شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
خدع البريطانيين بهوية فرنسية ليزرع الشاي الهندي في إيران... مغامرات كاشف السلطنة

خدع البريطانيين بهوية فرنسية ليزرع الشاي الهندي في إيران... مغامرات كاشف السلطنة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الجمعة 13 يناير 202305:22 م

تعرّف الإيرانيون على الشاي في القرن الـ16 الميلادي، ولكن في فترة حكم الملك ناصر الدين شاه القاجاري (1848-1896)، حلّ الشاي محل القهوة في بيوت عامة الناس وأصبح مشروبهم المفضل. أما في الأسواق (البازارات) فقد راجت مقاهي أو مشارب الشاي أو ما يسمى فيي البلاد بـ(چايخانه) بكثرة، بعد ما كانت مقاهي القهوة تتمتع بمكانة مرموقة في الأسواق.

یتم تحضير الشاي في إيران على طريقة "التخدير"، أي تضاف خلطة الشاي إلى الماء الساخن في الإبريق أي "القوري"، ثم يترك ليتخمر على "السماور" وهو وعاء نحاسي يُملأ بالماء الساخن ويُستخدم خصوصاً لهذا الغرض. بعد ذلك، تصب كمية قليلة من الشاي في الكأس و يضاف إليها ماء ساخن من السماور أو الإبريق.

من مواصفات الشاي الإيراني، هو أنه یتمتع بزراعة عضوية نظراً للظروف المناخية التي تحكم مناطق زراعة الشاي في شمال البلاد، حيث المناخ البارد والرطب، وهذا ما يحدّ من معظم الآفات

رواج استخدام وعاء السماور الروسي في المنازل الإيرانية، ومشروب الشاي الهندي، حمّل البلاد أموالاً ضخمة للاستيراد؛ ففي منتصف القرن الـ19، شجع رئيس الوزراء ميرزا محمد تقي خان الملقب بأمير كبير، على صناعة السماور داخل البلاد للحدّ من استيراده، فنجحت الخطة وبات السماور الإيراني يغطي حاجة السوق المحلي.

أما الشاي فأرادت إيران أن تكون منتجة له كـبريطانيا وروسيا، لكن الأمر لم يكن سهلاً أمام الإيرانيين ليتعلموا زراعته من الهند أو الصين، خاصة الهند التي كانت تحتلها بريطانيا.


كاشف السلطنة

في عام 1883، استطاع التاجر إيراني محمد حسين إصفهاني، أن يأتي ببذور الشاي ويزرعها في عدة مدن في البلاد، وخلال سنوات نجح مشروعه، غير أنه لم يلق ترحيباً ورواجاً له من الفلاحين.

بقيت فكرة زراعة الشاي حلماً لدى الإيرانيين، حتى وصل الدبلوماسي محمد ميرزا خان قاجار، المشهور بكاشف السلطنة، إلى الهند عام 1898، بصفة أحد رجال السفارة الإيرانية.

خداع بريطانيا وتهريب شتلات الشاي

بدأ الرجل الذي درس القانون في جامعة سوربون الفرنسية، بدراسة زراعة الشاي في شميلا، المدينة الهندية الواقعة على جبال الهمالايا، وأخذ يستكمل أبحاثه عن الشاي الهندي في المدن الأخرى التي تزرع الشاي في تلك المنطقة، و في غضون ذلك بادر بكتابة رسائل إلى بلاده يخبر زملاءه وأصدقاءه عن ما حصل عليه من معلومات حول زراعة الشاي وأهمية إنتاجه في إيران، ويشرح أن بلاده دفعت مبالغ ضخمة للحصول على الشاي المستورد، وقد طالب بادخار هذه الأموال للداخل الإيراني واستثمارها في محاربة الفقر والاضطرابات.

بعد أن وجد الأرضية مستعدة في بلاده، درس كاشف السلطنة زراعة وإنتاج الشاي في مؤسسة بريطانية بالهند ولكن بهوية تاجر فرنسي، كون بريطانيا التي كانت تحتل الهند آنذاك لم تسمح بزراعة الشاي في بلدان أخرى، فنال شهادة أكاديمية، وجرب زراعته هناك.    


بعد ذلك وفي مطلع القرن العشرين هرّب إلى بلاده إيران  نحو 2000 شتلة شاي بصعوبة، وبعد البحث ودراسة أفضل مكان لغرسها خلص إلى أن   مدينة لاهيجان الواقعة شمال إيران هي أفضل مكان لغرس تلك الشتلات .

قاوم الأهالي زراعة الشاي، فعانى الرجل كثيراً، إذ كان عليه أن يغرس ثقافة تقبل الشاي في نفوسهم قبل غرس شتلاته، وقد نجح كاشف السلطنة في ذلك عبر تعليمهم وتدريبهم وتشجيعهم. وبعد سنوات منحت الدولة مزراعي الشاي، إعفاءً ضريبياً لفترة 10 سنوات.

لم يتخلّ الدبلوماسي كاشف السلطنة والذي عُين كأول رئيس بلدية للعاصمة طهران عن زراعة الشاي، فأمر باستيراد الأدوات اللازمة لمزارع ومصانع الشاي، وهكذا أتى بمهندسين من روسيا والهند لترويج صناعة الشاي المحلية.

مقتل أب الشاي الإيراني

في آخر رحلاته إلى الهند في عام 1929، عاد محمد ميرزا خان القاجار إلى بلاده برفقة مجموعة من الأدوات الزراعية الخاصة بالشاي مع زمرة من المهندسين. وفي طريقه حين كان في جنوب إيران توفي في حادث سير غامض. قيل إنه كان اغتيالاً مستهدفاً من قبل جنرال بريطاني كان برفقته.

أطلق الإيرانيون عليه لقب "چاي كار" أي زارع الشاي، وكذلك حمل عنوان أب الشاي الإيراني، ودُفن حسب وصيته في مدينة "لاهيجان" شمال إيران في أعلى تلال الشاي، كما تحول مدفنه في ما بعد إلى متحف الشاي الإيراني يضم مجموعة من أدوات هذا المنتج القديمة ووثائق نقل زراعتها إلى إيران.

وبعد عام على وفاة أب الشاي، أعلنت الحكومة أن الأراضي الزراعية المخصصة لشتلات الشاي وصلت إلى 600 هكتار، وبعد مرور سنتين على ذلك بدأ أول مصنع حديث للشاي، وهكذا استمرت عجلة صناعة الشاي الإيرانية نحو الازدهار لتغطي حاجة الأسواق بعد وفاة الرجل المثابر.

مواصفات الشاي الإيراني

من مواصفات الشاي الإيراني أنه یتمتع بزراعة عضوية نظراً للظروف المناخية التي تحكم مناطق زراعة الشاي الشمالية من البلاد، حيث مناخ بارد ورطب وهذا ما يحد من معظم الآفات. كما تمنع الحكومة استخدام أي سموم في الزراعة، وتمنع إضافات كيميائية أي لون أو زيت عطري في انتاج الشاي بالمصانع.

تنتج إيران اليوم ما يقارب 30 ألف طن من الشاي سنوياً، أي نحو ربع احتياجات السوق الداخلي، لكنها تقوم بتصدير كمية كبيرة منه

وهذا ما جعل الشاي الإيراني يستلزم نحو 20 دقيقة لاستكمال تحضيره فهو بطيء التحضير، كما أنه يحتاج إلى كمية كبيرة ليعطي لوناً كلون الكرز الشفاف.

أنشأت الحكومة، مؤسسة الشاي الوطنية لتشرف على زراعة الشاي في 900 قرية بمحافظتي جيلان ومازندران شمال إيران، بمساحة قدرة 26 ألف هكتار، كما يأتي إشرافها على 170 شركة ومصنع شاي إيراني.

يعمل اليوم نحو نصف مليون إيراني في صناعة الشاي، ويأتي متوسط نصيب الفرد من استعمال الشاي نحو 1.5 كغم، أي ما يعادل استخدام نحو 126 ألف طن سنوياً وفق احصائيات عام 2019.

تنتج إيران اليوم ما يقارب 30 ألف طن من الشاي سنوياً، أي نحو ربع احتياجات السوق الداخلي، لكنها تقوم بتصدير كمية كبيرة منه. وفي عام 2019 صدرت 22 طن إلى 23 بلد أهمها: الهند والإمارات والكويت والعراق وتركية وألمانيا وسويسرا وهلندا وفرنسا وروسيا وأوكرانيا وكندا.

كما أنها استوردت 75 ألف طن في عام 2020، من 9 بلدان أبرزها: الهند وسيرلانكا وكينيا والصين.


يقول المخضرم في الشاي الإيراني محمد ولي رُوز بَهان: "لا يمكن أن نستخدم ملعقة من الشاي الطبيعي الجاف وننتظر أن يعطينا 6 أكواب شاي بلون ونكهة خاصة. بل إن ملعقة من الشاي الجاف تعطي كوباً واحداً فقط". هذا التعليق جاء رداً على سؤال الشارع حول أن الشاي المستورد هو اقتصادي أكثر بكثير من نظيره المحلي، حيث أن كمية صغيرة منه بإمكانها أن تجهز لنا إبريقاً من الشاي.

فيعود استعمال الشاي المستورد من قبل الإيرانيين بكثرة، لسرعته في التحضير وسعره المناسب، ولكن الخبراء الإيرانيين يؤكدون أن الشاي المستورد غير عضوي ومليء بالإضافات الكيمياوية.

بعد 90 عاماً على رحيل كاشف السلطنة، أخذت إيران التي كانت تعاني من عجز نقدي مستمر في التجارة مع الهند بسبب استيرادها الكبير لمنتوج الشاي منها، تصدر شايها للهند. بيد أن بعد كل تلك المتاعب والنجاحات في الزراعة الوطنية لهذه النبتة الشرقية، ما زالت الهند تتربع على قائمة استيراد الشاي في الجمارك الإيرانية.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard