شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!

"تاريخ العصامية والجَربَعَة في مصر"... سردية ناقدة أم مُهينة؟ (2 من 2)

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الأحد 15 يناير 202312:35 م

يُفكك الكاتب والباحث محمد نعيم في كتابه "تاريخ العصامية والجربعة في مصر"، أوراق مائتي عام من التاريخ الاجتماعي والسياسي المصري، متأملاً ومتتبعاً في هذه السردية، مسارات العصامية والجربعة في فترات الصعود الطبقي، والتحولات الاجتماعية وكذلك في مراحل تاريخية بعينها، نبتت فيها –على حد قوله- بذور الجربعة، حتى سقطت ثمارها على رؤوس المصريين، وأفضت إلى تكريس مجموعة من السلوكيات المنحطة لدى الأفراد، مثل الفساد والرشوة، حتى الوصول إلى ممارسة الجريمة الاقتصادية التي أدت إلى ظهور طبقات رأسمالية طُفيلية في عهد الانفتاح الاقتصادي في حقبة السبعينيات، وكذلك ظهور ما أسماهم بالوافدين الجدد وهُم الطبقات التي فشلت البرجوازية المصرية في احتوائها، حتى أصبحت –بحسب قوله- الجربعة المصرية أسلوب حياة لدى العديد من فئات المجتمع.

أوهام الأصول الفرعونية النقية لمصر

وقبل الدخول في معترك المسارات الشائكة للعصامية والجربعة في مصر، وبعيداً عن العوار الرئيسي في سردية نعيم والذي يكمن في تلخيصه لمسيرة شعب عبر آلاف السنين في مسار رأسي واحد وصيرورة أخلاقية واحدة يُحاول إثباتها في حدود 170 صفحة من القطع الصغير.

بعيداً عن كل ذلك، علينا أن نوضح في البداية، أننا في البحث في متن كتابه، نقف على النقيض من معتنقي "الكيميتية"، وهي إحياء معاصر للديانة المصرية القديمة، وقد اشتق اسمها من كلمة "كيميت" وهو اسم مصر في اللغة المصرية القديمة، وبالطبع، فالكيميتية، ترد الشعب المصري إلى أصول فرعونية نقية لا لبس فيها، وقد تحولت مؤخراً من خطاب نخبوي ضيق إلى خطاب إعلامي شعبوي، يُعبر بصورة ناصعة عن الحاجة إلى "هوية" تستند إلى مجد غابر في ظل مسيرة الإخفاقات المتوالية.

تعارُض نعيم مع "الكيميتية" يتضح عبر تفكيكه لخطابات بعض المؤمنين بالوطنية المصرية، الذين يقومون بمحاولات مضنية لإثبات تاريخية وجود جماعة متماسكة عِرقيًاً تسكن وادي النيل عبر آلاف السنين. يرى الكاتب أن: "غالبية محاولاتهم البحثية ذهبت غالباً في اتجاه يُثبت عكس فرضياتهم؛ فمن الواضح والمؤكد أن مصر كانت مكانًا لتلاقُح أعراق العالم القديم، الإفريقية والآسيوية والمتوسطية. ولا يوجد تاريخ دقيق وتتبع علمي متماسك لقصة أصول وتكوين وتوالد وفناء السكان الذين عاشوا على وادي النيل عبر آلاف السنين، فمحاولة ذلك مع بلد مثل مصر كان قلباً للعالم القديم وأول حضاراته المستقرة، هي مسألة أشبه بالحرث في البحر".

لا توجد وطنية مصرية مطلقة

إذاً فالكاتب أيضاً يقف على النقيض من خطاب الوطنية المصرية السائد على مستوى النخبة، ولدى قطاعات شعبوية عريضة، لكنه في الحقيقة لا يتعارض مع هذا الخطاب بشكل حاد. لا يؤمن نعيم بوجود هوية جماعية موحدة ومتماسكة ومصمتة، وثابتة بمرور الزمن، بمعنى أنها كامنة في مكان سري، لا تتأثر بالتغييرات والتحولات الاجتماعية والسياسية، وكذلك يؤمن بأنه لا توجد وطنية مصرية مطلقة، فالوطنية لديه، تجربة اجتماعية مشتركة، خاضعة للظرف الزمني، ومن ثم فهي متجددة ومتغيرة، فما نراه في مرحلة ما ينتمي إلى صميم الوطنية المصرية، ربما نراه في ظرف زمني آخر انقلاباً عليها.

يفكك محمد نعيم في كتابه "تاريخ العصامية والجربعة في مصر" أوراق مائتي عام من التاريخ المصري متتبعاً مسارات العصامية و"الجربعة" في فترات الصعود الطبقي، والتحولات الاجتماعية وكذلك في مراحل تاريخية بعينها، نبتت فيها – على حد قوله- بذور الجربعة، حتى سقطت ثمارها على رؤوس المصريين

وإذا كان الكاتب لا يتعارض بشكل صارم مع خطاب الوطنية المصرية، فإنه ينتقد حالة النوستالجيا المسيطرة على أصحاب هذا الخطاب، ويرى أن هذا الحنين إلى أمجاد الماضي-حتى لو كانت حقيقية- ليس إلا تعبيراً مكشوفاً عن عجز واضح عن مواجهة تحديات الواقع المعاصر، أو تعامٍ مقصود عن قراءته، ولأن همّ نعيم الأساسي في مؤلفه هذا، هو البحث الدؤوب عن "الجربعة"، فهو يرى أيضاً أن هذه النوستالجيا ليست إلا جربعة، عبرها، تؤسس بعضُ فئات المجتمع لنفسها مكانة اجتماعية متميزة عن فئات أخرى، من خلال الإدعاءات الشائعة لدى البعض بأن أجدادهم الباشوات كانوا يمتلكون مئات الأفدنة، وهنا يُفند نعيم حقيقة هذه الادعاءات، حيث يقول:

"بعض رواد الحنين في مصر يروجون لخطابات عن الحسب والنسب والأصالة في بلد لم تتأسس فيه معايير الملكية بالوراثة أو بالأقدمية، بل بالمغامرة والصراع عليها واستغلال الفرص وإدراك اللحظات الفارقة. وكانت الإنعامات الخديوية والأبعديات المقطوعة من الباشا الوالي لأفراد تدين له بالولاء من (أصاغر القوم والشماشرجية وصغار الضباط)، المصدرين الرئيسيين لأصحاب الملكية".

حرج الأغنياء وجربعة الطبقة الوسطى

يُعرِف نعيم الجربعة بأنها "حزمة من التصورات الفردية والجماعية التي تعمل على إنتاج وإعادة إنتاج نفسها نفسيًاً، وسلوكياً، باختصار يتوخى التجريد قدر الإمكان". تعريف مُعقد، يفكه بعدد من الأمثلة: "الزياط، أو المزايدة الدينية والأخلاقية غير المتسقة مع سلوك صاحبها المشين هي سر من أسرار الجربعة، اقتحام الحياة الخاصة للناس ومحاكمتها باسم الدفاع عن قيم المجتمع: جربعة. اعتبار تمسك أصحاب المباديء بمبادئهم تعبيرا عن مثالية فارغة ومنطق حالم وغير عملي: جربعة. احتقار الثقافة وكل تفكير مركب باسم ادعاءات شعبوية عن صعوبة هذه الأفكار وابتعادها عن حقيقة الشعب: جربعة".

سعى الكاتب إلى تفسير الحرج الذي ينتاب الكثير من الأغنياء وكبار الموظفين من أصولهم الاجتماعية المتواضعة والبسيطة، باعتبار أن البحث عن مبرارات هذا الاحساس بالعار، مدخلًا محوريًا لفهم الجربعة ومنطقها، ومن خلال تأملاته وتحليلاته، توصل إلى أن هذا الحرج له عدة تفسيرات، منها أنه مثلما ترقى البعض اجتماعيا بمسيرة من العصامية والكفاح، فهناك أيضاً من ترقوا بالفساد والإنعامات السلطوية والجريمة الاقتصادية.

أما التفسير الثاني فيتعلق بتكوين طبقة رأسمالية طفيلية في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، هذه الطبقة التي مارست الجريمة الاقتصادية في أعلى صورها فجاجة، وهي الطبقة نفسها التي راكمت في ستينيات عبد الناصر ثروات تسمح لهم باعتلاء الوثبة الانفتاحية في سبعينيات السادات، والتفسيرات الأخرى تتعلق بطبائع غريبة داخل الطبقة الوسطى المصرية كالانتهازية ورفض الوافدين الجدد، ومحاولة الصعود إلى الطبقة الأعلى بأي ثمن.

المأساة العرابية وهزيمة يونيو

وعلى المستوى التاريخي يرى نعيم أن ثمة منعطفات وأحداث تاريخية معينة، نبتت فيها بذور الجربعة، وكانت البداية مع "المأساة العرابية" أو هزيمة الثورة العرابية، التي على إثرها دخلت القوات البريطانية إلى الإسكندرية ثم القاهرة، ليظل الاحتلال الإنكليزي جاثماً على صدور المصريين لـ70 عاماً. الجربعة المصرية –من وجهة نظر نعيم- كانت من ضمن الأسباب المباشرة والغير مباشرة لهزيمة الثورة، يقول:

على المستوى التاريخي يرى نعيم أن ثمة منعطفات وأحداث تاريخية معينة، نبتت فيها بذور الجربعة، وكانت البداية مع "المأساة العرابية" أو هزيمة الثورة العرابية

"قليلون هم من يتعاملون مع حقيقة أن الاحتلال البريطاني لمصر كان على خلفية صراع أهلي داخلي، وحسمًا منه لصالح الطرف الأكثر استعداداً للخضوع للمصالح الامبريالية البريطانية، لذا حين دخلت القوات البريطانية إلى القاهرة، كانت في استقبالها مظاهرات عملاقة من أنصار الخديوي مؤيدة ومبتهجة بقدومها. وسوف يحاول الطرف المنتصر بمنتهى البجاحة والجربعة فرض روايات مفادها أن عرابي هو المسئول عن قدوم البريطانيين كما لم يكن هو من تآمر واستنجد بهم علناً".

ومع هزيمة يونيو 1967، يرى نعيم أن "الحالة الجربوعية" قد ترسخت وامتدت جذورها في أعماق الأرض المصرية، حيث تحقق شرطي "الجربعة" بامتيازين، هما انتصار الهزيمة والتآخي مع الخطيئة، حيث "راح النظام يُكيف أوضاعه مع النواتج الاستراتيجية للهزيمة وبدلًا من يدين نفسه لعجزه عن تحقيق الشعارات الوطنية، راح يسخر ويُقلل من هذه الشعارات الوطنية والتقدمية واعتبرها سببا للهزيمة"، ومن ثم حدث اعتداء سافر على كل معنى تقدمي ووطني كان قد ترسخ في وعي الحركة الوطنية المصرية.

وبعد هزيمة يونيو، جاءت سياسات الانفتاح الاقتصادي، لتصبح "الجربعة" ثقلاً مركزياً بل محركاً لمجريات الأمور في المشهد المصري، وكذلك أصبحت واقعاً وأمراً لا مفر منه في عهد الحقبة المباركية، حيث تمددت بشراسة، وأكلت كل معنى حقيقي، في فترة تميزت بالبرود السياسي، والطفو على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتأجيل حلها إلى المستقبل، وهكذا إلى أن حدث الانفجار الكبير في ثورة 25 يناير، هذه الثورة التي سبقها –بحسب ما رأى نعيم- عودة حارة للروح العصامية المصرية.

مع هزيمة يونيو 1967، ترسخت "الحالة الجربوعية" وامتدت جذورها في أعماق الأرض المصرية، حيث تحقق شرطي "الجربعة" بامتيازين، هما انتصار الهزيمة والتآخي مع الخطيئة

وكان السبب المباشر في تشكيل هذه الروح، ثورة الاتصالات الحديثة، التي ساعدت المصريين على اكتشاف العوالم الجديدة، ومعرفة أشكال وأنماط مختلفة من الحياة، وكذلك خلقت حالة من التواصل الفعال بين المصريين، هذا التواصل الذي خلق حالة من الجدل الخلاق الحر، البعيد عن أي سلطة، وكالعادة فالحراك الاجتماعي كان متعاقباً وسريعاً في مصر بشكل أدى إلى تكسير هذه الروح العصامية الجديدة وضربها في مقتل.

وبالعودة إلى القيم الجمهورية المعتدى عليها والمبتَسَرة منذ تأسيس الجمهورية المصرية في عام 1953، والتي كانت الدافع وراء الكتاب، نجد أن الباحث، يختتم كتابه من حيث بدأ ويرى أنه دون ترسيخ مبادئ الجمهورية الجديدة، فإن البلاد سترتد إلى قيم سلطانية تقليدية، ستُدمر تماماً أسس الدولة الحديثة بكل مقوماتها، "وبشكل لا يجعلنا نملك تَرَفَ كتم الشهادة أو التنطع على التاريخ أو حتى التضرع إلى السماء".  

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard