شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
الإنستغرام السوري…  صور الحياة التي حرمنا من مشاركتها مع من نحب

الإنستغرام السوري… صور الحياة التي حرمنا من مشاركتها مع من نحب

مدونة نحن والمهاجرون العرب

الاثنين 19 ديسمبر 202204:50 م

منذ أنجزت رسالة الماجستير حول موضوع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الثورة السورية، أعجز عن مكافحة الرغبة بمراقبة سلوكنا العام على وسائل التواصل الاجتماعي لاستنتاج أنماط مرتبطة بأسلوب عيشنا الجديد لا سيما بعد الشتات، وبما أن دراستي بعد أن أنجزت لم تتضمن الإنستغرام كإحدى الأدوات المتضمنة في الثورة، خاصة أن صعود نجم منصة التواصل الاجتماعي الأخيرة لم يرافق السنوات الأولى من الثورة وإنما رافق السنوات اللاحقة، فقد انضممت إلى المنصة وأنا بغاية الفضول لمراقبة منصة جديدة لا تعتمد الكلمة بقدر ما تعتمد الصورة كوسيلة للتعبير.

خلال السنوات الخمس الأخيرة، رصدت مجموعة من الأنماط سأعلق عليها، ولكن قبل أن أعدد هذه الأنماط وأشكالها لا بد من الإشارة إلى خللين يواجهان أي مراقب لوسائل التواصل الاجتماعي، الأول هو ما اختاره إيلي باريزر عنواناً لكتابه "فقاعة الفلترة"، وهو باختصار أن يغيب عن نظر المستخدم أصدقاؤه ومتابعوه الذين يخالفهم الرأي لأنه ببساطة لا يتفاعل معهم، فتختار الخوارزميات الإلكترونية أن تحجب عنه ما لا يعجبه.

"فقاعة الفلترة"،هي أن يغيب عن نظر المستخدم أصدقاؤه مِمن يخالفهم الرأي لأنه ببساطة لا يتفاعل معهم، فتختار الخوارزميات الإلكترونية أن تحجب عنه ما لا يعجبه.

وهذا ما أسماه باريزر "فقاعة الفلترة"، وشرحها بكونها: "تخدم كشكل من البروباغاندا الذاتية الخفية". وبذلك تتحول الخوارزميات التي تتحكم بالإعلانات إلى "التحكم بحياتنا"، وبذلك يغيب عن عينة المراقبة وهي في حالتي الأصدقاء الذين أتابعهم ويتابعونني من فئات مختلفة. وتنحصر المجموعة بالأصدقاء الذين يوافقونني فكرياً وبالتالي تغيب تماماً الفئة المتشددة دينياً عن المجموعة وتضم الأصدقاء الذين يقاربون فئتي الاقتصادية من أبناء الطبقة الوسطى ويندر من تبقى من أصدقائي في الداخل السوري بمقابل الأغلبية التي انتشرت في بقاع الأرض. والخلل الثاني هو انحيازي للثورة السورية وبالتالي غياب أي حساب موال للنظام السوري في قائمة متابعاتي، ورغم معرفتي بهذه العيوب في حال رغبت بتقديم دراسة أكاديمية حول الموضوع إلا أنني هنا أسجل ملاحظات عامة وبعض الاستنتاجات الشخصية التي قد لا يصح تعميمها.

لعل أول الاستنتاجات التي توصلت إليها أن النزوح وفقدان الأماكن والأرشيف، تؤدي إلى محاولة لتوثيق كل أماكننا الجديدة، ويبدو أثر فقدان المدينة الأم جلياً في التعليقات، إذ يقارن المعلقون الأماكن الجديدة بالأماكن المفقودة كأن تقول صديقة تعليقاً على صورة نشرتها لمدينة نيس الفرنسية: "حاستتك بالشام سنة 2090"، وتقول أخرى تعليقاً على صورة حديقة بيتي: "كأنها مزرعتكن بالضيعة". أعود لتأمل الصور بعد التعليقات، أعجز عن رؤية أوجه التشابه، ولكنني أفهم تماماً أن مرجعيتنا الأولى ستبقى حاضرة وراسخة. ورغم أنني أراقب هذا النمط عند أصدقائي إلا أنني أكتشف بالمراجعة أنني نشرت صورة لقنطرة صادفتها في قرية فرنسية وأرفقتها بتعليق: "دمشق تسكن في التفاصيل"، ويبدو لي أن الأماكن ستبقى لفترة طويلة مرتبطة بمدينتنا الأم وأن المقارنة بينها وبين المدن الجديدة ستلاحقنا زمناً طويلاً.

نشرت صورة لقنطرة صادفتها في قرية فرنسية وأرفقتها بتعليق: "دمشق تسكن في التفاصيل"، ويبدو لي أن الأماكن ستبقى لفترة طويلة مرتبطة بمدينتنا الأم

وترتبط بهذه الظاهرة أيضاً ظاهرة نشر الصورة القديمة لمن تسنى له إنقاذ بعض الصور القديمة أو من تظهر في حياته فجأة صورة قديمة من الحياة الماضية، صور لبيت قديم فقد، صور لأحبة غادرونا، أو صور للأماكن المحببة، وفي بعض الأحيان صور حنين لأشخاص أو أصدقاء أصبحت مسافات هائلة تفصلنا عنهم.

يمكن مراقبة نمط ثان من الصور يتنشر كثيراً في الشتات وهو لقاءات الأصدقاء المنظمة أو بالصدفة خاصة في مدن أوروبية، ولا أعلم إن كنا نصور هذه الصور فرحة باللقاء أم خشية من الفقدان أيضاً أي خوفاً ألا نجتمع بالأصدقاء مرة ثانية، ولعل المدهش في هذه الفئة هو انتشارها الجغرافي الخرافي من أقصى شمال الكوكب إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. تنتشر في بعض الحالات صور من لقاءات افتراضية خاصة مع الأهل، ويمكن ملاحظة أن هذه الفئة أكثر انتشاراً لدى المقيمين في أوروبا وخاصة ممن لديهم أطفال لم يتسن للأهل في الداخل مقابلتهم.

ظهر في السنوات الأخيرة نمط آخر وهو مرتبط بالأشخاص الذين يتوفون، وهو نشر صور لصاحب الحساب مع الشخص المتوفى ولاسيما في حال كانت الوفاة مفاجئة، وتنشر هذه الصور مع نعي للشخص وذكر لمثالبه. ومن الشائع أيضاً نشر صور للمتوفين من الشخصيات العامة والشهداء دون وجود معرفة شخصية مسبقة. وأغرب الظواهر المتعلقة بالأشخاص المتوفين هي نشر رسائل خاصة تبادلها صاحب الحساب مع الشخص المتوفى وخاصة تلك التي يعبر فيها الشخص المتوفى عن قربه أو محبته لصاحب الحساب الناشر. كما انتشرت ظاهرة نشر الصورة السوداء علامة على الحداد في كل وسائل التواصل السورية، وغالباً ما ينشر صاحب أو صاحبة الحساب الصورة السوداء دون تعليق مرافق للدلالة على سبب نشر الصورة ليبدأ الأصدقاء بالتساؤل: "خير؟ مين توفى؟ شو في؟"، وقد بدأت هذه الظاهرة مع انطلاقة الثورة لإعلان التضامن مع الضحايا الذين قتلهم النظام ثم تعممت إلى حالات الحداد الشخصي.

تنتشر صور من لقاءات افتراضية خاصة مع الأهل، ويمكن ملاحظة أن هذه الفئة أكثر انتشاراً لدى المقيمين في أوروبا وخاصة ممن لديهم أطفال لم يتسن للأهل في الداخل مقابلتهم.

كما ينشر الناشطون والناشطات السوريون صور الحملات السورية العامة وحملات المناصرة، كحملات ذكرى مجزرة الكيماوي وحملات المطالبة بالمعتقلين والمخفين قسرياً، وجمع التبرعات للعائلات في المخيمات، وفي بعض الأحيان ينشرون صوراً لأشخاص مع حملات لجمع التمويل خاصة من أجل العمليات الجراحية والحالات الصحية الحرجة.

تنتشر عالمياً ظاهرة نشر صور الطعام على الإنستغرام بل قد تكون هذه الفئة هي الأكثر انتشاراً، لكن السوريين يتحرجون من نشر صور الأكل، وقد بدأ هذا الحرج بالظهور تدريجياً مع الحصارات المتعددة التي فرضها النظام السوري على المدن السورية، ورفع أنصاره شعار "الجوع أو الركوع"، ونلاحظ أن بعض الأشخاص حين ينشرون صور طعام ما، يرفقون الصور عموماً بتعليق اعتذاري. ورغم فك الحصار عن المدن اليوم إلا أن تردي الأحوال الاقتصادية للناس في الداخل يجعل موضوع صور الموائد مربكاً حتى اليوم، قد يستثنى منه صور الطعام السوري المتوفر في الغربة أو تجارب تعلم الطبخ التي يرغب منجزوها بمشاركتها مع أصدقائهم أو الموائد المتعلقة باجتماع الأصدقاء.

تنتشر أيضاً صور الطبيعة في حسابات السوريين في الشتات، لاسيما الغابات والأنهار، وتزداد كثافة نشر هذه الفئة من الصور في فصلي الربيع والخريف بسبب الألوان الساحرة للطبيعة، كما لا تزال ظاهرة صور الثلج منتشرة لدى السوريين لأنه كان يمثل حالة نادرة في حياتنا الماضية، حتى المقيمون في دول الشمال الباردة وفي كندا ما زالوا أوفياء لتقليد تصوير الثلج المتراكم على الشرفات ولعب الأطفال بكرات الثلج وصنع رجل من الثلج.

كما تنتشر أيضاً صور الرحلات، إذ يصور السوريون في الخارج مدناً وعمارة وغرائب يصادفونها في غربتهم، وتبدو لي الصور السابقة كلها محاولة لمشاركة من لم يخرج أو الأصدقاء الذين لم يرافقونا حياتنا الجديدة، وتتعلق كثير من الصور برغبة أن يرى الأهل الذين بقيوا في البلد أنماط حياتنا بعد اللجوء، حتى أننا نصادف تعليقات تشير إلى هذه الصلة كأن يصور أحدهم بحيرة أو منظراً طبيعاً ويعلق بأن أمه أو أباه يحبان هذه المناظر. وتظهر العلاقة بالأهل من خلال صورة الحساب الأساسية أحياناً أو ما يسمى "صورة البروفايل" فيصدف أن نرى تعليقاً مرافقاً لصورة حساب: غيرت الصورة الماضية لأن أمي لم تعجب بها.

تتعلق كثير من الصور برغبة أن يرى الأهل الذين بقيوا في البلد أنماط حياتنا بعد اللجوء

تنتشر ظاهرة غريبة في بعض حسابات السوريين وهي تصوير أنفسهم وهم يخضعون لعلاجات أو عمليات جراحية، ويظهر الشخص عموماً في صورة لا تنشر عادة على العلن، متعباً مريضاً، مرتدياً رداء المشفى، وعلى سرير المرض، ولكن هذه الصور تحصد تفاعلاً كبيراً من قبل الأهل والأصدقاء مع تمنيات بالسلامة واستمرار الاطمئنان. ولعل هذه الظاهرة مرتبطة بالشعور بالوحدة في مواقف المرض، مما يجعل المريض يرغب بمشاركة ألمه مع الآخرين.

أراقب حسابات الأصدقاء غير السوريين الذين قابلتهم بعد الخروج من سوريا، فأجد أن نمطاً عاماً يجمعها، فتنتشر صور الاحتفالات وصور الطعام خاصة في المطاعم، والنكات والمزاح ومقاطع الكوميديا، كما ينشر كثيرون صور إنجازاتهم في العمل والحياة العملية. ويبدو لي النمط العام الذي يجمع السوريين مختلفاً، فهو مرتبط عموماً بالفقد والوحدة والحنين والرغبة بالعودة إلى ماض بات يبدو في حياة أخرى. لكن أنماطاً أخرى تبدو لي مشتركة كنشر صور الأماكن والعمارة والطعام والاجتماع بالأصدقاء، وقد تكون تلك حاجات عالمية خلقها انستغرام نفسه بسبب الرغبة بمشاركة محتوى بلا توقف، ولعل حمى التوثيق عالمية وليست مرتبطة بفقد البلد الأم.

تبقى وسائل التواصل الاجتماعي عالماً يحتاج الكثير من البحث والتدقيق، وتبقى انطباعاتنا عند مراقبتها شخصية للغاية ومرتبطة بنوع استخداماتنا والأصدقاء الذين نختارهم، إلا أن تسجيل بعض هذه الأنماط يبدو لي ضرورياً كي يقوم آخرون بمراقبتها بدورهم بحيث نستطيع التوصل إلى تحديدها بشكل واضح لنتوصل إلى الوسائل الأفضل لاستخدام هذه الأدوات من أجل التواصل والتغيير.  

قصص المهاجرين وتفاصيلها تعكس حال بلادنا، كما تعكس ما كنا نسعى إليه في هذه البقعة من الأرض. توثيق التجارب سيتيح لنا بناء المجتمعات التي نرجوها. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نؤمن في رصيف22، بأن متابعة قضايا العرب خارج العالم العربي، في المنفى، هي أيضاً نظرة إلى أنفسنا، وإلى الأسباب التي اضطر -أو اختار- من أجلها الكثيرون إلى الهجرة بحثاً عن أمانٍ في مكانٍ آخر، كما أنها محاولة للفهم وللبناء وللبحث عن طرائق نبني بها مجتمعات شاملةً وعادلةً. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard