شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
أسئلة حول حكايتنا السورية والفن والعنف

أسئلة حول حكايتنا السورية والفن والعنف

رأي نحن والمهاجرون العرب

الأحد 15 يناير 202311:23 ص

مع دخولنا العام الميلادي الجديد، مر اثنا عشر عاماً على اندلاع الثورة السورية، واقتربت الذكرى العاشرة لخروجي من سوريا، وأعتقد أن عشرة أعوام مناسبة تستحق العودة للوراء ومراجعة الأعوام العشرة الماضية وأثرها علينا كفنانين منفيين وإعادة النظر في نتاجنا الفني وكيفية مخاطبتنا للجمهور كما في حكاياتنا المروية وطريقة سردها.

تمر السنوات الأولى من المنفى ثقيلة ومثقلة بالإجراءات الإدارية، وإعادة ترتيب شؤون النفس المضطربة والتصالح مع فكرة الفقدان، فقدان الوطن والمكان، فقدان كل ما هو مألوف، وبالضرورة فقدان بيئة العمل التي نعرف. كانت السنوات الخمس الأولى محاولة لتلمس الطريق الجديد، لإيجاد الوطن الثاني، للتعرف إلى عالم جديد والتأقلم مع ظروفه. 

اقتربت الذكرى العاشرة لخروجي من سوريا، وأعتقد أن عشرة أعوام مناسبة تستحق العودة للوراء ومراجعة الأعوام الماضية وأثرها علينا كفنانين منفيين.

في السنتين الأولى والثانية من منفاي الشخصي، عشت في لبنان، وكانت حمى الربيع العربي قد أصابتنا جميعاً بالحماسة والرغبة في الإنتاج والعمل، وكانت الأفكار تتدفق والمحاولات الفنية تنهمر من كل حدب وصوب. في الوقت نفسه، ولدت المشاريع الإعلامية البديلة التي وفرت منابر متعددة كي نعبر عن أنفسنا، وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى منتديات للنقاش وإعادة النظر في القيم السياسية والأخلاقية والمجتمعية كما في المبادئ الفنية. 

رغم قناعتي السابقة للثورة بأن عملي في الفن هدفه الأساسي هو السعي من أجل التغيير، أدركت سريعاً بعد الثورة أن العمل الفني سياسي بالضرورة ولا يمكن فصله عن السياقين الاجتماعي والاقتصادي، وأن الفن من أجل التغيير لا يمكن أن يولد إلا من رحم التغيير الهائل الذي يعصف بسوريا. ولكن تلك القناعة أنتجت أسئلة جديدة لا بد من الإجابة عنها للمضي قدماً، وأولها: كيف يمكن أن نقدم حكاية بقالب فني للجمهور فيما الحكاية غير قابلة للتصديق؟ وكيف يمكن لنا أن نعيد إنتاج الحكاية السورية دون أن نعيد إنتاج العنف ودون أن نساهم في التحريض على المزيد منه؟ وكيف نروي حكاية عنيفة وملحمية دون توفر وسائل الإنتاج المناسبة والإمكانات المادية التي تتطلبها؟

كما ظهرت على السطح مشكلات لم أحسب لها حساباً في البداية، أولاها كيفية حماية نفسي من الأثر الشديد الذي تتركه مشاهدة المقاطع العنيفة التي كانت تصل من سوريا، وثانيتها كيفية توثيق حكاية الضحايا لحفظ حقهم في روي قصتهم مع الحفاظ على خصوصيتهم، وكيف يمكن لصورة الضحية أن تحفظ كرامتها الإنسانية دون الانتقاص من أثر الظلم الذي وقع عليها أو التعامل معه باستخفاف.

كيف يمكن لصورة الضحية أن تحفظ كرامتها الإنسانية دون الانتقاص من أثر الظلم الذي وقع عليها ؟

أسئلة لم أجد إجابة عنها بعد، ولا يمكن الإجابة عنها سوى بالتجريب بالأدوات المتاحة، لكن البحث عن إجابات يفرض علينا البحث بعمق في أسئلة نفسية تتطلب أن نكون مُعَدّين للتعامل معها كأن نتجنب إعادة إحياء الصدمة لدى الضحايا عند مقابلتهم، وعدم صدم المشاهد نفسياً صدمة يحتاج إلى علاج بعدها، وتتطلب الإجابة أيضاً التسلح بمعرفة نظرية مرتبطة بإنتاج العنف وعلاقته بالفن. 

ظلت كل الأسئلة حاضرة مع وصولي إلى منفاي الأوروبي، وكان السياق السياسي قد اختلف تماماً، وبدا أن الحلم بالعودة وبسوريا ديمقراطية يبتعد أكثر فأكثر، وأن الأوطان الجديدة قد تكون مستقرات نهائية علينا قبولها والتعامل معها على هذا الأساس. كما تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى منصات لتبادل اليأس وتفريغ الغضب مما أفرغها من إمكانية بناء حوار جمعي وحرمنا من إمكانية طرح الأسئلة التي يمكن أن نفكر بأجوبة عنها معاً.

مع مرور الوقت وبداية الاستقرار، ظهر سؤال جديد وأساسي في عملي الفني وهو: لمن نصنع الفن؟ هل نتوجه إلى الجمهور السوري في الداخل وفي منافيه أم إلى جمهور البلد المضيف؟ وإن كنا نتوجه إلى الجمهور السوري فما هي المنابر المناسبة للوصول إليه في ظل الاستقطاب الشديد وقلة المنابر المتاحة مع تفكك المنابر الإعلامية البديلة وندرتها؟ 

لمن نصنع الفن؟ هل نتوجه إلى الجمهور السوري في الداخل وفي منافيه أم إلى جمهور البلد المضيف؟

وفي حال كنا نتوجه إلى جمهور البلد المضيف، فإن استخدام اللغة العربية في النتاج الفني سيؤدي إلى صعوبة في التلقي ومسافة إجبارية تفرضها الترجمة حتمياً، واستخدام اللغة الفرنسية سيحرم الفنانين السوريين من رواية حكايتهم بلغتهم الأم وسيحول اهتمامهم من التفاصيل الفنية إلى اللغة وصعوبات الأداء بلغة جديدة مكتسبة. كما أن رواية الحكاية إلى جمهور جديد، يتطلب بالضرورة شرح السياق من بدايته إلى نهايته كل مرة، وإعادة رواية الحكاية بأكملها مما يجعلنا عاجزين عن معالجة تفاصيلها والنظر في زوايا مختلفة منها لأننا مضطرون لمعالجتها بإجمالها وشرحها كاملة وبصورة شاملة. 

يضاف إلى ذلك شعور دائم يرافقني في التجارب التي حضرها جمهور فرنسي سواء كانت لأعمال من إنجازي أم من إنجاز آخرين، وهو أننا نجلد هؤلاء المشاهدين ونلومهم على ما جرى معنا ونحملهم مسؤولية تجربتنا الرهيبة لأن صمتهم كان تواطؤاً، ولعل أصعب اللحظات هي تلك التي يعتذر فيها أحد المشاهدين لأنه لم يطلع كفاية على ما جرى في سوريا.

أخشى أحياناً من أن المظلومية الثقيلة التي نحملها كضحايا لنظام مجرم قاتل تجردنا أحياناً من التعاطف مع جمهورنا، فنجبره على اختبار العنف الذي ارتفعت عتبة احتماله لدينا بشكل خارق في السنوات الأخيرة كصفعة نواجهه بها ونلزمه بحمل أثرها كما نحملها على وجوهنا كل يوم.

كتب الكثير من التنظير حول العنف في الفن، واختلفت مدارسه في كيفية معالجته، ويرى كثيرون أن الفن إن كان مرآة للواقع فعليه إعادة إنتاجه بحرفيته وبعنفه، ولكن واقعنا السوري، للأسف، غير قابل للنقل على الشاشة، فشهادات المعتقلين عما جرى في أقبية الأفرع الأمنية تفوق قدرة أي مشاهد في العالم وتتجاوز أبشع خيالاته عن العنف المريض والمجاني، كما أن انفلات العنف المجتمعي من عقاله يحول الواقع إلى عالم ديستوبي يتطلب مشاهدين ترتفع عتبة التحمل لديهم، كما أن التماهي بين المشاهد وأبطال الحكايات يمكن أن يسبب متلازمات ما بعد الصدمة حتى لو لم يعش المشاهد التجربة. ولعل النقاش فيما يمكن إنتاجه من عنف يستحق المزيد من التمحيص والتساؤل.

واقعنا السوري، للأسف، غير قابل للنقل على الشاشة، فشهادات المعتقلين عما جرى في أقبية الأفرع الأمنية تتجاوز أبشع خيالاتنا عن العنف المريض والمجاني

أنا على قناعة أن كل الأسئلة السابقة لا يمكن الإجابة عنها فردياً، وأنها أسئلة جمعية لا بد من التفكير فيها ومناقشتها للوصول إلى إجابات أو على الأقل لإيجاد مقاربات ولتجريب حلول وطرق مختلفة لتقديم حكايتنا كما يليق بها، ولعل كل هذه الكلمات هي دعوة للتفكر والمراجعة وطرح الأسئلة علنا نجد معاً طريقاً لنستخدم الفن في سبيل التغيير.

قصص المهاجرين وتفاصيلها تعكس حال بلادنا، كما تعكس ما كنا نسعى إليه في هذه البقعة من الأرض. توثيق التجارب سيتيح لنا بناء المجتمعات التي نرجوها. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نؤمن في رصيف22، بأن متابعة قضايا العرب خارج العالم العربي، في المنفى، هي أيضاً نظرة إلى أنفسنا، وإلى الأسباب التي اضطر -أو اختار- من أجلها الكثيرون إلى الهجرة بحثاً عن أمانٍ في مكانٍ آخر، كما أنها محاولة للفهم وللبناء وللبحث عن طرائق نبني بها مجتمعات شاملةً وعادلةً. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard