتذكرُ القاعدة الملصقة في الأسانسيرات والمكتوبة على الحوائط "لن ينتهي الغلاء حتى تتحجب النساء"، أو الجُملة الأيقونة "أختااااه، احذري!

مع فشل التجربة الإسلامية سياسياً في مصر وتراجع حضور المصريين بدول الخليج تزامناً مع تجاوز جيل "الصحوة"، يعمل فرد الطبقة المتوسطة حالياً على الدفاع عن كوده الخاص بنفسه، مازجاً بين "التقليد" واستدعاء ستار القدسية الدينية، لترويج الحفاظ على مفاهيم "الشرف" و"الانضباط" والسيادة الجندرية التي يخلعها أمام مؤسسة عمله يومياً حتى لا يُخصم من راتبه، الذي لم يعد كافياً إلا لمنتصف الشهر.

 خلال هذه التقاطعات، يبدو العنف نتيجة قائمة على حراك دفاعي، حتى لو كان ظاهره هجومي. لا تنفصلُ دوافع العُنف، في أي سياق، عن محيطها الاجتماعي وتطورّاته، إذ يؤسس ذلك المحيط لمفردات العنف في صورته الجماعية، وكذلك يُساهم بشكل كبير في الدوافع النفسية لكل حادثة على مستوى فردي، لذلك يشير تقرير "مكتب الأمم المتحدة المعنى بالمخدرات والجريمة" أن الأزمات الاقتصادية في الدُول، تزيد نسبة العُنف إلى الضعف. وفي تقرير آخر ظهر خلال جائحة كورونا، تابع لمنظمة "اليونيسف"، يؤثر الركود الاقتصادي على الأُسر، خاصة الأطفال، ويكون "العنف" اللفظي والجسدي أول ما يتعرضون له بنسب مُضاعفة.

عن قرب، يبدو المشهد التاريخي قابل للسيولة جزئياً، وكأن الأشياء تستعيد نفسها بأشكال مُختلفة. كانت عصابة ريّا وسكينة – من دون تجاهل الجانب الإجرمي- وليدة الظرف الزمني المُحيط، كذلك الوضع المُعاش في الشارع المصري حالياً، الذي وصل إلى اعتياد مُعايشة أخبار القتل كل بضعة أيام، في شوارع المُدن، وأمام عيون الخلق.

من غير المعقول أن كثيرين منّا لا يزالون يطالبون بأبسط حقوقهم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

قد تبدو هذه الحقيقة ضرباً من الخيال، ولكن هناك من لا يزال يطالب بحقوقه الأساسية، كالحق في التعليم، والحق في تلقّي العلاج، والحق في العمل، والحق في الحب حتّى، وأحياناً الحق في الحياة. عليكم نعوّل. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard