شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
بعيداً عن الضجيج حول شارل مالك... لبنان "المؤسس" على "هامش العالم"

بعيداً عن الضجيج حول شارل مالك... لبنان "المؤسس" على "هامش العالم"

سياسة نحن والتاريخ

السبت 21 يناير 202312:56 م

خسر لبنان حق التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى جانب خمس دول أخرى، هي: فنزويلا، جنوب السودان، دومينيكا، غينيا الاستوائية، والغابون، لتأخره عن سداد مستحقاته لميزانية التشغيل، تراكمت عليه في السنتين الماضيتين والبالغة مليوناً و835 ألفاً و303 دولارات، حسب ما ذكر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرش، في رسالة تم توزيعها الخميس في 20 كانون الثاني/ يناير الجاري على وسائل الإعلام.

بعد هذا الإعلان، ردت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية عبر حسابها في تويتر على بيان غوتيرش، وقالت: "عطفاً على الخبر الذي تناقلته وسائل إعلام حول تعليق لبنان بالتصويت في أجهزة الأمم المتحدة نتيجةً لعدم تسديد المساهمات المترتبة، ضمن ميزانية المنظمة الدولية، يهم وزارة الخارجية والمغتربين التوضيح بأن سائر المراحل الخاصة لتسديد المبلغ المطلوب قد أُنجزت".

وأضافت: "بعد الاتصالات التي تم إجراؤها مع كل من رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية في حكومة تصريف الأعمال، تبيّن أن عملية الدفع النهائية ستتم مباشرةً بما يحفظ حقوق لبنان في الأمم المتحدة".

العضو المؤسس

خسر لبنان حق التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لتأخره عن سداد مستحقاته لميزانية التشغيل

"تأسست الأمم المتحدة عام 1945، بعد الحرب العالمية الثانية، لتحل محل عصبة الأمم، لإيقاف الحرب بين البلدان وإيجاد مساحة من الحوار بينها، وكان لبنان آنذاك حاصلاً على استقلاله منذ سنتين (1943)، ويوجد فيه الجيشان الفرنسي والبريطاني، لكنه شارك في صناعة القرار الدولي"، يقول الباحث وأستاذ التاريخ شارل حايك، لرصيف22.

ويضيف: "منذ بدايات الجمهورية اللبنانية المستقلة، يُعدّ لبنان من الدول المؤسسة، وهذا أمر مهم، أي من بين 51 دولةً موقّعةً على ميثاق تأسيس منظمة الأمم المتحدة. لم يكن لبنان معزولاً عن العالم، بل جزءاً من الحياة السياسية العالمية في إطار الأمم المتحدة، والجمعية لم تكن موجودةً، بل كان لبنان من الدول التي تناقش فكرة إقامة هذه المنظومة، إذ كان هناك فقط عصبة الأمم، التي تم إلغاؤها وجاءت بعدها الأمم المتحدة، على الرغم من أن لبنان كان دولةً مستقلةً عمرها سنتان فقط".

يرى حايك أن لبنان كان في تلك الفترة حاصلاً على استقلاله مع وجود الجيشين الفرنسي والبريطاني، وأن "قرار الانضمام إلى الأمم المتحدة قرار لبناني مئة في المئة، وليس قراراً فرنسياً، بل كان الجيشان وقتها في بداية انسحابهما من لبنان، والانتداب لم يكن يقبل أن يكون للدول الواقعة تحت احتلاله تمثيل دولي، لذلك لم يدخل لبنان في عصبة الأمم حينها".

ويتابع حديثه: "لبنان استخدم الأمم المتحدة كي يستطيع التخلص من الوجود العسكري الفرنسي والبريطاني عام 1946، وإن لم يحصل عليه عبرها، لكن مساهمته فيها، ساعدت في إنهاء الاحتلال العسكري فعلياً".

شارل مالك والصياغة

كانت لجنة صياغة الإعلان حينها مؤلفةً من 9 أشخاص من حول العالم، تتقدمهم آنا إليانور روزفلت، السيدة الأولى السابقة للولايات المتحدة (الفترة من 1933 إلى 1945)، والمعروفة بالتزامها لصالح المحرومين، بالإضافة إلى رينيه كاسين وألكسندر بوغومولوف وتشارلز ديوكس وغيرهم، وكان من بينهم العربي الوحيد، الدبلوماسي والسياسي والأكاديمي اللبناني الدكتور شارل حبيب مالك، الذي يُعدّ أحد أبرز المؤثرين في اللجنة التي تولّت وضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي لا يزال يُحتكم إليه إلى يومنا هذا كمرجع ومستند قانوني يشكل أساس القانون الدولي لحقوق الإنسان.

كان شارل مالك يعكس للعالم كيف كان لبنان ينتقي دبلوماسييه من النخبة وليس من الطبقة السطحية، أي دولة تبني نفسها برغم كل المشكلات والتحديات، ولكن على الأقل كانت هناك إرادة أو محاولة

ومالك، سياسي ودبلوماسي ومفكر لبناني، شغل منصب وزير الخارجية ومنصب وزير التربية والفنون الجميلة، بين عامي 1956 و1957، في حكومة سامي الصلح، في عهد الرئيس كميل شمعون، وساهم في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية في تأسيس الجبهة اللبنانية، وكان من أبرز منظريها مع الدكتور فؤاد إفرام البستاني، وقد كان الوحيد بين أقطابها الذي لا ينتمي إلى الطائفة المارونية، ولعلّ هذه المرحلة من حياته هي التي أثارت الجدل حول شخصيته، وبعد أن تم تعيينه في لجنة صياغة الإعلان، كان له الكثير من المحطات والمواقف التي أثرت على مجرى المفاوضات الحاصلة بين أعضاء اللجنة.

يقول حايك: "وقتها، كان مالك ممثل لبنان في الأمم المتحدة، وكان مقرر اللجنة وهو من كتب مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وصنع خطوةً مهمةً في تاريخ الأمم المتحدة، وأن تكون مقرر اللجنة لصياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فهذا أمر مهم جداً، ينعكس على حضارة سكان البلد وثقافتهم، والعمل على حقوق الإنسان، بالرغم من أن لبنان لاعب سياسي من الدرجة الرابعة أو الخامسة، ولكنه كان لاعباً ثقافياً مهماً".

برأيه، "كان شارل مالك يعكس للعالم كيف كان لبنان ينتقي دبلوماسييه من النخبة وليس من الطبقة السطحية أو الجاهلة، أي دولة تبني نفسها برغم كل المشكلات والتحديات، ولكن على الأقل كانت هناك إرادة أو محاولة لبناء دولة نحو الأفضل للطبقة المثقفة والدبلوماسيين الذين يلعبون دوراً عالمياً أكبر بكثير من حجم لبنان، وكل ما يحصل اليوم في لبنان هو نقيض تاريخي".

مهزلة واستثناء!

في المقابل، يرى الكاتب والصحافي حازم صاغية، في حديثه إلى رصيف22، أن "لبنان مثل أي دولة في الأمم المتحدة، ولكن البعض يُحدث ضجيجاً حول شارل مالك ودوره في تأسيس الأمم".

يقول: "الأمر مهزلة لسبب أن الدولة لم تدفع المستحقات، ما أدى إلى حرماننا من حقوق التصويت، ولكن الأمر المهم هو كيف خرجنا من الأمم المتحدة أي منُعنا من حق التصويت وليس كيف شاركنا في تأسيسها، فالدخول إليها تلقائياً متاح لكل دول العالم، والأمر لا يحتاج إلى بطولة، والحدث هو الخروج من حقوق التصويت بسبب عدم دفع المستحقات المتوجبة على لبنان. الأمر وصل إلى هذه المرحلة لأنه لا توجد أموال، والبعثات الدبلوماسية في الدولة لا يتم دفع معاشات أفرادها".

السنة الماضية أيضاً خسر لبنان حق التصويت للسبب نفسه ولكنّه عاد ومستحقاته سريعاً، واستعاد حق التصويت

برأي صاغية، "الوضع المتخبط الذي يعيشه لبنان في الداخل، هو امتداد لما حصل مؤخراً في الأمم المتحدة، عبر إعلام الأمين العام للأمم المتحدة بتجميد حق لبنان في التصويت"، ويضيف: "أما خارجياً فصورة لبنان في العالم ضعيفة وأصبح الموضوع معرض استهزاء وقلة اهتمام بلبنان، ولا يساوي شيئاً أكثر مما حصل وتابعنا من ردود أفعال، إذ كان المبلغ المطلوب عادياً قبل الأزمة الاقتصادية، أما اليوم فلم يعد كذلك بالنسبة إلى وضع لبنان".

ويتساءل عما إذا كانت ستؤدي هذه الخطوة على الصعيد الحقوقي إلى شعور اللبناني بالتملص من أي التزام بحقوق الإنسان، و"لكن لبنان لم يخرج من الأمم المتحدة بل لا زال فيها ولكن مُنع من التصويت، وتالياً ليس هناك تغيير أساسي، بل استثناء من العالمية والأشياء المشتركة بين دول العالم".

في كانون الثاني/ يناير من السنة الماضية، خسر لبنان حقه في التصويت في الجمعية العمومية "لتخلّفه عن تسديد مساهمته المالية منذ سنتين"، بحسب ما قاله المتحدث باسم الأمانة للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، خلال مؤتمر صحافي أعلن فيه "عن تفهمه للظروف التي حالت دون وصول المستحق على لبنان قبل نفاد المهلة القانونية"، وبعدها بأيام قليلة أعلنت أمل مدللي، مندوبة لبنان لدى المنظمة الدولية في تغريدة على تويتر، أن لبنان سدد المتوجب عليه، واستعاد حقه في التصويت.

عزلة عن العالم؟

"لم تفهم الطبقة الرديئة السياسية التي تحكم اليوم لبنان الدور الثقافي والسياسي وإرث هذه المفاهيم وعدم اللعب بهذه الأمور"، يقول حايك، الذي يرى أن "لبنان برغم ذلك ليس معزولاً عن العالم بل هو جزء من العالم".

ويُذكّر بالقرار 425 بعد الاجتياح الإسرائيلي، إذ "كانت الأمم المتحدة لأول مرة تدين الاحتلال الإسرائيلي، وهذا العمل كان من جهد فؤاد بطرس وغسان تويني في الأمم، أي دبلوماسية لبنان استطاعت الوصول إلى نتائج، وكل هذه الأمور تعرّي الطبقة السياسية التي لا تأبه بدور لبنان وبحضوره على الصعيد الدولي".

ويضيف: "على الأغلب، أمر عزل لبنان يفيد هذه السلطة الحاكمة في الاستمرار في الحكم، لأنه بالنسبة لها كل هذا النظام العالمي حكي فارغ، وهذا الأمر كارثة لأنك ستكون معزولاً عن النظام العالمي، وتُحرم من التصويت في حال كان هناك قرار سياسي ضد لبنان، والسبب عدم دفع المستحقات المالية، ما يدل على عدم إدراك أهمية تاريخ دور لبنان في الأمم المتحدة واستخفاف بهذه الأمور البسيطة".

ليست المرة الأولى

وبحسب المادة 19 من ميثاق الأمم المتحدة، "لا يكون لعضو الأمم المتحدة الذي يتأخر عن سداد اشتراكاته المالية في المنظمة، حق التصويت في الجمعية العامة إذا كانت قيمة المتأخر عليه مساويةً لقيمة الاشتراكات المستحقة عليه في السنتين الكاملتين السابقتين أو زائداً عنها".

"لبنان مثل أي دولة في الأمم المتحدة، ولكن البعض يُحدث ضجيجاً حول شارل مالك ودوره في التأسيس، وما حصل اليوم هو مهزلة وهو ما ينعكس استهزاء بلبنان وقلة اهتمام دولي به

في المقابل، تمنح الجمعية العامة للأمم المتحدة بحسب المادة 19 من ميثاق الأمم المتحدة، تقرير استثناء، "وهو سماح الجمعية العامة للدولة العضو بالتصويت إذا اقتنعت بأن التأخر في السداد ناشئ عن أسباب لا قِبَل للدولة العضو بها، وأسهمت في عجزها عن الدفع".

ولم توضح وزارة الخارجية اللبنانية، أسباب التأخير عن تسديد المساهمات المترتبة على لبنان، واكتفت بالتوضيح بأن عملية الدفع النهائية ستتم مباشرةً بما يحفظ حق لبنان في الأمم المتحدة.

يرى الكاتب والأستاذ الجامعي وسام اللحام، في حديثه إلى رصيف22، أنه "على الأغلب، يستطيع لبنان تقديم طلب، مفاده أنه أصبح من الدول الفقيرة، أي يحق له طلب إعادة النظر في المبالغ المراد دفعها سنوياً، الأمر الذي يحتاج إلى موافقة النظام السياسي الموجود على أن يقرّ بأن لبنان أصبح دولةً فقيرةً ويحتاج إلى إعادة تصنيفه".

ويضيف: "حين كان لبنان يدفع المبالغ كمساهمة عن عضويته قبل الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي، كان حينها الدخل الفردي في حدود الألف إلى ألفي دولار أمريكي، واليوم أصبح الدخل الفردي مئتي دولار، وهذا ينطبق على كل المنظمات الدولية التي يكون لبنان جزءاً فيها ويلتزم بدفع مستحقاتها".

ويرى لحام أن المسؤولين في الدولة اللبنانية، "يستطيعون بكل بساطة الظهور إلى الإعلام والاعتراف بعدم دفع لبنان مستحقاته للأمم المتحدة"، عادّاً أن "هناك تقصيراً من وزارة الخارجية، ففي كل مرة ينتظرون إعلان الأمم المتحدة عن عدم الدفع، ليتدخلوا".

يضيف: "لا ننسى أن الدستور اللبناني يلزم لبنان بأنه عضو مؤسس وعامل في الأمم، والأمر أصبح موجباً دستورياً، وأي شيء يمسّ هذا الوجود فهو مخالفة للدستور اللبناني، وتالياً عليه واجبات يجب أن يقدمها".

في رصيف22، نقرأ الماضي بانفتاح على الآراء المتنوعة، ونسعى دوماً إلى تقديم الحكاية من كل زواياها. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

ماضينا كما يُقدَّم لنا ليس أحداثاً وَقَعَت في زمنٍ انقضى، بل هو مجموعة عناصر تجمّعت من أزمنة فائتة ولا تزال حيّةًً وتتحكم بحاضرنا وتعيقنا أحياناً عن التطلّع إلى مستقبل مختلف. نسعى باستمرار، كأكبر مؤسسة إعلامية مستقلة في المنطقة، إلى كسر حلقة هيمنة الأسلاف وتقديم تاريخنا وتراثنا بعين لا تخاف من نقد ما اختُلِق من روايات و"وقائع". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. ساعدونا. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard