الزعفران الإيراني يمنح البهجة لكنه حزين

الجمعة 3 ديسمبر 202102:40 م

في الساعات الأولی من صباح خريفي، يقطف نبتة السعادة وسط سهول تكتسي باللون البنفسجي برفقة أبنائه من صبية وفتيات، معتبراً لحظة العمر لا محل فيها للضياع أو الاكتئاب. هذه حال أصغر كِشاوَرْز في مزرعة الزعفران. حصيلة 3 آلاف متر مربع على مدى ستة أيام علی التوالي من موسم القطف، تعادل 150 كيلوغراماً من زهرة الزعفران. لكن هناك وجهاً آخر لهذه اللوحة الفنية الجميلة، إذ يشعر كِشاوَرز باستنزاف في الوقت والمال اللذين بذلهما طيلة السنة بعد جني محصوله كاملاً؛ مفاجئة لم تكن في حسبانه، بل تحبط آماله أيضاً، وهي لم تكن حتی حصيلة نصف العام الماضي حیث بلغ محصوله 400 کیلوغراماً.

ينحني المزارع ويقطف الأزهار ويملأ الدلو؛ هذه طريقة قطف زهرة الزعفران اليدوية التي تستغرق نصف نهار في محيط مدينة "تُربت حيدرية" ذائعة الصيت ضمن منطقة واسعة تمتد في شرق إيران وتشمل ثلاث محافظات: خُراسان الشمالية وخُراسان الرّضوية والجنوبية.

أسرة كِشاورز تباشر العمل طوال النهار، وبعد قسط من الراحة تبدأ بعملية استخراج خيوط الزعفران من الزهور. كلّ زهرة لا تحوي إلا ثلاثة خيوط وعليهم ألا يتأخروا بنزعها خشيةَ تلفها، وقد يستخرج الغرام الواحد للزعفران من 150 زهرة تقريباً، ولذلك يُقاس الزعفران بالغرام والمثقال، ما يجعله النبات الأكثر قيمة بين سائر النباتات والبهارات، وإذ يضيفه الإيرانيون (والشعوب الأخرى) إلى أكلاتهم فذلك يدل على أن الأكلة فاخرة.

بإمكانكم أن تتذوقوا كل شيء في إيران بطعم الزعفران؛ آيس كريم بالزعفران، قهوة بالزعفران، شاي بالزعفران، حلوی بالزعفران، كعك بالزعفران، عسل بالزعفران، أرز بازعفران، إلخ. فالزعفران جزء لا بد منه في المطبخ الإيراني

بإمكانكم أن تتذوقوا كل شيء في إيران بطعم الزعفران؛ آيس كريم بالزعفران، عصير بالزعفران، قهوة بالزعفران، شاي بالزعفران، حلوی بالزعفران، كعك بالزعفران، عسل بالزعفران، أرز بازعفران، إلخ. فالزعفران جزء لا بد منه في المطبخ الإيراني شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً.

الكالسيوم والحديد والفوسفور أهم العناصر الغذائية في هذه النبتة الجميلة، وإضافة إلی فوائده المشهورة يعتبر الزعفران مضاداً للاكتئاب برفع مستوى الدوبامين في الدماغ، في الطبّ الحديث والتقليدي، كما أنه يحسّن أعراض بعض اضطرابات الجهاز العصبي ويساهم في تخفيف أعراض متلازمة ما قبل العادة الشهرية، إضافة إلى قدرته على تخفيف آلامها. ووفقاً لدراسة أجرتها وزارة الصحة الإيرانية تناول الزعفران يساعد على تحسن حالة المصابين بكورونا.


عمر زراعة نبتة الزعفران في إيران، تمتد لثلاثة آلاف سنة؛ هكذا يشرح أمير، الابن البكر لعائلة كِشاورز والذي ينضم إلی أسرته في موسم الزعفران قادماً من الجامعة. ورغم أن زراعة ما لقّب بالذهب الأحمر لا تحتاج إلی مياه كثيرة طيلة السنة لكن الجفاف وتغير المناخ الذي حلّ بإقليم خراسان قد أثر سلباً علی عملية الزراعة، وأدخلها دائرة الخطر من حيث الفائدة حسب تعبيره.

قصة أسرة كشاورز تشبه قصص آلاف المزارعين الذين توارثوا مهنتهم جيلاً عن جيل علی مدی التاريخ في هذه البقعة من الأرض، أما الآن فقد سئموا الوضع الراهن، وليس باليد حيلة كما يعبر والد العائلة.

بضع كلیومترات تفصل بين تلك اللوحة الفنية المرسومة بنفسجية اللون والسوق الذي يتداولون فيه بيع وشراء زهرة الزعفران في مرکز مدينة تربت حيدرية. السوق هو نقطة تلاقي المزارعين الذين يريدون بيع محاصيلهم في مرحلة الأزهار، والتجار وأصحاب المصانع والشركات الصغيرة الذين يبتاعونه. ويعمل نحو 700 ألف شخص في صناعة الذهب الأحمر داخل البلاد في مختلف مراحل الزراعة والقطف والاستخراج والتجفيف والتعليب والبيع والتصدير.

إضافة إلی فوائده المشهورة يعتبر الزعفران مضاداً للاكتئاب برفع مستوى الدوبامين في الدماغ، في الطبّ الحديث والتقليدي

أكثر من 60 غرفة للبيع والشراء تسودها أجواء ساخنة، يعلو فيها صوت الباعة والمشترين يهتفون بجودة محاصيلهم وأوزانها وأسعارها. تستغرق عملية التسويق شهراً تقريباً، اعتباراً من بداية موسم قطف الأزهار إلى نهاية الموسم.

زهراء، الفتاة ذات الخامسة عشرة، تتردد علی السوق برفقة والدتها طيلة الموسم، فهما من ضمن مئات العاملات في مرحلة استخراج أعواد الزعفران من الأزهار لصالح أصحاب المحلات والمصانع، ويتقاضين أجرة تصل 80 ألف تومان (ما يساوي 25 دولاراً) لكل ثلاثة كيلو من الأزهار. تعتبر زهراء عملها فسحة للتسلية والتسكع وكسب بعض من المال طيلة هذا الموسم الذي ينشغل فيه الصغير والكبير.

الأسود الداكن يصبغ أصابع يدي محمد آستي، الرجل الخمسيني، لكثرة اشتغاله باستخراج أعواد زهرة الزعفران، فهو قد بادر بتدشين سوق زهور الزعفران منذ عقدين. استعد محمد للحديث عندما رأی الهواتف تلتقط صوراً من غرفته، بينما لم يخفِ غضبه من تدهور السوق إذ يقول: "إنها كارثة، 40% نسبة إجمالي إنتاج الزعفران مقارنة بالعام الماضي".

أراضي أفغانستان الجارة الشرقية لإيران خصبة ومستعدة لزراعة الزعفران وهذا ما جعل التهريب أمراً لا مفر منه، خاصة وأن نصف مليون لاجئ أفغاني يعيشون في هذه المحافظة. قلق يراود السكان هنا ويتجلی في حديث محمد آستي الذي یردد أن تهريب بصيلات الزعفران إلى أفغانستان سيدمر اقتصاد هذا القطاع.

إيران لديها حصة الأسد في زراعة الذهب الأحمر بإنتاج نحو 450 طن ما يعادل 90% من زعفران العالم، ثم تأتي إسبانيا وأفغانستان والهند واليونان وإيطاليا والمغرب والصين بفارغ كبیر منها في سلم الترتيب وقد سعت دول أخری كقطر وتركية والأردن والعراق لزراعة أثمن التوابل، ولكن مازالت إيران تهيمن علی السوق وتعتبر الزعفران جزءاً من تراثها الزراعي والثقافي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard