شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
يوماً لم يمنعني إنجاب الأطفال عن الاستمرار بحبّ المونديال، لكن الواقع تغيّر

يوماً لم يمنعني إنجاب الأطفال عن الاستمرار بحبّ المونديال، لكن الواقع تغيّر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الجمعة 9 ديسمبر 202211:39 ص

"معقولة بنت وبتضلّك تحضري مباريات"، "احضري مسلسلات مكسيكية مو أريحلك من وجع هالراس". عبارات كثيرة كنت أسمعها من صديقاتي، وأنا أجلس مع أخي ليل نهار نشاهد المباريات. حماسه وحبّه للمباريات جعلني أحبّها أيضاً، لتصبح فيما بعد هوايتي المفضّلة. كان لأخي الفضل الكبير في تعليمي قواعد تلك اللعبة، من التسلّل إلى الضربة الركنية وصولاً إلى الضربة الحرّة المباشرة. كنّا نشاهد دوري أبطال أوروبا، كأس العالم، وحتّى الدوري السوري كان له نصيب كبير من اهتمامنا.

"معقولة بنت وبتضلّك تحضري مباريات"... عبارات كثيرة كنت أسمعها من صديقاتي، وأنا أجلس مع أخي ليل نهار نشاهد المباريات.

كان أخي يشجّع المنتخب الألماني، وباعتباره صديقي الأقرب لقلبي ومثلي الأعلى، صرت لا شعورياً منحازة لهذا الفريق المتميّز. حفظت أسماء لاعبيه، حتّى الاحتياط منهم، وأصبح شغفي وحبّي للمنتخب يضاهي حب أخي، بل أكثر منه. أعجبت بالكثير من اللاعبين، خاصةً الوسيمين منهم. صنّفتهم في قوائم، وتابعتهم حتى عند لعبهم مع فرقٍ أعاديها، أمثال مايكل أوين، ديفيد بيكهام ومايكل بالاك.

أيام الزمن الجميل كنت أجدها في أوقات المونديال، وكان ذلك قبل بداية الأزمة السوريّة، حيث كنّا نجتمع مع الأقارب والأصدقاء، لنقضي أجمل الأوقات آنذاك. نلصق صور اللاعبين على الجدران، نضع الأعلام على الشرفات لإثارة غيظ الجيران وغيرهم ممن يعارضوننا الرأي في التشجيع. بخلافي وأخي، كانت أمّي وأختي تشجعان فريق البرازيل، بينما كان أبي محايداً، يشجّع "اللعب الحلو".

كانت أجمل الأشياء في المونديال آنذاك هو التحضير والتخطيط له، الأمر الذي كان يستغرق أشهراً في بعض الأحيان. كنّا لا نحمل همّاً سوى فوز فريقنا المحبّب حينها. لذلك نبتاع دفاتر تتضمّن صور اللاعبين، وألبسةً تحمل صور المفضّلين منهم. كنت أشجّع كلوزه الذي لا يضيّع كرةً قد تمرّ قربه، فانحناءة صغيرة من هذا الرأس السحريّ، كافية لتصبح هدفاً رائعاً.

أذكر جيّداً غطرستي حينها، وعدم تقبّلي لأيّ انتقادٍ تجاه فريقي الألماني، كما لو كنت أدافع عن قضيةٍ تهمّني أو بلدٍ أنتسب له. وتصل بي الأمور أن أتخاصم في بعض الأحيان مع أصدقائي المقرّبين إن حاولوا الاستهزاء به

استطاع صاحب الرأس الذي لا يخيب - حسب رأيي ورأي كثيرين- أن يحطّم الرقم القياسي لرونالدو، بعد أن سجّل 16 هدفاً في نهائيات كأس العالم في مونديال البرازيل. كما كنت من المعجبين بالحارس أوليفر كان، الملقب "بالقط الشرس"، الذي حمى الشباك الألمانية بكلّ ذكاءٍ وفطنةٍ في كلّ مرة، كما استطاع أن يحصل على لقب أفضل حارس مرمى لثلاث مرّات.

أذكر جيداً كيف أبهر أوليفر كان الجميع في مباريات كأس العالم المقامة في اليابان وكوريا الجنوبية عام 2002، عندما دافع عن مرماه دفاعاً شرساً، موصلاً فريقه إلى المباراة النهائية، فارضاً احترامه على الجميع بأدائه الرائع ودفاعه المستميت. وصفَته الصحف اليابانية آنذاك "بالحارس الذي لا يبتسم أبداً"، وبالفعل فقد كان لتعابير وجهه القاسية وصراخه في الملعب، دور كبير في بثِّ الرعب والخوف في الفريق الخصم، على حدّ قوله.

ننظر لإضاءة ملعب من ملاعب دولة قطر الشقيقة، والتي قد تكفي لإضاءة مدينةٍ عندنا، فنصاب بالإحباط. نشاهد الأموال الطائلة المبذولة في هذا الحدث "العظيم"، بينما يعاني أغلبية الناس عندنا، من صعوبة في تأمين متطلبات الحياة الأساسية

في أيام الزمن الجميل تلك، كانت السجالات والاختلافات والتوقعات تبدأ قبل البدء بالمباراة، وتستمر حتى بعد انتهائها، وأحياناً لعدّة أيام. أذكر جيّداً غطرستي حينها، والتي أندم عليها اليوم، وعدم تقبّلي لأيّ انتقادٍ تجاه فريقي الألماني، كما لو كنت أدافع عن قضيةٍ تهمّني أو بلدٍ أنتسب له. معي لم يكن هناك طريقة للتفاوض أو المساومة حتى. أشعر بالضيق إن لم أُعجَب بأدائهم، أبكي لخسارتهم، وتصل بي الأمور أن أتخاصم في بعض الأحيان مع أصدقائي المقرّبين إن حاولوا الاستهزاء بفريقي المفضّل أو التحدث بالسوء عن لاعب أعشقه.

تابعت اهتمامي وولائي لفريقي المفضّل حتى بعد الزواج، وبالرغم من اختلافي بالرأي مع زوجي المولع دائماً بالمباريات، بما فيها المباريات الأقلّ من عادية حتى، والتي كانت تحظى أيضاً بالنصيب الكبير من اهتمامه. واستمرّت المشاحنات والاختلافات بالرأي بيننا، كونه من مشجعيّ الأرجنتين -العدوّ الرسميّ للجيرمان- حتى المونديال السابق.

كما لم يمنعني إنجاب الأطفال عن الاستمرار بحبّ المباريات والشغف لحضور أيّ مباراةٍ تخصّ الجرمان. لكن اليوم، وبعد كل المصائب التي نعيشها كسوريين، من حروب سياسية واقتصادية أثقلت كاهل المواطن السوري، لم نعد نملك الشغف لمتابعة كأس العالم، أو الحماس لحضور أيّة مباراةٍ كانت. منذ المونديال الماضي المقام في روسيا عام 2018، انخفض جدّاً حماسي لمتابعة مباريات كأس العالم، أما الآن فقد أصبحت طاقتي شبه معدومة لحضور أي مباراةٍ كانت. حالي يشبه حال الكثيرين من أبناء بلدي، الذين يجدون في تشجيع لاعبين مشبعين بالمال والشهرة تفاهة، في حين يبحثون عن أدنى مقومات ومتطلبات الحياة اليومية.

لا أنكر أنيّ أحاول أن أستعيد شغفي وحماسي للمباريات، كي أنسى معاناتي الحقيقية ومعاناة الكثيرين.

ننظر لإضاءة ملعب من ملاعب دولة قطر الشقيقة، والتي قد تكفي لإضاءة مدينةٍ عندنا -على سبيل المبالغة- فنصاب بالإحباط، كوننا نعيش الظلام الذي فرضه علينا التقنين الكهربائي الجائر. نشاهد الأموال الطائلة المبذولة في هذا الحدث "العظيم"، بينما يعاني أغلبية الناس عندنا، من صعوبة في تأمين متطلبات الحياة الأساسية بحدّها الأدنى، فنصاب بالغبن والحقد دون قصد.

لا أنكر أنيّ أحاول أن أستعيد شغفي وحماسي للمباريات، كي أنسى معاناتي الحقيقية ومعاناة الكثيرين.

لذلك قرّرت أن أقاوم استهتاري بالمونديال، وأن أكسر حاجز الفتور تجاهه. فذهبت مع زوجي والأولاد لمشاهدة مباراة "البرازيل-سويسرا"، المقامة في صالة النادي الرياضي والتي قام متبرع مغترب كريم بتأمين مستلزمات المونديال فيها، من كهرباء وإنترنت ووقود وغيرها، في ظلّ غياب تلك الظواهر بين الناس أو انعدامها تقريباً.

في الشوط الأول لم أبال أو أكترث حتّى. لكن ما إن ابتدأ الشوط الثاني حتى عاد الحماس متسللاً إلى عروقي، خاصةً أنّي وزوجي كنا المشجّعَين الوحيدَين لمنتخب سويسرا. دفاع المنتخب السويسري المستميت، جعلني احترمه وأستعيد حماسي وشغفي بالتشجيع، وصرت أعطي ملاحظاتي في التحليل والتنبؤ بالأهداف، كما كنت في السابق. وعلى الرغم من خسارتهم أمام البرازيل، لكنّي شعرت بالفرح لأنّي قد استعدت حماسي وحبّي للمباريات ولهوايتي المفضّلة.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard