وشوم انتقلت من الأجساد إلى الجدران... عن سياحة جديدة في المدن المصرية

الخميس 15 أكتوبر 202011:04 ص

بألوان زيتيةٍ تحولت مدن بأكملها إلى مزارات سياحية شهيرة، فقد أهدتها مجموعة من الرسومات صيتاً تداول بين الكثير فأخذ يقصدها الزوّار من كل حدب وصوب، بين أسر بسيطة وابتسامات عنوانها صفاء القلب.

ولم تقف قدرة الألوان والفرشاة هنا فحسب، بل تطوّرت لتقام فعاليات ونشاطات بجانب دورات تدريب أطفال لاستكمال السلسلة الملونة على الجداريات التي لن تنتهي والتي رُسمت على الجدران بشكلٍ بديع.

الجانب المثمر في تلك القصة هو أن هذه الرسومات جاءت على يد مجموعة من الشباب لا تتجاوز خبراتهم أو إمكانياتهم بالحياة شيئاً يُذكر أمام السّلطة والقوة والنفوذ الذي تجلبه الأموال، فقد حقّقوا آمالهم الوردية وأحلامهم الصافية ليرسموا البسمة على وجوه سكّان وزوّار تلك الأماكن، ومن ثمّ ظهرت قدرتهم على تحويل مناطق شبه نائية أو أماكن لم يعلم عنها أحدٌ شيئاً إلى معالم شهيرة، ففعلوا ما لم تسعَ إليه سلطات بأكملها.


وبشكل أو بآخر ارتبطت تلك الفعاليات الشبابية بأماكن تطلّ على المياه فتضيف عليها مشهداً جمالياً يزيد من لطفه أضعافاً. وهكذا أيضاً تحولت المناطق الهادئة البسيطة إلى أماكن تصوير مميزة يأتيها عاشقو الألوان المُطلّة على البحر استمتاعاً بجمال المشهد الذي يعتبر فريداً من نوعه خاصة في تلك الأماكن النائية.

وما أكثر اليوم الشباب الذين يبحثون عن فرص جيدة لصور فنية مميزة خارجة عن الإطار الطبيعي المألوف بين العامة، وقد اكتشفتُ مؤخراً أنني أنتمي إليها، حيث يمتعني التقاطها والتمعّن فيها. فظهر حبّي الأكبر لتلك الألوان بمجرّد وصولي إلى مدن مصرية كانت تظهر فيها الرّسومات على المنازل التي ترتصّ من حولي ليكتمل مشهد فوتوغرافي من الدرجة الأولى أمام عيني تذهب معه الرّوح قبل العين.

من خلال تلك الرسومات التي تشبه كثيراً بيئتها التي نشأت فيها صُنع ما بحثتْ عنه الأمم لسنوات طويلة؛ هنا يمكننا القول إن الألوان تنهي نزاعات وتهدئ من النفسيات بل وتنبت معها أرواح جديدة بين أطفال نشأوا بين رسومات ملأتها ألوان الحياة وزيّنتها روح البهجة التي تنتقل مباشرة إلى كلّ الناظرين.

كانت للنوبة بصمةٌ مختلفة فقد صنعتْ فنّاً بأكمله يختصّ بها، ويتناقله الزوّارُ والمحبّون ليكون عنواناً لمنازلهم العصرية والأماكن العامة، فأصبح متداولاً كمثال للفنّ يسمّى "الفن النّوبي"

أماكن وُلدت من جديد بالألوان

ومن المعاني اللطيفة للأمر أنه بدأ في التطور والانتقال من مكان لآخر، والآن يستمرّ في الزيادة لتملأ معه البهجة كلّ نواحي الأماكن المصرية البسيطة. وبداية من النوبة التي تميّزت برسوماتها وفنونها التي تنتقل سياحياً عبر العالم، مروراً بعزبة البرج، ووصولاً إلى جزيرة البرلس في كفر الشيخ، والكثير من الشوارع المتفرقة بين ضواحي الأماكن الشعبية والقديمة وغيرها.

الفن النّوبي الذي أصبح تراثاً متداولاً بالأماكن العامة

وجوه تشبه النيل في صفائه وعطائه نرى ابتساماتهم عن طيب خاطر في أرض الذهب. وعلى عكس الأماكن التي انتشرت بها الألوان لإضفاء البهجة فقط، كانت للنوبة بصمةٌ مختلفة فقد صنعتْ فنّاً بأكمله يختصّ بها، ويتناقله الزوّارُ والمحبّون ليكون عنواناً لمنازلهم العصرية والأماكن العامة، فأصبح متداولاً كمثال للفنّ منفرد بذاته يسمّى "الفن النّوبي" ليصبح ضمن أجمل الديكورات التي يتمّ استخدامها.

وبشكل عام أظهر الفنّ النوبي دلالاتٍ تميّز الثقافة النوبية بمعتقداتها الشعبية المتنوعة التي تبدو بارزة ليس فقط على مستوى الجداريات الفنية والبيوت التي تتحدث إلى عيوننا بالسّرور والبهجة وبكلّ سلاسة، فنجد ذلك واضحاً في الوشوم على أجساد أهل النوبة، سواء الرّجال منهم والنساء. ويأتي ذاك الحسّ الفني متبلوراً في المشغولات اليدوية التي تزيّن الزخارف والخرز، وكذلك التي تتكّون من الخوص والسّعف.

وكما تحدّثنا من قبل فإن الرموز لها مدلولات واضحة تخصّ الشعب النوبي؛ ووجدتُ خلال بحثي أن أبرزها هو السّيف الذي يرمز إلى البطولة والشجاعة. كذلك الأزهار والورود تُعدّ رمزاً للصداقة، والإبريق والسّجادة يدلّان على الطهارة والنقاء، كما أن الهلال والنجمة يوحيان بالتفاؤل، ويعتبران من أهمّ الرموز الإسلامية المستخدمة.

نجد بين هذه الرّموز القطّة السّوداء، وعلى عكس المتعارف عليه بين أغلب المصريين بأنها رمزٌ للتشاؤم، إلا أنها بين النّوبيين ترمز إلى التفاؤل، بينما يعكس الغرابُ والبومةُ إيحاءً متشائماً.

ويتّضح ذاك الفنّ أكثر من خلال استخدام المثلثات بألوانها المختلفة التي تعدّ أبرز علامات الثقافة النوبية، فتُزين الشبابيك بالمثلثات العادية والمقلوبة بألوان الأصفر والأخضر والأزرق والأحمر. كذلك القباب الملونة التي تعدّ سمةً رسمية لتراث البيوت النوبية والتي لا تبرز شكلاً جمالياً فحسب، بل تُستخدم بطريقة مدروسة لتوزّع حرارة الشمس، فلا تُسلّط بطريقة عمودية على منطقة واحدة بالمنزل، ما يجعل البيوت أقلَّ حرارة.

البرلس، جزيرة وُلدت من جديد على يد الفنّانين

أثر البهجة يُرى من بُعد أميال في جزيرة البرلس بكفر الشيخ برسوماتٍ نابعة من البيئة البحرية بدّلت الحالة النفسية لساكني المدينة، وتبدّلت معها رؤيتهم للفن وقبولهم للتغير، على عكس تقاليدهم السابقة؛ فأصبحوا مساعدين وداعمين لشبابهم المُبهجين الذين يرسمون البسمة بفنّهم على وجوه المارّة.

نجد بين هذه الرّموز القطّة السّوداء، وعلى عكس المتعارف عليه بين أغلب المصريين بأنها رمزٌ للتشاؤم، إلا أنها بين النّوبيين ترمز إلى التفاؤل، بينما يعكس الغرابُ والبومةُ إيحاءً متشائماً

ومن هنا تطوّرت الفعاليات وعمل الشباب بتوجيهات معلّميهم، فأدّى طابع الألوان إلى الشّعور بالإقبال على الحياة بمجرّد تحويل المنازل من بيوت إسمنتية إلى أعمال فنية تملؤها الحياة، من خلال التباين اللّوني في الرّسومات بين جمال الطّيور وألوان الأسماك والبحار.

فعاليات ملتقى البرلس

تعتبر البرلس بشكل خاص المكانَ الأكثر تنظيماً في ترتيب الرّسوم والشباب والفعاليات المنتظمة والتي يتمّ تكرارها باستمرار، بل وكانت هي الأكثر ترتيباً في ما يخصّ وضع خطة لتطويرها.

وبدأ ملتقى البرلس بفكرة طرحها الدكتور عبد الوهاب عبد المحسن عام 2014 من أجل تجميل مدينة البرلس بمحافظة كفر الشيخ، وظلّت تتداول على مدار 6 سنوات متتالية تزداد بتواجد جنسيات فنية من أغلب أنحاء العالم، ليشاركوا برسوماتهم بشكلٍ تطوعيّ.


وهذا العام تطوّرت الفكرة لتصبح بمشاركة من جنسيات متنوعة بدأها الدكتور عبد الوهاب عبد المحسن بكلية الفنون الجميلة بالتعاون مع صديقه الفنان الصّربي ميلان بانتليك.

وتطوّر الأمر إلى تعليم الطلاب ومشاريع تخرّجهم لزيادة خبراتهم والاستفادة من قدراتهم، لتدور أحداث الملتقى خلال 14 يوماً من الفنّ والتعلّم تتحول من بعدها المنازل إلى لوحات فنية مُعبرة يحبّها سكّان المدن وزائروها.

الكيانات الداعمة للملتقى تزداد يوماً بعد يوم

بحسب حديث الدكتور عبد الوهاب المسئول عن الملتقى: "بالفعل لدينا دعم من وزارة الشباب والرياضة، وأيضاً عدد من المؤسسات الثقافية مثل (بتانة) وشركة أوراسكوم العقارية، فضلًا عن صندوق الأمم المتحدّة للسكان".

قد يعود الشبب إلى ثقتهم في ما يقدّمونه: "احنا بنعمل خدمة مفيهاش ادعاء أو تمثيل أو انتهازية"، كما أن لديهم غرضاً واضحاً هو ترسيخ روح الانتماء الوطني "ونوصّل رسالة للعالم إن بلدنا له تاريخ حضاري".

وعند سؤاله عن نوع التعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكّان، أجاب: "العمل يأتي عبر توجيهات نُمرّرها من خلال وجودنا الفني مثل ختان الإناث والزواج المبكر والزيادة السكنية، وأيضاً التحرش وتقبل الآخر، لكن بصورة غير مباشرة، (الناس بتيجي تتفرّج على شغل الفنان، فبنكلمهم بنقولهم اللي نفسنا فيه، وبيكون فيه توعية".

عزبة البُرج سائرة أيضاً على طريق الألوان 

وعلى نفس المنوال صارت عزبة البرج، وهي شبه جزيرة صغيرة على البرّ الثاني من مدينة رأس البر بمحافظة دمياط تكتسي اليوم بالألوان المُطلّة على المياه، ولكنّها مازالت تنتظر الاكتمال.

ولرونقها المميّز المُطلّ على المياه بألوان منازلِها الجاذبة للانتباه، سُمّيت بالمدينة الملوّنة، وتمّ تلوين هذه المنازل في إطار مبادرة طلاء واجهات المنازل بشكلٍ جميل بناءً على تنفيذ للبروتوكول الموقّع بين محافظة دمياط وجامعة حورس والأعمال التي يتمّ تنفيذها تطوعاً من قبل إحدى شركات المقاولات.

وإكمالاً للمشهد الجمالي الذي تَوّج المدينة، أخذت واجهة المنازل ألواناً متعدّدة كاستثناء عن باقي أجزاء المدينة التي سيتمّ كسوُ جميع منازلها بلونٍ موحّد.

بالتعاون مع مديرية الشّباب والرّياضة بدمياط، مع الإدارة المركزية للبرامج الثقافية والتطوّعية بالوزارة ذاتها، إضافة إلى إدارة تنشيط السّياحة، تمّت تلك المبادرة، وبالاستعانة أيضاً بطلّاب كلية الفنون التطبيقية، والتربية النّوعية، مع المدرسة الزخرفية.

وتشتهر عزبة البرج بالأساس بكونها مركزاً لأسواق الأسماك بأسعار مناسبة فيأتيها الزوّار من أغلب الأنحاء المجاورة للحصول على طوازج الكائنات البحرية، وقضاء يوم مميز داخلها. إضافة لامتلاكها واحداً من أكبر الموانئ لبناء السّفن واليخوت السياحية في مصر، واحتوائها على أكبر أسطول بحري للصيد، لذا يذهب صيادوها في رحلات تستمر لشهور حتى يجنوا ثمارَ البحر الذي يقضون فيه أوقاتاً أكثر من التي يقضونها في منازلهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard