شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
كلاب في حياتي

كلاب في حياتي

ثقافة

الأحد 22 يناير 202311:31 ص

في الأيام الأولى من وصولي إلى كندا كنت كلما مرت بي امرأة تتمشى مع كلبها تذكّرت قصة تشيخوف "السيدة والكلب"، فأسترجع القصة كاملة. ثم مع الأيام تبخّرت تلك الذاكرة، فقد كثرت السيدات وكثرت الكلاب ولم تعد رؤيتهن تذكرني بتشيخوف.

كان قلبي قد احتله غوغول. ظل الأمر كذلك حتى اعترضتني تلك المرأة السبعونية صاحبة الضفيرتين. بدت لي من السكان الأصليين، كانت تجر كلبها. شعرت فجأت بالارتباك. لم تكن هي من لفت انتباهي بل كلبها الذي كان يلتفت إلي وهي تحثّه على السير وتعتذر لي وتؤكد لي، كل مرة، أنه ودود ولا يشكل خطراً. هي لا تعلم أنني لم أنزعج. لكن يبدو كان على ملامحي شيء شبيه بالخوف. هناك شيء في داخلي تحرّك مع رؤية ذلك الكلب لكني قمعته، فقد كان يجب أن أمر، فالإشارة صارت للمترجلين. وجدتني مرة أخرى أتبع المرأة وكلبها. دخلت محلاً من محالّ الثريفت ستور؛ محلاً لبيع الملابس والكتب المستعملة. تبعتها. كنت أريد أن أتأمل ذلك الكلب الأبيض الضخم. وأنا أتساءل هل يمكن أن يكون بهذا الشبه؟ كان نفس الكلب الذي ظل يرقد في قلبي منذ أربعين عاماً. حرمت من أن أعرف خاتمة قصته مع صاحبه سيباستيان. كانت البطارية قد نفدت وانطفأ التلفزيون الصغير في ذلك البيت الطوبي في تلك القرية بسفح ذلك الجبل أين يختطف الله شمسه كل يوم ليسقطنا في الظلام وأنتظر وحدي عواء الذئاب وخنخنة الخنزير البري.

خطر لي للحظة أن أسأل الكلب الذي رفع رأسه نحوي لحظة كانت السيدة تقلب مقبضاً لتكسير الجوز على شكل سنجاب حديدي. هل ما زالت الشرطة تطاردك وتدعوك بكلب البيريني الشرير؟

ـ واات؟ سألتني المرأة مستغربة.

ـ لا شيء. فقط أحببت كلبك.

رمقتني بنظرة ارتياب وجرت الكلب واتجهت نحو الجناح الآخر. اكتشفت وقتها أنني أقف بسببها في الجناح النسائي. توجهت نحو جناح الكتب القديمة محاولاً أن استرق النظر على الكلب. لكن المرأة كشفتني فسحبت كلبها وغاردت المحل. أقنعت نفسي بضرورة التوقف عن ملاحقتها. قد تطلب لي الشرطة وتتهمني بأنني أحاول سرقة كلبها. لكني خرجت وعلى أول مقعد حديدي جلست.

كان بيتنا القديم، بيت جدي قد انتصب فجأة في خيالي واكتسحت السماء غيمة داكنة. ورأيته الطفل ذاته، الذي كنته، يجلس على الحصير، كان في شورت جينز أزرق وكنزة صوفية حمراء. كانت ركبتاه داميتين من أثر سقطة قريبة. شعره البني كورلي أكل وجهه كما تقول أمه دائماً إذا ما طال أكثر من اللزوم، ستسحب المقص في أي وقت لتحلق له وينتزع نفسه ساخطاً. كان يكره أن يقص شعره. رأيته يتابع ذلك الضوء المربع وقلبه يخفق. كان صوت خفقانه مسموعاً. وكان الصوت الذي يصدره الجهاز مشوشاً والصورة ترتجف.

بيت مظلم وكلب أبيض يظهر ويختفي

كانت حياتنا صعبة. يخرج أبي فجراً لرعي الماعز في الجبال وكنت بلا كلب لأعيش تلك المغامرات التي كان يعيشها سيباستيان مع كلبه. كنت فقط أبحث عن أعشاش العصافير. أتجوّل جائعاً بين الهضاب أبحث عن أعشاش العصافير. أشرب بيضها الصغير وأمضي كأي كائن بغيض. في المساء نتحلق أمام التلفزيون المنطفئ وننتظر وصول أبي من الجبل فيسحب الخيط من جيبه ويرميه لنا. أركض نحوه. ألتقطه وأشبك الكلابين في البطارية وأوصلهما بالتلفزيون و"طْرَقْ"، سحبة واحدة للزر الوحيد من تلفزيون السوني الرمادي. انتهت حصة الأطفال. بدأت حصة توجيهات "المجاهد الأكبر". أسووو اشييييت. أبي يصغي إلى الرئيس الحبيب بورقيبة كما لو كان في مسجد أمام إمام غاضب. سبع دقائق يروي فيها ذلك الرجل بطولاته التي لا تنتهي، يبكي أحياناً فينهض الجمهور الذي أمامه مصفقاً. أقفز ساخطاً إلى سطح البيت، أين أكوّر فرشتي وأشدها بسلك حديد ناتئ. أبسطها حذراً متثبتاً إذا ما كان يرقد فيها ثعبان أو كمشة عقارب كما حصل مع أخي. أتمدد غاضباً، أرمي النجوم بالنجوم. ماذا لو ترك لنا الكلاليب لكي نتفرج ككل الأطفال في الصور المتحركة؟ ما الذي أعجبه في هذا العجوز الذي يشتمنا ويبكي كل يوم قبيل الثامنة ليلاً؟ ما الفرق؟ كلها صور. صور حلال له وصور حرام علينا.

تواصل ذلك الحظر للتلفزيون ومشاهدة الصور المتحركة حتى ضبطت أبي يوماً يشاهد حلقة من سلسلة "بال وسيباستيان". كان يجلس قبالة التلفزيون كطفل وهو يتابع الجد يحدث سيباستيان وبال يقف بجانبهما. كنت أقف في الباب حانقاً عندما التفت أبي إلي. وقبل أن أنفجر معاتباً. ناداني: تعال. تعال.

جلست بجانبه ونسيت كل شيء. كان بال سريعاً وهو يقفز في الجبال. رأيتني أقفز وراء سيباستيان على ظهر بال الذي طار بنا بعيداً. كان سيباستيان يتبخر تدريجياً بين ذراعي لأمد يدي أشد شعر بال، ذلك الوبر الطويل ليطير بي أعلى.

كان هو بال الذي رأيت هذا الصباح مع تلك السيدة. لا يمكن أن أخطئ بال. لكن من سيصدقني؟

لم يكن هذا أول كلب في حياتي.

كلب أمي وسرها

كان عليها أن تغادر البيت دون أن يراها أحد. يجب أن لا يراها هو بالذات. كان متعلقاً بها بشكل كبير. يلحقها أينما ذهبت كطفل صغير. لم تكن أمي تنزعج منه بل كانت تستأنس به إذا ذهبت إلى الجبل لجلب الحطب. كانت أمي تجلب الحطب صيف شتاء لتجهيز الخبز وللتدفئة وللطبخ. تصعد أمي الجبل لتلقط حطب الصنوبر. تجعله في حزمة ضخمة تلفها بأغصان العرعار الخضراء، تحشو داخلها شجيرات الاكليل والزعتر وما تجده من نباتات تساعدها على مقاومة أوجاع الكلى ثم تشدها بالحبال قبل أن ترفعها على ظهرها وتأخذ طريق العودة إلى البيت الذي يبعد ثلاثة كيلومترات. كنا لا نرى شيئاً غير تلك الحزمة الضخمة من الحطب التي تطل من سفح الجبل بينما تختفي المرأة النحيفة داخلها فلا نكاد نرى منها شيئاً. كنا نتعرف على أمي من عنتر؛ الكلب الذي كان يسبقها دائماً.

قالت لي أمي بعدها بسنوات عندما أصبحت كاتباً: لقد اكتشفتْ عمتك أن ديك أصيب بداء الكلب ومات إثر حادثة الامبتريك بيومين وجاءت تحذر العائلة من مغبة أن تكون قد أصبت بداء الكلب وطلبت منهم أن يبتعدوا عنك ويراقبوك أربعين يوماً

لكن في ذلك الصباح كان عليها أن تراوغ عنتراً لكي تنفّذ ما عزمت عليه. سيفضحها الكلب لو رآها. سيتبعها. لم تكن وقتها قد وطأت قدماي الأرض. كنت مجرد شيء صغير بأحشائها. يجعلها تتقيأ ويشعرها بدوخة تعرفها جيداً.

تقول أمي أنها التفتت بعد أن صارت على بعد مئتي متر من البيت فوجدت عنتراً ينظر إليها في مكانه دون أن يلتحق بها. كانت أمي قد عقدت العزم ذلك الصباح بعد أن غادر أبي إلى الجبل للرعي، أن تسافر إلى مدينة بعيدة لزيارة طبيب نصحتها به صديقتها. هو الوحيد الذي سيخلصك منه. طبيب يهودي قالت لها مطمئنة.

لا أدري الآن هل رفض عنتر الالتحاق بأمي لأنه تواطأ معها لكي تمضي في ما عزمت عليه أم كانت وقفته دليل رفض لتلك المسيرة. لم تحدثني أمي عن نظرته. لكنها أكدت أنه رآها وظل ثابتاً في مكانه. لم تكن رحلتها سهلة فكان عليها، بعد أن قطعت الثنايا، أن تقف في الطريق المعبدة ملتفة في سفساريها منتظرة السيارة السوداء التي ستطل من شرق الطريق ككل خميس، وكان قلبها يخفق عساها تجد مكاناً. عندما توقفت سيارة الأجرة السوداء تقدمت أمي من السائق العجوز وهمست له فأشار إلى الباب الخلفي. هناك كانت تجلس امرأة أخرى ملتفة في لحاف أبيض لا يظهر منها سوى عينيها. تساءلت أمي وهي تسترق النظر إلى بطن المرأة بجانبها، والسيارة تلتهم الطريق الملتوية وسط الجبال؛ هل تراها ذاهبة هي الأخرى إلى الطبيب اليهودي؟

رفض الطبيب طلب أمي، إنه يتحرك، حرام. ربما يكون أفضل ما أنجبت.

روت أمي كيف كان يبتسم في وجهها مهدئاً من روعها.

إلى هذا المستوى من الحكاية، عندما روتها على مسمعي لأول مرة كنت أغلي وأنا أذكر أبي الذي ينعتني بالكلب. لماذا تريد أن تتخلص مني؟

كان يحلو لأمي وأنا بعد طفل أن تروي تلك القصة على كل امرأة تزورنا وتجاملها بعبارات تشير إلى وسامتي. كنت وسيماً بما يكفي لكي أستحوذ على إعجاب كل من يزورنا. رغم أني كنت بوجه مغبر وجلدة ناشفة وشعر أحرقته الشمس. لم تكن أمي تشعر بما يحدث لي كلما قصت قصتها مع الطبيب اليهودي الذي خلصني من أفكارها السوداء وقذف بي في هذا العالم الأشد سواداً.

لم تستسلم أمي وظلت تقفز من السدة الحجرية وتضرب بطنها بخشبة سميكة وتجرب كل النبات السامة التي نبتت في تلك الأرض القاسية. لكني كنت متمسكاً بحبال قوية في أحشائها إلى أن خرجت والتحقت بالفريق الوطني. تسعة أخوة كنت عاشرهم

لم تستسلم أمي وظلت تقفز من السدة الحجرية وتضرب بطنها بخشبة سميكة وتجرب كل النبات السامة التي نبتت في تلك الأرض القاسية. لكني كنت متمسكاً بحبال قوية في أحشائها إلى أن خرجت والتحقت بالفريق الوطني. تسعة أخوة كنت عاشرهم. أخذ الموت منهم نور الدين وفاطمة.

يبدو أن الكلب لم يغفر لأمي فعلتها ولم يفهم أن الحمل المتكرر دمر جسدها العليل وأن الفشل الكلوي الذي كانت تعانيه كاد يقضي عليها.

تقول أمي إنها عندما عادت كانت عنتر في الباب، وعندما رآها غادر بعيداً حيث الزيتونة، الزيتونة التي ستسمى بزيتونة الكلب ولم يعد يغادرها. هناك ينتظر أكله وهناك يطلب نباحه حتى اضطر أبي أن يبني له كوخاً صغيراً ليقيه من البرد في الشتاء. لكنه مات قبل أن آتي إلى هذه الدنيا. وجر جثته أخي الأكبر إلى الجبل حيث تركه للغربان الجائعة ورجع.

ديك، كلب عمتي الذي قتلته؟

قبل أن تشتري لنا أختي الموظفة في العاصمة تونس تلفزيوناً كنا نذهب أحياناً إلى بيت عمتي ليلاً لنشاهد بعض المسلسلات، كان يصحبنا أبي فقط إذا كانت هناك مقابلات ملاكمة. كان وقتها البطل التونسي الإيطالي كمال بوعلي ينازل كل مرة بطلاً عالمياً دفاعاً عن حزامه العالمي.

يبدو أن الكلب لم يغفر لأمي فعلتها ولم يفهم أن الحمل المتكرر دمر جسدها العليل وأن الفشل الكلوي الذي كانت تعانيه كاد يقضي عليها

لم يكن تلفزيون عمتي مجرد تلفزيون فقد كان تلفزيون أحمر بلون الدم صغيراً من نوع كارتاج. ما إن رأيته حتى كرهته فهناك تابعنا فيه الفتوحات الاسلامية وكانت السيوف لا تهدأ في أغمادها، وهناك تابعت انهزامات كمال بوعلي في الحلبة، وهناك أيضاً عرفت الرعب بعينه. كان زوج عمتي يشتغل قباراً في مقبرة الجلاز بالعاصمة وكنت أخافه رغم ما يبديه من رقة تجاهي. ذهبنا ذات ليلة إلى بيت عمتي لنشاهد هزيمة أخرى لكمال بوعلي وكنت طفلاً يباغتني النوم سريعاً. كانت المقابلة تعرض آخر الليل. سحبت عمتي أمي إلى غرفتها لتفتح لها دولابها وتعرض لها أنواع البطاطين التي كانت تخرج منها رائحة عطنة للكافور وأشارت لها بعدد كبير من الألحفة البيضاء. أصابني الرعب عندما شاهدت تلك الأشياء وتخيلتها أكفاناً وفعلاً يبدو أن زوج عمتي كان يجمع تلك الألحفة التي تلف فيها جثث الموتى التي يؤتى بها من المشرحة. كانت آثار الدماء بائنة عليها وكانت عمني تعرضها على أمي لكي تأخذ منها نصيباً وأخذ قلبي يخفق بقوة وأنا أتخيل تلك الألحفة ببيتنا وأمي تغطينا بها في ذلك الزمن من الفقر المدقع. غادرت الغرفة دون أن يشعروا بي هارباً من رائحة الكافور .قلت لنفسي إنها لا شك رائحة الموتى. وقرّرت أن أهرب من بيتنا إن أخذت أمي شيئاً من تلك الألحفة.

كنت صغيراً جداً وأنا أقاوم النعاس فقد كنت أخشى مجهولاً ما يمكن أن يحدث لي إن نمت في بيت عمتي تلك الليلة. وتعبنا من انتظار ظهور كمال بوعلي إذ تأجل بث المقابلة ساعة تلو ساعة. ولا أدري كيف غلبني النعاس. وأنا أغط في نومي لا أدري كيف تسربت إلى أنفاسي رائحة أعرفها وفي لحظات ترجمها عقلي. كانت نفس رائحة الكافور، نهضت صارخاً أبعد عني ذلك الشيء. كان اللحاف الأبيض المبرقع بالدماء علي. أخذتني هستيريا من الصراخ والبكاء. ولا أحد فهم ما حصل لي. تصوروا أني عشت كابوساً. بقيت في الركن المظلم واقفا،، دموعي تنهمر على خدي ولا أحد ينتبه إليها حتى انهزم كمال بوعلي. كنت أراقب أمي حتى خرجنا. لم تحمل لحافاً واحداً من تلك الملاحف. نظرت إلى التلفزة الحمراء الدموية ورأيتها تتوعدني.  كان في الخارج ظلام ولا قمر في السماء. لا شيء غير نباح ديك.

رق قلب زوج عمتي قبار الجلاز وقدم لنا الامبتريك لكي نعود الى البيت على ضوئها. صاحت عمتي في أمي: "وترسليها صباحاً أحتاجها في الليل لتفقد الأغنام  ديك كبر وهرم".

ديك هو كلب عمتي الشرس. أشرش كلب في القرية. كان أحمر اللون يميل الى البرتقالي ولم يكن ضخماً لكنه كان قوياً وسريعاً وفيه شيء من وحشية الذئاب وسرعة كلاب الصيد .

ولأنه كان عدوانياً كانت عمتي تشده بسلسلة قوية إلى جذع شجرة التين بجانب الباب.

من الغد قدمت لي أمي الامبتريك وأشارت لي ببيت عمتي فانطلقت مهرولاً. أنظر في تلك الآلة وأحرك زرها اليتيم. أشعلها وأضعها تحت التي شورت لأرى ضوءها وأتعمد التوقف لاستمتع بتلك الآلة الزرقاء بحجم الكف، أحاول أن أقلد البلبولي وكمال بوعلي في الطريق فألكم ملاكمين مجهولين ثم انطلق من جديد كالسهم في اتجاه بيت العمة، أنزل الوديان وأصعد الهضاب حتى وصلت بجانب سور البيت وناديت بأعلى صوتي كما تعودت بالمد:

أأأأأأآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ عمت....

وقبل أن أنهي اسمها وأصل إلى ياء المد كان في الأفق ديك يتمدد في الهواء طائراً في اتجاهي يسبقه نباحه الوحشي. وفي لحظات كان ديك يهم بساقي ويمزق بنطالي. هويت على رأسه بالأمبتريك وفي تلك اللحظة خرجت عمتي وقد سمعت صراخي. ركض الكلب بعدما نهرته ووجدتني وجهاً لوجه مع عمتي الغاضبة وهي تتابع بعينيها الناريتين حطام الأمبتريك. أشبعتني "دعاء" ونهرتني كما نهرت ديك فعدت مشحوناً مقهوراً حتى أنها لم تسأل هل الكلب عقرني.

عدت إلى البيت وحدثتهم عن أمر ديك الذي فك وثاقه ومزق بنطالي.

الحكاية لم تنته هناك، فبعد أيام أطلت عمتي علينا فقلت ها هي ستحرض أبي ليضربني خاصة أن أمي عادت لها نوبات الكلى وغادرت إلى المستشفى وأمر الطبيب ببقائها هناك لأسبوعين.

كانت عمتي تغمغم بكلام لأختي التي تبدلت ملامح وجهها وهي تلتفت إلي وإلى عمتي مواصلة حديثها الخافت كأنما تسر لها بسر.

تغيرت معاملة من بالبيت معي فجأة بعد مغادرة عمتي. وظلوا لأسابيع يتعاملون معي بجفاء ويتجنبون الاقتراب مني. ولم أفهم ما حصل حتى كبرت وسألت أمي التي رجعت بعد أيام ولم تكمل ورأيتهم يسرون لها بالكلام ولكن أمي أوقفت تلك الفوبيا التي زرعتها عمتي في البيت وقربتني منها وكانت تتفقد ساقي التي عضها الكلب.

قالت لي أمي بعدها بسنوات عندما أصبحت كاتباً: لقد اكتشفت عمتك أن الديك أصيب بداء الكلب ومات إثر حادثة الامبتريك بيومين وجاءت تحذر العائلة من مغبة أن تكون قد أصبت بداء الكلب وطلبت منهم أن يبتعدوا عنك ويراقبوك أربعين يوماً.

كانت أمي تروي لي الحكاية وأنا أكتب روايتي "الغوريلا" وأنحت شخصية علي كلاب الضابط العنيف، رجل التعذيب. عندما أتمت حكايتها وتقدمت منها مبحلقاً كالمجنون أريد إخافتها: وهل تأكدتم فعلاً أنني لم أكلب؟ فركضت خائفة.

Website by WhiteBeard