كلب يبول على خطى كلب آخر... الذكور في معاقلهم

الأربعاء 3 فبراير 202111:17 ص

في يناير/ كانون الثاني، نحتفل بالبداية الجديدة، بداية السنة، ويدين شهر يناير باسمه للإله الروماني يانوس، إله البدايات والنهايات، ويمثّل بتمثال ذي وجهين متعاكسين، أحدهما ينظر إلى الماضي والآخر إلى المستقبل، إلى البداية والنهاية، لهذا يملك الإله هذا وجهين، رؤية مزدوجة، معرفة بالقبل والبعد، وهو حالس في المنتصف.

ولو كان أكثر ذكاء لامتلك أربعة وجوه، اثنين خارجيين واثنين داخليين، لكنه ذكر، وبالتالي يفتقد الرؤية الداخلية العميقة، يفتقد النظرة إلى داخله، إلى عمقه الأنثوي، فاكتفى بوجهين، بينما كان يمكن أن يحصل على وجوه عدّة، بعدد الاتجاهات الجغرافية المعروفة، إضافة إلى النظرة المعاكسة نحو الداخل، نحو النفس.

تشغل البدايات والنهايات بال الرجال، يريدون أن يصنعوا أسبقيتهم، ليس على النساء فحسب بل أيضاً على الرجال الآخرين، أن يشقوا طرقاً في غابات "عذراء"، أن يبنوا ناطحات سحاب أعلى، أن يمتلكوا رجولة لم يمتلكها أحد قبلهم، وفي كل ذلك ينكرون الاتهام المتنامي بالوحشية والغزو، لننظر لقائمة "الإنجازات" الرجالية في موسوعة غينيس: أسرع قذف لرجل بلغت سرعته 68.7 كم/ساعة ، أطول مدة استمناء بلغت 9.58 دقيقة، أعلى قذف 3.7 متر، أكبر عدد "هزات جماع" لرجل 16 مرة في الساعة، أثقل وزن رُفع بقضيب رجل 113 كيلوغرام 61 سنتمتر عن الأرض...

أزمة الذكورية في تطور دائم وحركة مستمرة، هي أزمة تنتج أزمات، للذكورة وللأنوثة على حد سواء. الذكورية الجديدة جزء من حركة الوعي التي تنتجها الثقافة الجديدة المعولمة، ومواقع التواصل، وحركة المجتمعات باتجاه التسوّق والإعلان

تحقيق الأرقام القياسية تلك تبتعد عن تفعيل الشهرة والتفوق فقط، هي تبحث عن إعادة تعريف البداية والنهاية، إعادة كتابتها بخط أو "بقضيب" صاحبها، وإعادة تعريف الرجولة على أساس الإنجاز الذي يتبع إنجازات الذكور الآخرين ويبول على خطاهم، كالكلب، ليمحي آثارهم ويضيف أثره الجديد.

أزمة الذكورية في تطور دائم وحركة مستمرة، هي أزمة تنتج أزمات، للذكورة وللأنوثة على حد سواء، والذكورية الجديدة جزء من حركة الوعي التي تنتجها الثقافة الجديدة، المعولمة، مواقع التواصل، حركة المجتمعات باتجاه التسوّق والإعلان، كانت موجودة في الأديان القديمة والأديان المتلاحقة التي تنسخ بعضها بعضاً وتضيف ما تظنّه "فكرة أصيلة" للفكرة القديمة، "تبول" على آثار الأنبياء/الكلاب الآخرين لتسيّد رائحتها، وكانت موجودة في بلاط الملوك والأباطرة والخلفاء، واستمرّت متصارعة ومتحدة بآن معاً، في النظم الحديثة للحكم والسيطرة.

ماذا نفعل إذن لنعيد اختراع أنفسنا؟

الرجال لا يشكلون كتلة متجانسة، ذات تعريف داخلي واضح الملامح والصفات والتوجهات، الذكورية نفسها تخضع لممارسات هيمنة من داخلها، لذلك يجب فهم الذكورية المتجبّرة أو المهيمنة على أنها ممارسة تتعلق بالنساء والرجال التابعين أو الخاضعين.

هي مشكلة لا تتعلق فقط بالرجولة المهيمنة، بل بالذكورة المهيمنة على البدايات والنهايات أيضاً، بداية الأشياء، تحولها، استقطابها، تعريفها ووضع حد نهائي لها، أي تعريفها تعريفاً قطعياً لا يلزم أن يضاف له كلمة واحدة أو حتى حرف جرّ، نسب البداية إلى شخص بعينه يتبعه نفي النهايات، إذ كل نهاية تعني انزياح "مبتدأ" ما وحلول بطل جديد مكانه، الرجل الرجل لا يعترف بالنهاية كنهاية أو استسلام، بل مصنوعة من نهايته بداية الآخر، أو بدايته ونهاية الآخر، رغم أن كل بداية هي نهاية أيضاً، لكنه يراها فردية ولا يرى الجانب العام، الجمعي لها، العالم الذكوري مؤلف من أفراد رجال وكل ما يقع خارجه معادٍ.

أزمة الذكورية كانت موجودة في الأديان القديمة والأديان المتلاحقة التي تنسخ بعضها بعضاً وتضيف ما تظنّه "فكرة أصيلة" للفكرة القديمة، "تبول" على آثار الأنبياء/الكلاب الآخرين لتسيّد رائحتها

تقع الرجولة في هذه الحالة تحت خطر وجود "عناصر مهزومة" ضمنها، هذه العناصر، نقاط الضعف، التي يتغلب فيها الجانب الأنثوي على الذكوري، كالمثليين وذوي الحساسية الفائقة ودعاة النسوية ربما ضمت أحياناً المهزومين في السجون، الموقعين على الاعترافات، الشعراء ومعتزلي الذكورة بصورتها الفاجرة.

هذه العناصر مهددة بالخسارة أمام الأنوثة لأنها ضعيفة في نظر الرجال، وبالتالي يجب عزلها، قمعها والتخلص منها كما تتخلّص الجدة من الزؤان في القمح، لكن لا يعني هذا أن ينشأ تحالف بين الذكورة المهزومة والأنوثة، بل غالباً ما يبقى حتى الذكر المهزوم والتابع للمهيمن يحتفظ بالعداء لحليفه الطبيعي المفترض، وهذا ما يحافظ على التراتبية الاجتماعية للجنسين، أو يمكن القول للأجناس الثلاثة، الرجال الرجال، الرجال الناقصين والإناث.

نعود إلى هوس البدايات، عند الرجال، من المهم أن يكون الرجل أولاً في حياة المرأة، أن تكون أسرته هي البذرة الأولى، فكرته هي الفكرة السائدة المبتكرة، هو يرتكب حماقات، جرائم، احتيالات ليكون حدّاد بداية الخلق ونجّاره، متناسياً أن الخلق لا يبدأ بواحد متفرّد، وإنما يلزمه تحالف اجتماعي، لكنه يضرب عرضاً بكل المنطق الذي يحتويه علم الطبيعة والأجناس ويقرر أنه بداية الصواب.

الرجال لا يشكلون كتلة متجانسة، ذات تعريف داخلي واضح الملامح والصفات والتوجهات، الذكورية نفسها تخضع لممارسات هيمنة من داخلها

يدمّر إنجازات الآخرين السابقة ويضع نتاجه الأخير، يدمّر حتى نتاجه الشخصي ليضع نسخته الأخيرة، متناسياً أن طبيعة الإنتاج، الفني، الاقتصادي، الجنسي، هي التغير، بمعنى أنه لا يمكن أن يحصل على بداية، وبمجرد تسجيله لرقم قياسي سيكون عرضة لسحقه من قبل نفسه ومن قبل الآخرين أيضاً.

لكن تلك اللحظة الثمينة، الثانية التي تضعه في بداية الأمر، تجعله راضياً ولو أنها قصيرة للغاية، بينما تنشغل النساء أكثر بكيفية كتابة النهاية، رسمها بالإبرة على قطعة قماش، أو على صورة على الجدار، بالثياب الرسمية، تريد أن تحتفظ هي بالتوقيع الأخير على النص، وأيضاً هذا وهم لكنه وهم أكثر قابلية للديمومة من وهم البدايات.

وبالعودة إلى يانوس الأحمق الذي ينظر إلى الاتجاهين ظنّاً منه أنه ينظر إلى البداية والنهاية، الماضي والمستقبل، لا يخطر له أن لا ماضي ولا مستقبل هناك، الشرط من البداية يصرّح بطريقة مستترة بمستقبل النهاية، إن البداية هي النهاية والعكس، وما يهمّ هو النظر إلى الداخل، إلى العمق، لرؤية الرحلة بأكملها، إذ يقع فيها جوهر التجربة ككل، أما البداية التي تتضمن نهاية ما، والنهاية التي تتضمن بالضرورة أيضاً بداية ما، فما هي إلا الرائحة التي لن تستمر طويلاً، قبل أن يأتي كلب آخر ويتبوّل فوقها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard