شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
بطل الرياضة الذي أصبح بطل القلوب، وانتحر… غُلام رضا تَختي

بطل الرياضة الذي أصبح بطل القلوب، وانتحر… غُلام رضا تَختي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

السبت 3 يونيو 202302:02 م

تندرج هذه المادة ضمن ملف الطريق إلى إيران، في رصيف22.


حينما انتبه موظفو فندق "أطلسي" في طهران إلى أنّ ضيفهم العزيز لم يخرج من غرفته منذ يومين، كسروا باب غرفته في الساعة العاشرة صباحاً من 7 كانون الثاني/يناير سنة 1968، ليُصدموا بمشاهدة جثته الممدة. كانت إلى جانب جثة بطل العالم في المصارعة غلام رضا تختي، رسالة كتبها إلى المدعي العام في الدقائق الأخيرة من حياته:

"إلى سعادة المدعي العام

هذه الورقة هي وصيتي أرجو فيها أولاً تقديم مهر زوجتي، مهما كان، ولا أرضى بأكثر من ذلك. ثانياً منزل... قد بعته منذ عام على السيد إيرَج ... كما أن سيارة البنز الواقعة في شارع (جِراغ بَرْق) هي للسيد إيرَج. ليس لديّ شكوى ضدّ أحد. أنا من اتخذت هذا القرار دون تدخل أحد.

غلام رضا تختي 6- 1- 1968".

شارك في دفن جثمانه ما يقارب نصف مليون شخص. مشهد إنساني رهيب وحزين شهدته كل الشوارع المؤدية إلى مقبرة "ابن بابوية" بالعاصمة طهران، وكأن المجتمع فقد أخاه الأكبر

عنونت صحيفة "كيهان" الشهيرة نسختها المسائية في ذلك اليوم: "بطل العالم انتحر". نزل الآلاف إلى الشارع متجهين نحو دائرة الطب الشرعي دون أن يصدقوا ما قالته الصحيفة، وهتفوا بضرورة محاكمة القاتل أو من أمر بذلك.

شارك في دفن جثمانه ما يقارب نصف مليون نسمة. مشهد إنساني رهيب وحزين شهدته كل الشوارع المؤدية إلى مقبرة "ابن بابوية" بالعاصمة طهران، وكأن المجتمع فقد أخاه الأكبر؛ أخ لم يتخطّ عمره الـ37 عاماً؛ أخ ليس من أجل ميدالياته وإنجازاته الوطنية والدولية، فتختي كان بطل أحلام الكل وأيقونة المجتمع ورمز مثابرتهم وانتصارهم على المتاعب، وكان يحظى بشعبية فائقة لدى الصغير والكبير.

من عامل إلى منصة أبطال المصارعة

ولد الرياضي غلام رضا تختي في 27 آب/أغسطس 1930، كآخر أبناء عائلة فقيرة تتكون من سبعة أفراد جنوب العاصمة، وهو ابن حي "خاني آباد" المتواضع، كان والده يبيع الثلج على الطريقة التقليدية.

عندما صادر دائنو والده المنزلَ وأُجبرت الأسرة على المبيت في الشارع لليلتين، قبل أن يحصلوا على دار من الجيران، كان عمر غلام رضا سبعة سنوات، وقد تركت تلك التجربة المريرة انطباعاً كبيراً في تضامنه وتعاطفه مع الأسر المتعففة عندما أصبح رياضياً شهيراً.

أحبّ منذ صغره رياضة "الزورخانه" (المصارعة) التقليدية، لكنه كان مجبراً على العمل حينها، فجهد في جمع الاثنين، العمل والرياضة. كانت صالة الزورخانه محلاً لممارسة الرياضة وموقعاً لتعلم الصفات الحسنة والفتوّة والشهامة.

أصبح غلام رضا عاملاً في شركة النفط الأنكلو-إيرانية، في مدينة مسجد سليمان جنوب غرب البلاد، وهي أول شركة نفطية تعمل في الشرق الأوسط. "برغم هوايتي الرياضية إلا أنني كنت مجبراً على البحث عن فرصة عمل. الحياة تحتاج خبزاً وماء. ذهبت إلى محافظة خوزستان، وعملت مقابل أجرة سبعة أو ثمانية تومانات لكل يوم، حينها كانت الأوضاع صعبة للغاية في ظل الحرب العالمية الثانية"، هكذا شرح أيامه الأولى في العمالة.

توظف في ما بعد بدائرة طهران للسكك الحديدية براتب شهري متواضع، ومارس المصارعة حتى امتهنها، وانضم إلى منتخب إيران للمصارعة سنة 1951، وشارك حينها في سباق المصارعة الدولية في فنلندا.

حصل غلام رضا على المركز الثاني وهو في سن الـ21 عاماً، وبذلك كان أول إيراني ينال ميدالية عالمية في المصارعة، ففتح باب الانتصارات الدولية على مدى 15 سنة القادمة.

كان يعتذر من منافسيه بعد تغلبه عليهم، ويهدي الأجانب منهم الهدايا التذكارية، ولم يمس أعضاءهم الجرحى أثناء المنافسة، فكأنه يؤدي مباراة أخلاقية بامتياز.

ميدالياته الملونة بين الفضية والذهبية وفي ثلاثة أوزان مختلفة، إلى جانب الكاريزما التي كان يمتلكها وإحترامه للآخرين، جعلت منه بطلاً بمواصفات شعبية نادرة الحدوث بين زملائه وقتذاك.

بطل المصارعة والمجتمع

تمتلك مفردة "بَهْلَوان" في اللغة الفارسية معنى أوسع مما لها في اللغة العربية؛ إنها صفة تمنح لرياضي جمع الاحتراف والأخلاق معاً، فالبهلوان الإيراني رياضي شجاع وصادق ومنصف وجريء، متواضع أمام الضعفاء وقوي أمام المتغطرسين. هكذا كتب الإيرانيون عن مواصفات من يحمل ذلك اللقب الكبير، وكان غلام رضا وما زال حتى اليوم أفضل شخص يلقّب بلقب "بهلوان إيران".

ما ميّزه عن باقي الرياضيين في القرن الأخير من تاريخ إيران وأوصله إلى صدارة أبدية حتى اللحظة هو طريقة تعامله في المناسبات الاجتماعية والأحداث السياسية ومطالبته بالعدالة للمظلومين.

تختي، الشعب والسياسة

كان تختي يعيش حياة بسيطة رغم شهرته، وكان مبتسماً دائماً برغم جسمه الرياضي الضخم؛ لم يكن انتهازياً في استغلال منصبه لصالح نفسه، وقدم كل ما حصل عليه من أموال للفقراء.

كانت تتوافد عليه طلبات المساعدة من فقراء من أنحاء البلاد، ولم يرد أحداً حسب ما يذكر التاريخ. وفي زمن كان يلهث الكثير خلف مصالحهم الفردية وكسب الثروة، رفض الكثير من مقترحات التمثيل في السينما والأفلام والإعلانات، فإيمانه بمبدأ عدم الإنجرار خلف مشاغل أخرى لا تصب في مصلحة الإنسان جعلت منه شخصية فريدة أوقفها لخدمة مساندة الناس.

كان البهلوان داعماً لأفكار محمد مصدق، رئيس الوزراء المنتخب الذي أمم النفط وطالب بتحديد صلاحيات الملك قبل أن يطاح به في انقلاب عسكري سنة 1953.

"كان تختي يدعم الجبهة الوطنية بقيادة مصدق. في بداية الخمسينيات تنافس داعمو مصدق والشيوعيون على كسب المشاهير والشخصيات المحبوبة بين الناس من رياضيين وأدباء لتحسين صورتهم في المجتمع، فكان تختي يتناسب مع الجبهة الوطنية، لذلك تحوّل تختي إلى شخصية معارضة للنظام الملكي"، حسب ما قاله المؤرخ هوشَنك شهابي في المجلة الدولية الرياضية.

وبعد أن تربع على المرتبة الأولى في مسابقات اليابان سنة 1961، استقبلته الجماهير في مطار طهران، وحلّ بين أنصاره بباقات أزهار الجبهة الوطنية من أنصار مصدق التي التفت حول عنقه. كان حينها نجماً رياضياً معارضاً للنظام الملكي، لكن مكانته كبطل وطني ودولي وشعبيته كانت تصونه من أي تعرض مباشر.

في مطلع الستينيات وحينما نظم الطلاب إضراباً داخل جامعة طهران، وحوصروا من قبل الحرس الملكي، كان تختي الوحيد الذي استطاع أن يدخل الجامعة حاملاً الطعام لهم. لم يكن الطعام كافياً، فخرج وعاد بأكثر منه للطلاب، ولم يجرؤ أحد من الحرس بالوقوف أمامه.

لم يكن البهلوان جامعياً، بل إنه لم يكمل الثانوية حتى، لكن كوّن علاقة وطيدة مع الجامعيين، حتى ذَكر أنه كلما حزن كان يذهب ليتمشى قرب جامعة طهران، فهي كعبته.

في الستينيات، ضرب زلزال مروع مدينة قزوين القريبة عن العاصمة، فنظّم تختي وبمعية لجنة الجبهة الوطنية في جامعة طهران، حملة ناجحة لإغاثة المتضررين.

تقول بعض الروايات إنّ امرأة عجوز، وبمجرد أن رأت تختي يجمع المساعدات، أخذت حجابها وأهدته لضحايا الزلزال، لأنها لم تكن تملك شيئاً، وقالت إنها مسلمة مطيعة طوال حياتها وارتدت الحجاب، لكنها واثقة من أنّ الله سيغفر لها. بمعزل عن مدى صحة الحكاية إلا أنها تظهر قدرة تختي وشعبيته بين أوساط المجتمع، الذي كان أيقونتهم آنذاك.

وحينما قُمعت المجموعات المعارضة لاستبداد النظام الملكي، لم يخفِ غلام رضا تعاطفه معهم، حتى أنه رفض المشاركة في إحدى الدعوات التي وجهت له من قبل أعضا الأسرة المالكة، وجاء الرد بقطع راتبه من شركة السكك الحديدية.

أسطورة تختي لم تنته. إنه فوق كل شيء، لم تتزعزع مكانته وشعبيته بهذه السهولة، خاصة وأنه كان يمثل صوت المجتمع المكبوت.

انتهجت الحكومة مساراً آخر لكسب الرياضي الكبير والحبيب لدى الشعب، فقدمت له مقترحَ نيله مقعداً في البرلمان، لكنه رفض. ولكي يرغموه على ذلك حظروا دخوله إلى الأندية، ومانعوا من مشاركته في السباقات الرياضية، فلم يتنازل، فطلبوا منه المشاركة في أولمبياد طوكيو عام 1964.

كان المخطط الحكومي يكمن في أن يخسر تختي السباق، ونتيجة لذلك تتراجع شعبيته الجارفة التي باتت مصدر قلق للنظام. رفض تختي المشاركة في المباريات لأنه كان متقاعداً من المصارعة بإرادته منذ فترة، بيد أن المجتمع أصرّ وشجعه على الذهاب إلى اليابان.

مارست الحكومة ضغوطاتها النفسية ضد بطلها الأول، فأذلته بعد أن لم تسمح له بشرف حمل العلم الإيراني في حفل الافتتاح، وكان عرضة لسخرية الرياضيين الآخرين، ونتيجة لعدم جهوزيته النفسية والبدنية خسر المباريات. ثم نصبوا له نفس الفخ في بطولة أوهايو بالولايات المتحدة سنة 1966، وخسر مرة أخرى هناك، لكن أسطورة تختي لم تنته؛ إنه فوق كل شيء؛ لم تتزعزع مكانته وشعبيته بهذه السهولة، خاصة وأنه كان يمثل صوت المجتمع المكبوت.

موت تختي، لغز دون إجابة

مرّ نصف قرن على رحيل تختي، الأسطورة الخالدة، المدافع عن العدالة والشوكة في عين النظام الملكي المستبد. كانت درجة شعبيته وصلت إلى حدود أن يقال إن 6 أشخاص أقدموا على الانتحار في عموم البلاد بعد سماع خبر انتحاره.

كتب المفكر اليساري جلال آل أحمد عن حادثة رحيل تختي: "لا يخطر على بال أحد احتمال انتحاره. أينتحر وهو بطل العالم وله مكانة اجتماعية مرموقة؟".


ومن شكّ في الرواية الرسمية، جاء ببعض البراهين كي لا يقتنع بانتحاره؛ مثل أنه رجل متدين شجاع وأكبر من أن يستلسم ويرتكب معصية كالانتحار.

إضافة إلى ذلك، كان فندق "أطلسي" مرتفع الأسعار وقريباً من مركز الاستخبارات (السافاك)، فأشيع أن السافاك قد قبض على تختي، وبعد تعذيبه وقتله، رموا جثته في غرفة الفندق. وازدادت هذه القصص بعد انتصار الثورة الإسلامية ضد النظام الملكي.

مرّ نصف قرن على رحيل تختي، الأسطورة الخالدة، المدافع عن العدالة والشوكة في عين النظام الملكي المستبدة. كانت درجة شعبيته وصلت إلى حدود أن يقال إن 6 أشخاص في إيران أقدموا على الانتحار بعد سماع خبر انتحاره

ويظن آخرون أن البلهوان كان إنساناً وحيداً وحزيناً ومكتئباً، إذ أحزنته مشاكله، وموت الدكتور مصدق، ما نتج عنه انتحاره المحتمل.

عنون المفكر الإيراني داريوش آشوري مقالته حول موت البطل الوطني بـ"الرجل المحكوم عليه بالخسارة"، ويصف موته نتيجة للتناقض بين العوالم الداخلية والخارجية لتختي: "ما نعرفه عن تختي، شخصيته البطولية البهلوانية. مدحه الكثير من أجل انتصاراته الرياضية والبعض من أجل فضائله الأخلاقية. بيد أنّ انتحاره كان الوجه الآخر والخفي من شخصيته. إننا أمام إنسان جريح نفسياً، وذي مشاعر حساسة وشخصية انطوائية، خسر في صراعه الدائم مع بيئته. وقد قبل هذه الخسارة بانتحاره، هو نموذج متكامل من بطل بهلوان، وليس رياضي محترف فحسب".


إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard