شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
رحلات النايل كروز

رحلات النايل كروز "الرخيصة" والسريعة فرصة لا تعوض لزيارة معالم الأقصر وأسوان... فعلاً؟!

انضمّ/ ي إلى ناس رصيف.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة "لناسنا"! تفاعل/ ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب

الثلاثاء 20 ديسمبر 202210:48 ص

"لن تتمتعي بالأقصر وأسوان إذا لم تبحري في النيل"؛ عبارة طالما سمعتها حتى قبل أسبوعين، وذلك عندما أزمعت أخيراً زيارة مدينتي الأقصر وأسوان عبر رحلة نيلية، حجزتها من خلال إحدى شركات السياحة في منطقة وسط البلد بالقاهرة. مدة الرحلة ثلاثة أيام على متن أحد المراكب الكبرى التي تتميز بتوفير رحلات بميزانية محدودة.

لكن سؤالاً طرأ على فكري قبل إجراء الحجز، وهو: هل ثلاث ليالٍ كافيه لزيارة معالم الأقصر وأسوان؟

هذا السؤال، ربما عصف بذهني من قبل. فهي ليست المرة الأولى التي أزور هاتين المدينتين، وأعرف حق المعرفة أن ثلاث ليالٍ ليست مدة كافية، وأنها تبدو لي عادةً رحلة مضغوطة "زيادة عن اللزوم".

"هذا النوع من الرحلات يعتمد على الانتقال بسرعة، من مكان إلى آخر، ويمكنني أن أجيبكِ بنعم، يمكنك رؤية الكثير في ثلاث ليالٍ، ولكن إذا كنتِ تفضلين مشاهدة معالم المدينة بوتيرة أكثر هدوءاً واسترخاءً، فإنني أوصي بالتخطيط لقضاء عطلتك في فندق وليس كروز"، قال لي موظف في شركة سياحية، متبرقعاً بابتسامة.

ولكن "الكروز" رحلة تستحق التجربة، ولو لمرة واحدة في العمر على الأقل؛ قلت لنفسي حازمة، لأهدئ من روع تلك اللحظات التي يعرفها عشاق الرحلات كثيراً، وتسبق اتخاذ قرار جديد.

حجزت غرفة "سنغل" المخصصة للفرد الواحد، سعرها 220 دولاراً، بينما الغرف الـ"دابل"، التي يشغلها فردان، فسعرها 263 دولاراً. هذا المبلغ يتضمن استقلال باخرة خمسة نجوم، وتذاكر طيران ذهاباً وعودة، وجميع تذاكر المزارات السياحية، واصطحاب المرشدين السياحيين، واستقلال المراكب الشراعية، والحنطور، وحافلة الوصول.

البداية

بدأت الرحلة من أسوان، بعد أن هبطتُ في مطارها الدولي وأنا على متن طائرة تابعة لـ"مصر للطيران"، محملة بسيّاح سيكونون رفقاء محتملين، فهم تابعون لنفس الشركة، ومشتركون في العرض الزهيد السعر ذاته.

في مطار أسوان، استقبلنا مندوب الشركة يصحبه مرشدان سياحيان، يتحدثون العربية والإنكليزية، ليصطحبونا بالحافلات السياحية لزيارة السد العالي مباشرة، فليس لدينا وقت للاسترخاء من تعب السفر.

السد العالي، ذلك المشروع المثير للإعجاب، والذي يعد أبرز إنجازات القرن العشرين في مصر والمنطقة.

قاطع المرشد السياحي أحد الأشخاص، سائلاً عن شيء ما. وقبل أن يكمل سؤاله أجاب المرشد: "ليس هناك وقت للحديث، فالرحلة مضغوطة، والوقت لا يسمح بإضاعته"... عن تجربة رحلات #النايل_كروز في #الأقصر و #أسوان

سكنونا في مركب ذي تصميم كلاسيكي أنيق، تحتوي كل كابينة على شباك خاص، محكم الإغلاق بالطبع، فلا يمكن فتحه مهما حاولت، مما يتيح للسائح/ة الاستمتاع بالهدوء، ومشاهدة مناظر طبيعة خلابة، طالما داعبت خيالنا، نحن سكان المدن المزدحمة والملوثة.

يتيح مطعم المركب إطلالة رائعة للنزلاء أثناء تناول الطعام حتى لا يفوتهم شيء.

أما بالنسبة لسطح المركب أو ما يسمى " بالصن ديك"، فهو يحتوي على حمام سباحة لمن يودون تجريب حمام شمسي، ويوجد أيضاً مكان مغطى لمن يفضلون الاستمتاع بالمناظر الخلابة دون التعرض لأشعة الشمس.

مع شدة الأزمة الاقتصادية، تقدّم شركات السياحة المصرية عروض رحلات النايل كروز، ثلاثة أيام فقط لزيارة معظم معالم الأقصر وأسوان بأسعار زهيدة نسبياً، تأخذنا الكاتبة لتلك الرحلة بتفاصيلها، متسائلة: ما يمكن أن يفوتك أو لا يفوتك في تلك التجربة

في اليوم الثاني، كان برنامج الرحلة التابع للشركة موزعاً بين زيارة معبد فيلة، الواقع في جزيرة وسط النيل، والمكرس للإلهة المصرية إيزيس، ثم زيارة القرية النوبية ببيوتها ذات الألوان الزاهية.

ولفت نظري في بعض البيوت النوبية تربية التماسيح النيلية داخل الأقفاص الحديدية أو المصنوعة من الإسمنت، يقول النوبيون إنها من العادات المتوارثة عن الأجداد.

بعد جولة في القرية، اتجهنا إلى جزيرة النباتات، وفي طريق العودة بالمركب الشراعي "الفلوكة"، أشار المرشد إلى ضريح آغا خان، وأبو الهوى، وفندق كتراكت الشهير. ولم يسمح لنا بالتوقف لزيارته، فلزاماً علينا التوجه إلى المركب للإبحار إلى مدينة كوم أمبو، حيث معبد كوم أمبو، الذي وصلنا إليه بعد غروب الشمس.

على عكس المعابد المخصصة لمعبود واحد، كُرّس هذا المعبد لعبادة إلهين، هما الإله "سوبك" في الجزء الجنوبي، والإله "حورس" في الجزء الشمالي.

كانت الزيارة، كجميع الزيارات في رحلات اليوم الواحد المشابهة، سريعة جداً، قبل أن يبحر بنا المركب إلى مدينة إدفو.

زيارات خاطفة

في اليوم الثالث، أقلنا الحنطور، عربة يجرها حصانان، لزيارة معبد إدفو، ويطلق عليه أيضاً معبد حورس، فهو مكرس للإله حورس ابن إيزيس وأوزوريس، وهو من أكمل المعابد المصرية من وجهة نظري، وما زال محافظاً على شكله الذي بني عليه في الأصل.

بعد تلك الزيارة، عدنا للمركب والاستعداد لرؤية هاويس إسنا، حيث تنتظر المراكب دورها لدخول الأحواض أو البوابات التي يتم غلقها من الجهة الأمامية والخلفية، لتفريغ المياه للقادمين من أسوان، فمنسوب مياه أسوان أعلى من منسوب جارتها الأقصر، والعكس صحيح للقادم من الأقصر. وهو أحد المشاهد التي يجب أن لا تفوّت، حيث تقف المراكب في بوابات يتم غلقها من الجهة الأمامية والخلفية.

أُلقي جسم غريب علينا، ونحن على ظهر المركب، نترقب لحظة فتح الهاويس، وسمعنا صوتاً من الأسفل، يقول بـ"مئة جنيه بس، افتحوا وشوفوا، وكل المقاسات موجودة".


فتحنا اللفافة لنجد داخلها أوشحة وأقمصة عليها رسوم مصرية قديمة، نظرنا لأسفل لنجد مشهد غابة يشبه لوحة فنية، حيث تتجمع قوارب الصيد الصغيرة بجوار المراكب أثناء توقفه، ليعرضوا الهدايا علي الناس عن طريق قذف البضاعة من أسفل وإلقاء البضاعة أو الفلوس، إذا ما رغب أحدهم في شراء شيء من أعلى، بعد لف الغرض في الكيس بطريقة محكمة، لأنه في الغالب ما يتم إسقاطه في نهر النيل لأن الزبون غير محترف في إلقاء الأكياس في القارب الصغير. وفي النهاية يلتقطها البائع بحرفية شديدة.

مطار البالون الطائر

اليوم الرابع كان مفاجئاً وعجيباً عندما أعلن المرشدون عن البرنامج، وكان كالآتي:

الاستيقاظ في الخامسة صباحاً، ومغادرة المركب في الخامسة والنصف ذهاباً إلى مطار البالون الطائر، وركوب البالون في الساعة السادسة صباحاً، وسط أجواء من الفرح والبهجة أثناء المرور من أعلى معبد حتشبسوت، ومقابر وادي الملوك، والملكات والنبلاء.

مغامرة ساحرة ممتعة للعين، استغرقت نحو 20 دقيقة

مغامرة ساحرة ممتعة للعين، استغرقت نحو 20 دقيقة.

بعد انتهاء رحلة البالون، توجهنا لزيارة تمثالي ممنون العملاقين اللذين يمثلان الملك "أمنحتب الثالث"، ثم زيارة وادي الملوك، الذي تتيح الرحلة تذكرة الدخول لرؤية ثلاث مقابر، لم نتمكن سوى من زيارة مقبرتين، بالطبع بسبب ضغط الوقت.

توجهنا بعد ذلك إلى معبد حتشبسوت. في الأثناء شعرت أنا وسائحة جزائرية بالتعب الشديد، فوجدنا قبل بوابة دخول المعبد بعض المحلات التي تبيع المنتجات الفرعونية، جلسنا عند أحدهم الذي شعر بتعبنا فمنحنا بعض زجاجات المياه.

استكمل باقي أفراد المجموعة رحلتهم. فوجئنا بعد مرور أقل من نصف ساعة بعودتهم لأن وقت الزيارة كان نصف ساعة فقط، وتوجب علينا الصعود للحافلة، التي ستقلنا إلى معبد الكرنك.

ابتسمت لي السيدة الجزائرية، وقالت: "لم نلحق التقاط أنفسنا، لنكمل استراحتنا في الباص".

وبعد مرور نحو 50 دقيقة، وصلنا إلى معبد الكرنك، الذي يجعل المرء عاجزاً عن الكلام، وعلى الرغم من التعب الشديد الذي بات واضحاً علي الجميع، بدأ المرشد شرحه، وقاطعه أحد الأشخاص سائلاً عن شيء ما. وقبل أن يكمل سؤاله أجاب المرشد: "ليس هناك وقت للحديث، فالرحلة مضغوطة، والوقت لا يسمح بإضاعته".

ليس لدينا سوى 45 دقيقة لزيارة المعبد.

"45 دقيقة لزيارة معبد الكرنك، كيف؟".

المرشد: "الوقت ضيق".

"ما هذه الرحلة؟".

وأخيراً وجدنا أنفسنا أمام معبد الأقصر، وهنا كانت المفاجأة؛ فلم يتمكن أحد من الدخول، إذ جلس الجميع على الأرصفة المقابلة للمعبد، وبدأ المرشد بالشرح بعد أن اعتذر عن إيقاع الرحلة السريع.

بعدها توجهنا لمطار الأقصر الدولي، للحاق برحلتنا إلى القاهرة في السابعة مساءً.

أستطيع أن أقول إن رحلات النايل كروز لا شيء يفوقها سحراً، وأنتم على ظهر المركب، مستمتعين بالمشاهد الجميلة، بينما زيارة المعالم السياحية ليست إلا نظرة خاطفة على عظمة الأجداد، والتقاط صورة لتثبت أنك كنت هنا.

ولا تحلم/ي بأكثر من ذلك. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي
Website by WhiteBeard