شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
هل تجبر التغيّرات المناخية سكان المدن الشاطئية المصرية على النزوح؟

هل تجبر التغيّرات المناخية سكان المدن الشاطئية المصرية على النزوح؟

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الثلاثاء 29 نوفمبر 202201:19 م

تؤثر التغيرات المناخية سلباً على المدن الساحلية، خاصةً تلك المنخفضة، إذ تتآكل شواطئها بفعل أعمال النحر الناتجة عن تسارع الأمواج وارتفاع منسوب سطح البحر، وقد تضررت بالفعل شواطئ بلدان عدة بعضها تعرّض للغرق، فضلاً عن تأثر المباني المتاخمة للشواطئ والأراضي الزراعية القريبة منها أيضاً.

ويُرجع الخبراء سبب ارتفاع منسوب سطح البحر إلى ذوبان جليد القطبين، ووفقاً لدراسة نشرتها دورية Nature Communications العام الفائت، فإن ذوبان الجليد خلال العصور الماضية كان سبباً في ارتفاع مستوى سطح البحر بمعدل بلغ نحو 3.6 أمتار لكل قرن، لتطال تأثيراته مختلف بلدان العالم ومنها الدلتا المصرية التي تُعدّ أكثر المناطق تضرراً، وليستحوذ ملف النحر على اهتمام مسؤولين مصريين وغربيين.

تؤثر التغيرات المناخية سلباً على المدن الساحلية، خاصةً تلك المنخفضة، إذ تتآكل شواطئها بفعل أعمال النحر.

أصل الحكاية

يقول الدكتور محمد علي فهيم، مستشار وزير الزراعة المصرية للتغيرات المناخية، لرصيف22، إن تفاقم انبعاث الغازات الدفيئة الناجمة عن الأنشطة الصناعية للدول الكبرى، أدى إلى تشبّع طبقة الغلاف الجوي بها، وإلى رفع متوسط درجة حرارة الكرة الأرضية بنحو 1.1 درجة منذ بداية الثورة الصناعية. ويضيف: "هذا الارتفاع كان سبباً في ذوبان الجليد خاصةً في القطب الشمالي، وبمرور السنوات ازدادت معدلات الذوبان مما أدى إلى ارتفاع منسوب مستوى سطح البحر بنحو 5 سنتيمترات حتى عام 2010، مما كان له تأثير خطير على المحافظات المطلة على الشاطئ، فكلما ارتفع منسوب المياه في البحار والمحيطات ازدادت معدلات النحر".

والنحر البحري، وفقاً للمهندس محمد غانم، المتحدث باسم وزارة الري المصرية، ظاهرة طبيعية تحدث، ولكن تزداد حدتها مع التغيرات المناخية التي تؤدي إلى تآكل الشاطئ.

لكن هل وصل تأثير ذوبان الجليد إلى مصر؟

تُعدّ السواحل الواقعة ضمن نطاق محافظات الدلتا، من المناطق الأكثر تضرراً من النحر البحري، وفقاً لحديث المهندس العربي القشاوي، وهو رئيس الإدارة المركزية للتنفيذ في هيئة حماية الشواطئ. يقول لرصيف22: "خلال الأعوام الماضية شهدت السواحل المصرية ارتفاعاً للأمواج بلغ 1.8 أمتار خلال النوات البحرية التي حدثت في فصل الشتاء، ودخلت المياه إلى العديد من المناطق، وتراجع خط الشاطئ شرق مدينة رشيد 4.5 كيلومترات خلال القرن العشرين".

"برخص التراب"

وإلى جانب تأثّر الشواطئ في مصر بتبعات التغير المناخي، فإن أعمال الردم والبناء في المناطق الساحلية قد ساهمت أيضاً في تآكل الشواطئ الرملية أو نقص مساحتها، وفق رأي الخبير بالبيئة البحرية الدكتور المتولي شبانة، مضيفاً أن إنشاء الحواجز البحرية بأشكالها المختلفة يؤثر على حركة التيارات البحرية وما يتبعه من تغيرات في خط الساحل، وتالياً تأثّر المباني والمنشآت الساحلية المتاخمة لها مما يجعلها عرضةً للانهيار أو لارتفاع مستوى الرطوبة وانتشار الأملاح على جدران تلك المباني.

ويضيف فهيم ضمن السياق نفسه: "لم يقف التأثير عند هذا الحد، فقد تعرضت مساحات من الأراضي الزراعية المجاورة للسواحل في نطاق الدلتا لتملّح الأراضي الزراعية، مما أدى إلى نقص إنتاجيتها أو عدم صلاحيتها لزراعة محاصيل عالية القيمة".

تُعدّ السواحل الواقعة ضمن نطاق محافظات الدلتا، من المناطق الأكثر تضرراً من النحر البحري، وخلال الأعوام الماضية شهدت السواحل المصرية ارتفاعاً للأمواج بلغ 1.8 أمتار خلال النوات البحرية التي حدثت في فصل الشتاء، ودخلت المياه إلى العديد من المناطق

وفي شباط/ فبراير الماضي، تعرّض شاطئ سيدى بشر في الإسكندرية، لنحر شديد، والأمر ذاته تكرر عند شاطئ رأس البر في محافظة دمياط شمال مصر، إذ وصلت المياه إلى منطقة الكازينوهات التي غرقت مرات عدة.

بالتوازي مع هذه الظواهر، رصد رصيف22، إعلانات لسماسرة وملّاك أعلنوا عن بيع وحداتهم السكنية الواقعة في المنطقة المتاخمة للشواطئ في محافظة الإسكندرية، بأسعار زهيدة جداً، لا تتناسب مع أسعار العقارات في هذه المناطق والمعروف عنها أسعارها الباهظة نتيجة موقعها الفريد.

وتتراوح الأسعار الفعلية للوحدات السكنية في مدينتَي رأس البر ودمياط الجديدة، ما بين مليون و800 ألف لثلاثة ملايين جنيه (73 إلى 122 ألف دولار)، والأمر ذاته ينطبق على الوحدات الواقعة عند شاطئ الإسكندرية، لكن الأسعار المعلن عنها عبر الصفحات والمجموعات المخصصة للعقارات في محافظة الإسكندرية، تراوحت ما بين 100 ألف و280 ألف جنيه.

تواصل رصيف22 مع محمد ياسين، وهو اسم مستعار لأحد السماسرة العاملين في محافظة الإسكندرية، للاستفسار عن سعر وحدة كانت معروضةً بـ280 ألف جنيه، بداعي شرائها، وعن سبب انخفاض السعر قال: "هناك معلومات لدينا بأن العقارات الواقعة ضمن نطاق 200 متر من الشاطئ ستتم إزالتها"، ناصحاً إيانا بالابتعاد عن شراء أي عقار قريب من الشاطئ.

وضمن السياق نفسه، يقول المهندس خلف صادق، وكيل وزارة الإسكان في محافظة مرسي مطروح سابقاً، إن النحر يؤثر على المباني المتاخمة للشواطئ، محدثاً رطوبةً وملوحةً تؤثران على وجهات المباني، عادّاً أن عرض وحدات سكنية متاخمة للشواطئ بأسعار زهيدة للغاية له أسباب عدة تتمثل في صدور قرار إزالة لها، أو لكون المبنى غير مطابق للمواصفات أو قديماً، أو صدور قرار عام بإزالة المباني القريبة من الشاطئ لتوسيعه كي لا تمتد المياه نحو المناطق السكنية.

بات البعض يخشى شراء وحدات على الشواطئ خشية زحف المياه وتآكل الشاطئ المقابل للمبنى.

ويضيف الدكتور وحيد سعودي، المتحدث الرسمي الأسبق باسم هيئة الأرصاد في مصر، في حديث إلى رصيف22: "تعاني المباني المطلة على الشواطئ عالمياً من ارتفاع نسبة الرطوبة، وهو ما يؤدي إلى هدم واجهات العمارات باستمرار وإصداء الحديد الموجود في الخرسانات، ومؤخراً بات البعض يخشى شراء وحدات على الشواطئ خشية زحف المياه وتآكل الشاطئ المقابل للمبنى".

تنبؤات"مخيفة"

كشفت دراسة أعدّها باحثو المركز الوطني لعلوم المحيطات في بريطانيا، عن أنه في حال عدم الحد من الاحترار العالمي بمقدار 1.5 درجات مئوية بحلول عام 2100، فإنه يتوقع أن يرتفع متوسط مستوى سطح البحر بمقدار 52 سنتيمتراً، ما سيرفع تكلفة التكيف مع الأمر إلى 14 تريليون دولار سنويّاً.

ووفقاً لدراسة أعدّتها مجلةnature climate change، سيؤدي ذوبان الجليد في جزيرة غرينلاند إلى ارتفاع مستويات البحار عالمياً بمقدار 10 بوصات على الأقل، وتوقّع العلماء ذوبان 3.3% من الغطاء الجليدي في الجزيرة، أي ما يعادل 110 تريليونات طن من الجليد.

وعلى المستوى المحلي، أشار المهندس القشاوي، خلال الجلسة العامة في مؤتمر أسبوع القاهرة للمياه العام الفائت، إلى تقديرات حول ارتفاع سطح البحر نصف متر خلال العقود المقبلة، مما سيتسبب في غرق مساحات واسعة من الأراضي المنخفضة في دلتا نهر النيل، وتهديد الاستثمارات القائمة فيها.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن مصر هي خامس دولة على الصعيد العالمي ستتأثر بتبعات ارتفاع مستوى سطح البحر، خاصةً في المدن الشاطئية.

ركزت مصر على تنفيذ أعمال حماية لشواطئها المتضررة، وهذه الإجراءات هدفت إلى حماية ما لا يقل عن 6 ملايين مواطن مقيمين في محافظات الدلتا، يمكن أن يتعرضوا لخطر ترحيلهم من السواحل، لأن حياتهم ستكون مهددةً ومصادر رزقهم ستصبح مفقودةً

حلول

تسعى مصر إلى التخفيف من حدة أعمال النحر، وفي هذا السياق يقول القشاوي: "ركزت مصر على تنفيذ أعمال حماية لشواطئها المتضررة، بدايةً من شرق الدلتا في محافظة بورسعيد، وحتى غربها في الإسكندرية، إلى جانب تنفيذ أعمال حماية في مناطق شرق العريش وشاطئ الأبيض في مرسى مطروح وبحيرة البردويل المهددة باختفائها من الخريطة بسبب أعمال النحر"، وينبّه إلى أن هذه الإجراءات هدفت إلى حماية ما لا يقل عن 6 ملايين مواطن مقيمين في محافظات الدلتا، يمكن أن يتعرضوا لخطر ترحيلهم من السواحل، لأن حياتهم ستكون مهددةً ومصادر رزقهم ستصبح مفقودةً.

ويشير القشاوي إلى عمل الدولة بنظام الإنذار المبكر عن طريق المحطات البحرية المخصصة لرصد كل ما يؤثر على الساحل بشكل سلبي استعداداً لمواجهة أي طارئ.

ويقترح شبانة بناء حواجز ومصدات لحماية الشواطئ من تأثير الأمواج البحرية العاتية، ووضع كواسر للأمواج تحت سطح المياه في الأماكن المهددة، إلى جانب تطبيق القانون واتّباع الإرشادات البيئية عند الشروع في العمل في المناطق الساحلية، مما قد يخفف من التأثيرات السلبية على الشواطئ.

إلى جانب ذلك، تعوّل مصر على الدعم الدولي لتجنّب الكوارث المتعلقة بارتفاع منسوب مياه البحار، ومنها صندوق المناخ الأخضر الذي يهدف إلى دعم الدول النامية ببرامج وسياسات تهدف إلى التخفيف من الآثار السلبية لتغيّر المناخ. وسابقاً، أشار يانك جليماريك، المدير التنفيذي للصندوق، إلى دعم الدولة المصرية من خلال مشروع تعزيز التكيف مع تغير المناخ في الساحل الشمالي ومناطق دلتا النيل في مصر.

وعلى هامش مؤتمر المناخ، أعلن وزير الموارد المائية والري هاني سويلم، عن "تنفيذ مشروع لحماية 190 كليومتراً من السواحل الشمالية المصرية"، كما أعلنت الحكومة الأمريكية خلال مشاركتها في المؤتمر عن تخصيص 15 مليون دولار لإطلاق مبادرة تستهدف الحفاظ على البيئة الساحلية في البحر الأحمر.

أفراداً، يمكننا تحسين الكثير مما يدور حولنا اليوم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

البيئة هي كل ما حولنا، وهي، للأسف، تتغير اليوم باستمرار، وفي كثير من الأحيان نحو الأسوأ، وهنا يأتي دورنا كصحافيين: لرفع الوعي بما يحدث في العالم من تغييرات بيئية ومناخية وبآثار تلك التغييرات علينا، وتبسيط المفاهيم البيئية كي يكون الجميع قادرين على فهمها ومعرفة ما يدور حولهم، وأيضاً للتأكيد على الدور الذي يمكن للجميع القيام به لتحسين الكثير من الأمور في حياتنا اليومية.

Website by WhiteBeard