شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!

"الحق في الحركة"... يبدو أن سكان "العالم الثالث" كلهم أشجار!

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

في حلقة من حلقات برنامج جون أوليفر عن المتحف البريطاني، وما يحوي من آثار مسروقة من حضارات مختلفة من حول العالم، تطرّق لمواضيع فرعية عدّة، منها دفاع العاملين في قطاع المتاحف في بريطانيا عن الاحتفاظ بكل القطع الموجودة، والعزوف عن ردّها لمتاحف البلاد التي أتت منها جغرافياً واجتماعياً بطرق ملتوية. تبرّر هذه النخبة أن المتحف يتيح "للعالم" زيارة تلك الآثار!

أي عالم يقصدون؟ السواد الأعظم من سكان العالم، وخصوصاً الفقراء، لن يسافروا أبداً بطرق شرعية للشمال، وبالتأكيد لن يكون الدافع التمتع بآثار الحضارات المختلفة المعروضة بالمتحف البريطاني.

أي عالم يقصدون؟ السواد الأعظم من سكان العالم، وخصوصاً الفقراء، لن يسافروا أبداً بطرق شرعية للشمال.

لا يتطرق جون أوليفر لما تمارسه حكومات الشمال من تعسّف لصدّ أي عبور سلمي لحدودها. هكذا دول العالم الأول، كما يسمون أنفسهم، بينما نحن دول العالم الثالث، كما يسموننا، يفرقنا عنهم رقم مفقود في سلسلة الأرقام، فتقام بينا مسافات لا يمكن تخطيها حتى بمنطق الحساب. ينعكس هذا البعد حين لا تشملنا حقوق البشرية التي يتمتعون بها، وخصوصاً الحق في الحركة. الحق في الحركة هو حق أصيل لساكني الكرة الأرضية من كائنات ونحن، المُبعَدين/ات، لا نتحدث عن انتهاك هذا الحق بالقدر الكافي.

اشتغلت مع المجلس العربي التربوي منذ عدّة سنوات في مشروع "استكشاف". كانت مهمتي كباحثة أن أجمع مادة لأرشيف "استكشاف"، تضاف لشهادات فنانين وفنانات عرب، عن صعوبة عبور حدود الدول العربية، وعن العوامل التي تجعل كلاً من حاملي الجنسية هذه وتلك كتلة بشرية من المُبعَدين/ات.

مواصفات المُبعَدين/ات تشمل شبهات الأنوثة غير المصحوبة بمحرّم، الفقر، اللجوء، المعارضة السياسية، الهوية الفلسطينية، الهجرة، الغربة من أجل العمل، فيصبح واقع هؤلاء عكس ما تنادي به كل الشعارات الدعائية للإقدام على التغيير من خلال الحركة والسفر. يوجد مدّ لا بأس به على مواقع التواصل الاجتماعي يذكرنا بأن نسافر لأن "الإنسان ليس شجرة". يبدو أن المُبعَدين/ات شجر في واقع الأمر.

يوجد مدّ لا بأس به على مواقع التواصل الاجتماعي يذكّرنا بأن نسافر لأن "الإنسان ليس شجرة". يبدو أن سكان "العالم الثالث" أشجار بأكملهم

ذكر أحد معارفي أنه عند السفر ينظر إلى خريطة العالم ليحدّد موقعه، وينظر لأسفل الخريطة ليعرف البلاد المتاحة للسفر للمُبعَدين من أمثاله، إذا حالفهم الحظ، أما الشمال، فالأحرى أن نطمسه باللون الأزرق. متى ننظر للشمال حين نفكر في الحق في الحركة؟ حين نجتاز الآتي: الحصول على موعد في السفارة، الانتظار في الطوابير أمام السفارات، ثمن الاستمارات الباهظ، مقابلة الموكلين بتقييم كل منا، والأهم تحضير ملف من المستندات المطلوبة: حساب بنكي بحد أدني كذا وكذا، تأمين صحي، عقود امتلاك في بلدك بحد أدنى كذا وكذا، حجز الفندق الذي تنوي الإقامة به، تذكرة ذهاب وعودة.

إذا لم يحالفك الحظ عند مقابلة موظف السفارة الموكل بتقييمك، وتصديقك والتصديق على طلبك، فكل ما صرفت من مال وأعددت من عدّة يذهب هباء، ويمكنك المحاولة من جديد بعد مرور مدة زمنية محددة، تتراوح بين شهور وسنوات، على حسب ظروف الدولة التي تنتمي إليها.

أي بشرية تُعرض من أجلها آثار العالم في متاحف الشمال؟

أول مرة حصلت على تأشيرة دخول الولايات المتحدة الأمريكية، تبادلت الحديث مع المجموعة التي ضموني إليها في السفارة. كنا خمسة أفراد يحركوننا ككتلة واحدة في انتظار موظف السفارة الموكل/ة بملفاتنا. أثناء الانتظار، قال لي أحدهم إنه حتى عند التحصّل على تأشيرة الدخول، وفي حال وصولي إلى هناك، إذا تشكك في أمري موظف/ة الجوازات سوف يعيدوني من حيث أتيت. شعرت بإرهاق شديد حيال الفكرة. بعد كل هذا العناء كأن شيئاً لم يكن؟

المصطلحات التي يستعملها المفكر الكاميروني أشيل مبيمبي، في كتابه "سياسات الموت" (Necropolitics) تملأ أفكاري، وأصرخ في وجه جون أوليفر غاضبة لأنه لم يتحدث عن الحق في الحركة في حلقته الممتعة عن المتحف البريطاني. اكتفى بالمرور سريعاً على الفكرة في بضع كلمات فقط، مفادها أن الحضارات التي تنتمي إليها الآثار التي يعجّ بها المتحف البريطاني لن يراها أبناء تلك الحضارات جغرافياً واجتماعياً أبداً، لأنهم/ن ليسوا من المترددين/ات على بريطانيا.

قبل بضع سنوات، فاتني مؤتمر في اليونان، لأن السفارة قامت بتأجيل النظر في كتلة من ملفات المتقدمين/ات بأريحية ولامبالاة. عندما عدت للسفارة بعد شهر، كانت أوراقي في كومة الانتظار، فسحبت جوازي لأنني كنت بحاجة للسفر إلى الأردن. صديقة لي، أستاذة أنثروبولوجيا في أرقى جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، كانت تشكي منذ أسابيع من عدم مقدرتها على حضور مؤتمر في إنجلترا بسبب تأخر التأشيرة. قامت صديقة منذ فترة بدعوة مجموعة من المقرّبين لرحلة غير مكلفة لكرواتيا في الكريسماس، دون أن تنتبه أن صديقتي اللبنانية الجنسية وأنا لا نملك جوازات سفر تمنحنا الحق في الحركة لأماكن كثيرة حول العالم، دون المرور بكل الإجراءات التي اعتدناها، مع احتمالية الرفض التي تخيم علينا كلما فكّرنا في السفر.

قبل بضع سنوات، فاتني مؤتمر في اليونان، لأن السفارة قامت بتأجيل النظر في كتلة من ملفات المتقدمين/ات بأريحية ولامبالاة. عندما عدت للسفارة بعد شهر، كانت أوراقي في كومة الانتظار، فسحبت جوازي لأنني كنت بحاجة للسفر إلى الأردن

لسنا سواء

اعتدنا في بلادنا أن تكون مجموعة من الأشخاص ممنوعين/ات من السفر لدواع سياسية، واعتدنا أن تُرفض طلباتنا في السفارات المختلفة، واعتدنا أن ترتاب تجاهنا شعوب الشمال، لكننا لا نتكلم عن كل هذه العوائق أبداً على أنها جريمة إنسانية ودولية، لأننا لا نستطيع حلها كشعوب وأفراد، الملخّص أننا محرومون من الحق في الحركة.

في الفصل الذي نعيشه في تاريخ البشرية، نحاول أن نتحد تحت شعار "سياسة كوكبية"، كما أشار لها أشيل مبيمبي. يقول إن الحقوق التي ينادي بها الساسة المنتخبون/ات في الشمال حكر على شعوبهم فقط، ففيهم تختزل البشرية بكل رومانسيتها وما تحمل من طموحات البشر من حقوق أساسية لكي ينعم الفرد بحياة كريمة، فإذا كان للبشر، الفصيل الذي يتحكّم في صحة الكوكب ومساحاته، الحق في زيارته والعيش فيه، من بداية الكرة الأرضية لنهايتها، فلسنا المقصودين/ات بهذا الخطاب. هذا الخطاب مُفَصَّل للإنسان الأول وليس الثالث.

تلفت انتباهنا كاثرين يوسف، عالمة الأنثروبولوجيا في كتابها "مليار أنثروبوسين سوداء أو بلا"، أن "العالم التالت" لم يمتلك سيادة القرار في تاريخ تغيير الجيولوجيا التي أودت إلى وضع الكوكب وما يعانيه من استهلاك للطبيعة وتدميرها، فعلها الشمال بعالمه "الأول"، ولكن الآن كلنا نعاني من هذا المأزق الذي وصل إليه الكوكب، بسبب جشع الشمال وتواطؤ كُتَل السلطة في الجنوب العالمي.

الإصرار على عدم مشاركة الكوكب مع آخرين بمثابة عقدة، عدم تخطيها يعني التضحية الدائمة بكرامة حشود غفيرة من البشر.

في هذه اللحظة الحرجة أصبحنا كلنا مدعوين/ات لتحمل المسؤولية. عندما يتحدثون في منابر الإعلام عن حماية "أسلوب حياتهم"، لا نعرف سبيلاً لفهم ما يقصدون، فكل ما يتمتعون/ات به من حقوق نعرف منها الفتات. أصبحت حالة الكوكب معضلة توزع علينا فيها الأدوار. تقول كاثرين يوسف إن "السعي لتوثيق عهد الأنثروبوسين (فترة تأثير الإنسان العميقة على كوكب الأرض، بداية من الثورة الصناعية في أوروبا إلى الآن) هو محاولة لاستعادة البراءة من أي مسؤولية داخل هذا التاريخ الجغرافي والجيولوجي. تاريخ الأنثروبوسين يكشف عن تجربة قاسية من منظور الكثير من فقراء العالم، المتعرضين/ات للعنصرية بدون أي اهتمام لتوثيق هذا البُعد من الأحداث وتداعيات هذا التاريخ: "إن الأنثروبوسين في الحقيقة يعاضد مواقع القوة من خلال البراءة المدَّعاة في الحاضر، بغرض التأثير على القرارات المعنية بالمستقبل، وما يتيحه من أشكال البقاء واستقرار العيش على الكوكب".

أشارت السكرتير العام لأمنستي إنترناشونال، أجنس كالامارد، في قمة المناخ هذا العام التي أقيمت في مدينة شرم الشيخ في مصر، إلى أن التغيرات التي يمرّ بها الكوكب سوف تجبر حشوداً من البشر إلى الهجرة لأسباب بيئية قد تهدد حياتهم، وأنه من المعقول والضروري أن تتغير منظومة السفر والحق في الحركة لصالح الحياة، لأن كل من يقوم بممارسة حقه في الحركة كساكن لكوكب الأرض يبحث عن الحياة بشكل من الأشكال، وأن الفصل القادم في تاريخ البشرية سوف يعتمد اعتماداً شبه كامل على ممارسة هذا الحق الذي لابد أن يُكفَل للجميع.

الإصرار على عدم مشاركة الكوكب مع آخرين بمثابة عقدة، عدم تخطيها يعني التضحية الدائمة بكرامة حشود غفيرة من البشر. يتأمل أشيل مبيمبي سؤال: "هل يستطيع الإنسان حقاً أن يكون موجوداً في العالم، أن يسكن العالم، أو يعبره، على أساس استحالة أن يتشاركه مع أخرين كبُعد من المحال تخطيه؟".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard