تاريخ الجباية... "حماية المراكب" ضريبة أثقلت فقراء مصر

الثلاثاء 16 نوفمبر 202106:11 م

يتباهى المنظرون والمثقفون المصريون عادة بأن بلادهم هي "اقدم دولة في التاريخ" في إشارة إلى تنظيم المجتمع المصري في صورة مدنية مبكرة، تتوفر فيها محددات الدولة من حدود معروفة ثابتة، وتنظيم اجتماعي وسياسي يعترف لسلطة مركزية واحدة بحق الحكم ويستمد منها الحماية والأمن مقابل دفع الضرائب.

وعلى مر تاريخ مصر المسجل الذي يمتد نحو 8000 عام سبقت ميلاد المسيح و2000 عام تلته، كانت الضرائب إحدى وسائل التمويل الأساسية لخزائن الحكام، منذ عهد حكام مصر القدماء مروراً بمن حكموها من إغريق ورومان وفرس وعرب ومماليك ومن تلاهم. 

لكن التاريخ المسجل يكشف أن فترة حكم المماليك شهد فيها المصريون أسوأ عصور "الجباية" وبات يضرب بها المثل عند التعليق على التوسع الضريبي الذي تشهده مصر الآن، والذي وصل بالضرائب إلى أن تشكل 75% من إيرادات الدولة بحسب تصريحات المسؤولين الرسميين. 

 على مر تاريخ مصر الممتد لنحو 8000 عام سبقت ميلاد المسيح و2000 عام تلته، كانت الضرائب إحدى وسائل التمويل الأساسية لخزائن الحكام

من الضرائب التي أثارت غضب المصريين في عهد المماليك، ضريبة فرضت على المراكب النيلية، حصلها المماليك من أصحاب المراكب والعاملين عليها دون النظر إلى طبيعة نشاط المركب أو تحقيق صاحبه أي عائد منها، وفرضت الضريبة تحت اسم "حماية المراكب". 

سوق عند أسوار القاهرة

أشد ما ظلم به الناس

في مؤلفه "عصر سلاطين المماليك"، كتب المؤرخ الراحل قاسم عبده قاسم: "وثمة ضريبة كانت تفرض في عصر سلاطين المماليك على المراكب والقوارب النيلية، تسمى (حماية المراكب)، وهي عبارة عن مبلغ يدفعه صاحب المراكب، ويجبى من المسافرين فيها، سواء كانوا من الفقراء أو الأغنياء".

تفاصيل تلك الضريبة التي ذكرها المؤرخ الراحل في استعراضه عصر المماليك من خلال كتابات الرحالة الذين زاروا مصر خلال نحو 250 عاماً شهدت خلالها حكم المماليك البحرية والجراكسة، يوضح تفاصيلها المؤرخ الراحل محمود رزق سليم في كتابه "عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي"، ويذكر أن حماية المراكب ضريبة كانت تجبى من كل راكب في مركب"، لافتاً إلى أنها زيادة على أجر الرحلة.

ويعرفها أبي العباس المقريزي في مؤلفه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"، بقوله: "هي عبارة عما يؤخذ من كل مركب بتقرير معين يعرف بـ’مقرر الحماية’، وكانت هذه الجهة أشد ما ظلم به الناس فيؤخذ من كل من ركب البحر للسفر حتى من السؤال والمكدين ‘الكادحين’"، وذلك في معرض ذكره إلغاء الناصر محمد بن قلاوون العديد من الضرائب والمكوس، ومنها "مكس حماية المراكب".

"قرارات الحظر كانت تفرض نفسها على حركة سير المراكب الأهلية دون النظر إلى ما يترتب عليها من خسائر"

ويلفت الدكتور طه علاء رزق، في مؤلفه "دراسات في تاريخ عصر سلاطين المماليك"، إلى أن "قرارات الحظر كانت تفرض نفسها على حركة سير المراكب الأهلية دون النظر إلى ما يترتب عليها من خسائر، خاصة أن هذه المراكب كانت تحصل منها ضريبة ثابتة عرفت باسم ‘حماية المراكب’، وهي عبارة عن مبلغ من المال يدفعه صاحب المركب الذي يحصله بدوره من الركاب".

وعلى الرغم من ذلك، كان هناك بعض السلاطين الذين حاولوا التخفيف عن الناس، مثل الناصر محمد بن قلاوون (1285 – 1341)؛ إذ يشير قاسم إلى أن هذه الضريبة "أبطلها الناصر محمد بن قلاوون فيما أبطله من مكوس (ضرائب)، لكنها أعيدت مرة أخرى فيما بعد".

في هذا الشأن يقول محمود رزق: "ومن الحق أن نذكر أن بعض السلاطين - كالناصر بن قلاوون - كان يلغي شيئاً من الضرائب المقررة، أو يخفف منها، فيكون ذلك سبباً في ثناء الناس عليه والدعاء له".

في سبيل "العسكر"


ولكون الضرائب مكوناً أساسياً من الاعتمادات المالية للدول، لم يستمر العمل بقرار الناصر قلاوون بإلغاء الضريبة وقتاً طويلاً. فدولة المماليك كانت دولة عسكرية تستمد شرعيتها وأسباب وجودها من حالة الحرب الدائمة. ولتمويل أنشطتها العسكرية، أعاد المماليك العمل بـ"حماية المراكب" مرة أخرى. ينقل الدكتور قاسم عن ابن إياس قوله "السلطان الأشرف قايتباي (1412 - 1496) فرض عدة ضرائب، من بينها الضريبة على المراكب حين احتاج إلى المال سنة 896 هجرية، لتمويل إحدى حملاته العسكرية".

دولة المماليك كانت دولة عسكرية تستمد شرعيتها وأسباب وجودها من حالة الحرب الدائمة

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كانت هناك رقابة غير مباشرة على السفن والمراكب التي تسافر فوق صفحة النيل، وفرضت بعض القيود على أصحاب السفن والقوارب النيلية بقصد تأمين سلامة الركاب والسفن، كان من ذلك ما تحدث عنه محمد القرشي المعروف بـ"ابن الأخوة" في مؤلفه "معالم القربة في أحكام الحسبة" إذ يقول: "يؤخذ على أصحاب السفن والمراكب ألا يحملوها فوق العادة، خوف الغرق، وكذلك يمنعهم من السير وقت هبوب الرياح واشتدادها، وإذا حملوا فيها النسوان مع الرجال حجبوا بينهما".

ويدعم هذا الطرح، ما ذكره الدكتور قاسم عبده قاسم: "كان على أصحاب السفن عدم تحميلها أكثر من طاقتها، خوف الغرق، كذلك لم يكن مسموحاً لها بالسفر في أثناء هبوب الرياح"، مشيراً إلى أنه "في حالة وجود ركاب من الجنسين على ظهر السفينة أو المركب كان يفرض على صاحبها أن يفصل بين النساء والرجال بحاجز".

أسباب فرض ضريبة حماية المراكب

أما عن الأسباب التي دفعت سلاطين المماليك إلى فرض ضريبة حماية المراكب، فيوضحها الدكتور البيومي إسماعيل تحت عنوان "مقرر حماية المراكب والمعادي" في مؤلفه "النظم المالية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك"، بقوله: "شهدت مصر رواجاً تجارياً كبيراً، وأصبحت السفن تجوب البحرين القلزم (الأحمر) والمتوسط, فاستغل المماليك ذلك، وفرضوا مكساً (ضريبة) على السفن مقابل حمايتها ليلاً ونهاراً، كما فرض رسم المعادي (المعديات) على الناس، سواء كانوا فقراءً أو أغنياء مقابل استغلالهم لهذه المراكب. وأبطل ذلك عام 715 هـ".

لكن لم تكن هذه الضريبة ثابتة على جميع المراكب والسفن، وإنما لكل واحدة منها تقرير معين على حدة. يكشف عن ذلك المؤرخ المصري يوسف بن تغري بردي إذ يقول في الجزء التاسع من مؤلفه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 710 – 741 هـ": "كانت (ضريبة حماية المراكب) تجبى من سائر المراكب التي في بحر النيل بتقرير معين على كل مركب، يقال له مقرر الحماية، كان يجبى ذلك من مسافري المراكب سواء كانوا أغنياء أم فقراء، فبطل ذلك أيضاً".

مفتاح الثورات

يحفظ تلاميذ المدارس المصرية من مواليد ما قبل العام 2000 جملة مكررة، توجد في كتب التاريخ المدرسية عن فترات انهيار الدولة المصرية، هي: "زادت الضرائب وعم الغلاء وتنازع حكام الأقاليم".

على مر تاريخها كانت الضرائب الباهظة والمتعددة سبباً لشعور المصريين بالظلم, ويسجل تاريخهم ثورات شعبية عديدة كانت أولاها زيادة الضرائب التي يجري تحصيلها منهم بدون مقابل تقدمه الدولة وحكامها. 

حدث هذا في عهد حكام مصر القديمة، إذ سجل التاريخ أن أول ثورة شعبية في العالم كانت ضد الملك بيبي الثاني (2325 – 2150 قبل الميلاد). 

حكم بيبي الثاني مصر خلفاً لأبيه في نهاية الدولة القديمة بعد الوحدة، واستمر على العرش 94 عاماً. وكما يتكرر في نهايات عهود الحكام الذين يطيلون الجلوس على عرش مصر، أخذت الدولة في الانهيار داخلياً، وارتفعت الضرائب الملقاة على عاتق المواطنين في وقت ازداد الفقر، حينذاك هبّت ثورة الجياع التاريخية الأولى في العالم ضد بيبي الثاني، ليكون هو آخر حكام الأسرة السادسة. 

تكررت ثورات المصريين بسبب الفقر والضرائب على بطليموس الثالث الذي فرض عليهم الضرائب لتمويل حملاته العسكرية، وكانت الضرائب سبباً في إنهاء حكم خورشيد باشا الوالي المعين من السلطان العثماني لحكم مصر عقب إنهاء الحملة الفرنسية، ليتوجه المصريون إلى محمد علي ويطالبوه بتولي الحكم بدلاً من الباشا القديم، ويبدأ فصل سياسي جديد بحكم أسرة محمد علي الذي امتد حتى منتصف القرن العشرين. 

في هذا السياق، يقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه "تاريخ الحركة القومية في مصر القديمة: من فجر التاريخ إلى الفتح العربي"، إن "أول ثورة قام بها المصريون ضد البطالمة كانت في عهد بطليموس الثالث (إيفرجيت)، وترجع أسبابها إلى ازدياد روح التذمر والسخط على الحكم البطلمي، ذلك السخط الذي بدأ في عهد بطليموس الأول، ولم يصل إلى حد الثورة ولكن كانت له مظاهر خطيرة كالتوقف عن العمل بين الزراع والصناع والعمال المصريين بسبب كثرة الضرائب التي كانت الحكومة تفرضها عليهم".

ويتابع المؤرخ الكبير سرد روايته: "نشبت الثورة بين الأهلين حوالي سنة 246 ق.م، في الوقت الذي كان الملك بطليموس الثالث يحارب في سوريا، فما بلغته أنباء الثورة أسرع في العودة لإخمادها بقوة الجيش، ولم تتعد هذه الثورة أنحاء الدلتا، وقد أفلح في ذلك، غير أنها تركت في نفوس المصريين جراحاً أليمة حفزتهم إلى التربص بالبطالة الظالمين، ومعاودة الكرة للثورة عليهم".

التاريخ دورات متكررة

ولم يتوقف استناد الدولة إلى الضرائب حتى يومنا هذا، وفي الوقت الحالي تعتمد الموازنة العامة الجديدة للدولة عليها كمورد رئيسي، وفقاً للبيان المالي لموازنة العام 2021/2022. 

وتستهدف الحكومة المصرية استمرار تعزيز ارتباط الإيرادات العامة للدولة بالنشاط الاقتصادي، و"بما يتناسب مع القوى الكامنة غير المستغلة في الاقتصاد المصري، مع مراعاة أسس العدالة الاجتماعية وضمان توزيع عادل للأعباء الضريبية".

وبحسب الدكتور محمد معيط، وزير المالية، فإن الحصيلة الضريبية في العالم المالي الجاري، من المتوقع أن تشهد زيادة قدرها 18.3% مقارنة بالسنة الماضية، في إشارة إلى توسيع القاعدة الضريبية وتطبيق إجراءات هيكلية في المنظومة الضريبية بمصر.

مع العلم أن الضرائب على الدخل، وضريبة القيمة المضافة بالإضافة إلى الدمغات والرسوم التي لا يحتاج إصدارها أو زيادتها إلى استصدار قوانين برلمانية، باتت من أهم مصادر الخزانة العامة.

ومن مظاهر التوسع في القاعدة الضريبية، دعوة مصلحة الضرائب في أيلول/سبتمبر الماضي، صناع المحتوى المرئي أو ما يطلق عليهم "البلوجرز – اليوتيوبرز"، إلى فتح ملف ضريبي للتسجيل بمأمورية الضريبة على الدخل المختصة، والقيمة المضافة المختصة.

وفي العام المالي الجاري، تسعى الحكومة إلى جمع ما يقارب التريليون جنيه للموازنة العامة من الضرائب والرسوم الجمركية.

العلاقة بين الضريبة والإيرادات العامة

توصلت دراسة أعدتها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، في كانون الثاني/ يناير 2021، حملت عنوان "قياس أثر تطبيق ضريبة القيمة المضافة علي الإيرادات العامة في مصر"، إلى وجود علاقة بين ضريبة القيمة المضافة والإيرادات العامة، بنسبة 62.3%، أي أنها تساهم بنحو ثلثي إجمالي الإيرادات.

وتشير الدراسة إلى أن الضرائب من أهم المصادر المالية، التي تعتمد عليها معظم الدول النامية والمتقدمة لتمويل نفقاتها العامة، وتعدّ ضريبة القيمة المضافة على وجه التحديد من أهم أدوات السياسة المالية التي تستخدمها الدولة في تحقيق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard