أصغر مقهى العالم في طهران وتفاصيله المثيرة للإعجاب

الجمعة 1 يوليو 202205:41 م

يعرف بأنه أصغر مقهى للشاي (أو كما يسمى في إيران "چايخانه") في العالم، كما أنه الأقدم حيث يقدم الشاي منذ عام 1918. يقع المقهى في بازار طهران القديم، في زقاق يمتد لنحو خمسة أمتار بين محلات الأقمشة والبزازين حتى يصل جامع عبدالله خان.

يستقبل المقهى أو "چايخانه حاج علي درويش" الذي تبلغ مساحته 110 في 117 سنتيمتر، عشرات السياح المرتادين على طهران من أنحاء إيران والعالم، فكل كتابات السياح الذين زاروا بلاد فارس توصي باحتساء كوب شاي من يد حاج كاظم صاحب المقهى الذي ورث المهنة من والده.

شاي المحبة الإيراني دون أوراق الشاي

لا ينس زوار قصر گُلستان التاريخي في قلب العاصمة، زيارةَ سوق طهران القديم القريب منه، ومعلماً آخر فيه يؤرخ تاريخ مقاهي البلاد، وهو مقهى حاج علي درويش.

محل لا يختلف عن المتحف، فمذياع وصور قديمة وأباريق وأقداح من صناعة يدوية تزين الجدران حتى السقف فرغم صغر حجم المكان إلا أنه يجلب أنظار السياح وقد کوّن خلال قرن من الزمن علامة بارزة لقدمة البازار وذاكرته

اللقاء بحاج كاظم واختيار كوب من قائمة شايه المطولة التي تضم الشاي بنكهات مختلفة كالهيل والقرفة والزنجبيل والزعتر، هي متعة تراثية إيرانية. وسمعته الطيبة وقِدمته جعلت الحاج كاظم يبتكر خلطة سحرية خاصة به تحمل اسم "شاي المحبة"، مذاق هذا الشاي مزيج من الزعفران والليمون والنعناع، وهو يعدّ دون أوراق الشاي.

أما القهوة فحضورها خجول في قائمة مشروبات المقهى، كما أن هناك مشروباً يسمى بـ"مشروب الشعب" في مقهى درويش الذي يفرض علينا أن نقف في الزقاق الضيق أو في ممرّ السوق المزدحم كي نتمتع بنكهته الممزوجة بالتراث الإيراني.

مقهى على هيئة متحف

حبات السكر والحلوى والتوت المجفف والزبيب؛ يقدم المقهى هذه الطيبات مع أكواب الشاي التي لم يتجاوز سعر الواحد منها 10 آلاف تومان، ما یعادل اليوم 33 سنتاً. المقهى الذي ينشط يومياً منذ الصباح حتى غروب الشمس ماعدا الجمعة حيث العطلة الأسبوعية في البلاد. وإذا ما وددنا أن نجلب معنا من خلطته فيضع لنا منها في علب وبنكهاته الخاصة.

يشرح الرجل الستيني كاظم مَبهوتِيان أن المقهى كان لصاحبه الحاج محمد حسن شَمشِيري، ويعود لعام 1918، و"قد ابتاعه والدي الحاج علي الملقب بالدّرويشي، بعدما كان عاملاً فيه يبيع الشاي لسنوات مديدة على تجّار بازار طهران التاريخي".

ابتكر الحاج كاظم خلطة سحرية خاصة به تحمل اسم "شاي المحبة"، مذاقه مزيج من الزعفران والليمون والنعناع

لم يتزوج الحاج كاظم حتى اليوم، وهو رياضي يمارس تسلق الجبال بانتظام، كما له متجر لبيع مستلزمات هذه الرياضة تغنيه عن بيع الشاي، غير أن إرث والده الذي سُجل ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي في إيران عام 2015 لا يمكن التخلي عنه، ويصرح الرجل: "نحن لا نبحث هنا عن الأرباح، إنما هذا المكان بالنسبة لنا موقع اجتماعي ثقافي وطني ذاع صيته في أنحاء العالم وعلينا الحفاظ عليه".

محل لا يختلف عن المتحف، فمذياع وصور قديمة وأباريق وأقداح بصناعة يدوية تزين الجدران حتى السقف فرغم صغر حجم المكان إلا أنه يجلب أنظار السياح. وقد کوّن خلال قرن من الزمن علامة بارزة لقدمة البازار وذاكرته.

مع مرور الوقت وضع المقهى لنفسه قوانين وجب الالتزام بها مهما كلف الثمن ومن ضمنها تقديم نهاية إبريق الشاي مجاناً للزبون، وعند استفسارنا عن عدد أباريق الشاي التي تُحضّر يومياً قال لنا الحاج إنه لا لا يعرفها تحديداً، وحتى لا يهتم بعددها بقدر ما يهتم بتحضير الشاي، كما أن التواجد في هذا المكان الصغير الذي يفرض الوقوف لساعات طويلة دون استراحة لرجل ستيني هو نابع من هواية تراث الأب فحسب، كما قال لنا الحاج كاظم.

يملك المقهى مكتبة تضم عدة كتب تمكن الزبائن من أن يتمتعوا بالقراءة عند احتساء الشاي، كما تعلو المقهى لوحة تتزين كل يوم بأقوال الحكماء أو الأبيات الشعرية الفارسية أو أحاديث للأنبياء والأولياء.

هدايا للسياح وأكواب مرقّمة

"نريد إسعاد الناس؛ أن يتناول الجميع شاينا، وأن يحملوا معهم ذكرى طيبة من هذا المقهى على صغر حجمه"؛ هكذا يعبر حاج كاظم عمّا يشعر به عند مشاهدة زيادة حجم الزبائن، خاصة الأجانب منهم.

علاقة المقهى بالسياح الأجانب تتجاوز علاقة البائع والزبون، فهي علاقة ثقافية واجتماعية: يقدم المقهى لكل زائر/ة أجنبي/ة عملة معدنية كهدية تذكارية، لربما تساوي ثمن كوب الشاي، مكتوب على هذه العملة بيت من الشعر الفارسي وعنوان المقهى ليحتفظوا بها رمزاً للكرم الإيراني، وهذا ما يثير انتباههم/ن.

ويقوم هؤلاء الضيوف بكتابة ذكرياتهم كلّاً بلغته/ا في دفتر موضوع على طاولة المقهى ليحتفظ بها صاحب المقهى كهدية من الزبائن الذين يتوافدون عليه من أقصى بقاع العالم. كما قد زار المحل الكثير من النجوم والمسؤولين الإيرانيين.

أما عن التجار وأصحاب المحلات في البازار فلا يحتسون مشروبهم المفضل إلا من مقهى درويش مسكوباً في الأكواب المرقّمة التي تأتيهم من هناك فقط، فتلك طريقة ملفتة للزبائن القدماء منذ عقود، حيث يحرص الحاج كاظم على الاحتفاظ بأكواب خاصة بهؤلاء.

"صندوق مولى" لجمع التبرعات

عمل الرجل الستيني النشيط منذ تسلمه إدارة المقهى خلال سبعة عشر عاماً على ترتيبه وتنمية نشاطه والدعاية له من خلال تدشين صفحة على إنستغرام تعكس يوميات المقهى مع زبائنه.

علاقة المقهى بالسياح الأجانب تتجاوز علاقة البائع والزبون، فهي علاقة ثقافية واجتماعية: يقدم المقهى لكل زائر/ة أجنبي/ة عملة معدنية كهدية تذكارية، لربما تساوي ثمن كوب الشاي، مكتوب على هذه العملة بيت من الشعر الفارسي وعنوان المقهى

"صندوق مولى" هو عبارة عن صحن نحاسي على طاولة المقهى يضع فيه الزبائن تبرعاتهم، كي يصرفها صاحب المقهى على الفقراء. وعمل الحاج كاظم خلال السنوات الماضية على تحديث هذه الفكرة الحسنة لمساعدة المعوزين بلا مأوى والمشردين من خلال نشر تقارير مصورة على صفحة المقهى في إنستغرام حول النشاطات الخيرية، لتتوالى تبرعات الناس بمبالغ كبيرة، مما يدل على ثقة وسمعة المقهى الطيبتين بين فئات المجتمع وتجار السوق.

زراعة الشاي وأمنية صاحب أصغر مقهى

ورغم أن البلاد تشتهر بزراعة الشاي وتنتج 30 ألف طن من الشاي سنوياً لامتلاكها أراضي خصبةً ومياهاً عذبة في شمال البلاد، والذي يتم تصديره إلى نحو 30 بلد، إلا أن مقهى درويش يستخدم الشاي الأجنبي، ويعود سبب ذلك إلى أن الشاي الإيراني عضوي ينتج دون مواد كيميائية، فهو بطيء في التحضير، وهذا لا يصلح لمحل يرتاده زبائن مسرعون في أنحاء البازار.

لا تفوت وسائل إعلام دولية، وعند حضورها في إيران، فرصةَ إعداد خبر عن هذه الميزة الخبرية في بازار طهران، التي تمثل التنوع الحضاري والثقافي في بلاد فارس، كما تبحث وزارة التراث والسياحة لدخول المقهى في موسوعة غينيس قريباً.

الذي يتمناه صاحب المقهى ويسعى لتنفيذه هو أن يجمع أصحاب المقاهي التي يمتد عمرها إلى مئة عام من حول العالم في طهران، فيأتي بهم إلى أصغر مقهى في العالم ليجلسوا على طاولة واحدة يحتفلون بتاريخهم، ثم يتحدثون عن التراث والثقافة وعن قوانينهم وسننهم وعن زبائنهم؛ هذا ما تمناه ودعا له الحاج كاظم في اليوم العالمي للشاي، من خلال نشر مقطع فيديو على إنستغرام تداولته وسائل الإعلام في إيران.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard