شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
ساعي بريد خليل حاوي يأتي برسائل لم نعرفها

ساعي بريد خليل حاوي يأتي برسائل لم نعرفها

ثقافة

الجمعة 2 ديسمبر 202203:46 م

تندرج هذه المادة ضمن ملف الرسائل (أمّا بعد)، في قسم ثقافة، رصيف22.


يُحكى أنّ فاتك الأسدي نوى أن يقتل المتنبي بعد قصيدته التي هجا فيها ابن أخت فاتك، والتي قال فيها: ما أَنصَفَ القَومُ ضَبَّه/وَأُمّهُ الطُرطُبَّه. وحدث أنّ المتنبي كان عائداً من شيراز في قافلة له، فخرج عليه فاتك مع جماعة له، ودارت رحى معركة بين المجموعتين، وعندما أحسّ المتنبي بالغلبة لفاتك، أراد الهرب، فاستوقفه غلام له، وذكّره بأنّ الناس ستصفه بالجبن لو هرب، وخاصة أنّه القائل: الخيل والليل والبيداء تعرفني/والسيف والرّمح والقرطاس والقلم.

وهنا أدرك المتنبي مدى ارتباط الكلمة بقائلها، فعاد إلى المعركة وقاتل حتى قُتل. لم يكن تصرّف المتنبي عبثيّاً، فدوماً ما كانت تعتبر الكلمة امتداداً لصاحبها. أمّا نظرية رولان بارت عن موت المؤلف، وأنّ النصّ مستقلٌّ يحيا حيواته الخاصة بعيداً عن منشِئه، تظل تنظيراً وإنْ كانت تريد تحرير المبدِع من تبعات نصّه، حاصرة اهتمامها بالنصّ وحده.

لا ريب أنّ النقد النفسي للعمل الأدبي والفنّي سيجد له مكاناً في أيّ نظرية أدبية وفنية، فالبحث عن جوهر الإبداع، وكيف يتشكّل عند الشاعر أو الروائي أو الفنّان سيظل ملتحماً بذاتية المبدِع. وكثيراً ما اعتبرت سيرة حياة المبدِع والظروف التي عاشها، الظاهرة أو الباطنة، من مسببات الإبداع الحاسمة لديه، فكان البحث في ثنيات هذه الحياة الخاصة للمبدِع، من شواغل النقّاد الدائمة والقرّاء أيضاً.

فعل التلصّص الذي يقوم به المبدِعون تجاه الوجود، يقابله، في الوقت نفسه، تلصّصٌ من النقّاد والقرّاء نحوه. وتعتبر السيّر التي يكتبها الأدباء منهلاً مهماً لكشف هذه الحياة، وخاصة إذا كانت تتضمّن اعترافات حقيقية، كما فعل جان جاك روسو، حيث لا يجمّل المبدِع ذاته أمام قارئه، ولهذا أهمية كبيرة في فهم آليات الإبداع. تلعب الرسائل والأحاديث التي يتبادلها المبدعون مع عوائلهم أو أصدقائهم أو المعجبين بهم أو حبيباتهم دوراً حاسماً في الكشف عن الحياة السرّية لهم، فلقد شغلوا الناس بإبداعاتهم، فليس عجيباً أن يشغلوهم أيضاً بحيواتهم السرّية.

ولادة ثانية!

عرف الغرب مبكراً أهمية هذه الرسائل، حتى أنّها شكلت جانباً مهماً في ساحة الأدب، ومن ثم اتبعناهم في هذا الاهتمام، فمن رسائل مي زيادة وجبران، إلى رسائل غادة السمان وغسان كنفاني وغيرهم الكثير، تطالعنا رسائل الشاعر خليل حاوي إلى القاصّة ديزي الأمير، والتي صدرت في كتاب عن دار النضال عام 1987.

تتجلّى قيمة هذه الرسائل في كونها تكشف بشكل عميق الحياةَ العاطفية للشاعر الذي انتحر في حزيران/يونيو من عام 1982، احتجاجاً على الاحتلال الإسرائيلي للبنان، فقد وجد على شرفته صبيحة السادس من حزيران/يونيو وبقربه بارودة صيد، ليضع حدّاً في النهاية لحياته التي أصبح يبغضها. يقول في إحدى رسائله إلى ديزي الأمير متأسفاً لها عن الضعف الذي استوطن فيه: "لا تحسبي أنّ الرجال كلّهم مثلي. كلا، هناك متّزِنون معتدّون أقوياء، وقد كنتُ في ما مضى واحداً منهم. وإنّي أحاول جهدي الآن لأعود إلى ما كنتُه في الأمس، وسوف أعود. سوف أغدو موضع تقديرك، بعد أن كنتُ موضع عطفكِ وإشفاقكِ، ويا بؤسه حب ينمو على هاتين الآفتين".

من رسائل مي زيادة وجبران، إلى رسائل غادة السمان وغسان كنفاني وغيرهم الكثير، تطالعنا رسائل الشاعر خليل حاوي إلى القاصّة ديزي الأمير. تتجلّى قيمة هذه الرسائل في كونها تكشف بشكل عميق الحياة العاطفية للشاعر الذي انتحر في حزيران/يونيو من عام 1982 

يعود تاريخ هذه الرسائل إلى ما بين عامي 1955 و1962، وقد كتبت بين لبنان وبريطانيا، حيث كان خليل يعدّ دكتوراه في الأدب العربي في جامعة كامبردج، وقد رافقته ديزي في بعض أيامه في بريطانيا، لكنّها عادت بعد أن انتهت خطوبتهما.

تكشف هذه الرسائل عن الصراع الوجودي الذي يحياه الشاعر، فمن ناحية اعتبر ديزي "اليقين الوحيد الذي تثبت عليه حياتي"،  لكنّه يقول في رسالة ثانية: "ما عدتُ أصلح للحياة المسؤولة، حياة الزوج والبيت والعائلة". وبين هذا وذاك يقول في رسالة أخرى: "فكرتُ أنْ ألحق بكِ... فكرت وفكرت، ولكنّي بقيتُ في مكاني، لم أتحرّك، كنتُ على يقين أنّ أيّة حركة، مهما كان شأنها، ستخرجني عن حدود المعقول، لم يكن بإمكاني أنْ أميز المعقول من غير المعقول، فاعتصمت في مكاني، واستسلمت إلى الوجوم، وجوم أقسى من الحجر".

ثم يتابع في الرسالة ذاتها: "كانت بي شهوة إلى البكاء، كنت أودّ أن أنظم أكثر القصائد حزناً. أتراني كنت أشعر أنّي فقدتك إلى الأبد، أم إنّك لم تكوني لي، ولم أمتلكك حتى في أعمق الساعات صدقاً وألفة؟".

كان حاوي يرى في ديزي الأمير "ولادة ثانية له"، فقد كرّر هذه الجملة عدّة مرّات في رسائله وهي تشتبك مع رغبته أن يعود قويّاً، ولكن لن يتم ذلك إلّا عبر ديزي. وما بين هذه التناقضات تبرز جملته: "أنا أدري أنّي لست أهلاً لكِ"، لكنّه يعود ليبرّر عودته إليها: "لا تسألي لماذا، لماذا زحفتُ إليكِ في ما بعد. ولماذا تمسكتُ بكِ بإظافري وأعصابي وقلبي. كنتُ أطلب النجاة وكنتُ أكافح من أجلها، كنت أودّ أن أحيا ثانية، أن أولد ثانية وكنتُ بلا معين، وحدي أقاسي ألمَ المخاض. ألم من تتمخّض ولا تلد".

وبعد كل هذه الاعترافات يرى الشاعر نفسه متكبراً، فيخاطب العشيقة متأسفاً عن حماقاته: "وندمتُ، ندمتُ كثيراً، كيف لم أترك نفسي على سجيتها وكيف لم أرسل إليكِ بكل ما كتبتُ، ويا ضياع ما كتبتُ ومزّقتُ، وكتبتُ ومزقتُ، لقد غلبتني الكبرياء الكاذبة، فأردتُ أنْ أتشبّه بكِ، أنْ أكون غير ما عرفتني في ساعات الضعف والهوان".

هذه المختارات من الرسائل التي يبلغ تعدادها 31 رسالة، تُظهر مدى تشظّي نفسية الشاعر وتقلّبها، حتّى أنّه في بعضها يحيل إلى ثرثرات النساء في بيروت، بأنّها قد كانت أحد أسباب فشل العلاقة مع القاصّة ديزي الأمير. وفي أخرى يذهب إلى أنّ التزامه الشعري، بأنّه كان السبب: "وأنا أعلم ما أريد وما يبرّر وجودي وتحمّلي لشقاء الوجود، الشعر وحده".

إلى الطليعة المقبلة

قبل أنْ نحكم على الشاعر خليل حاوي، لنطّلع على بعض ما جاء في رسائله إلى إحدى طالباته في الجامعة ما بين عامي 1956 و1959 ، وهي ذات الفترة التي ولدت فيها رسائله إلى عشيقته ديزي الأمير، حيث نجد شخصية أخرى للشاعر ترتدي قناع دكتور الجامعة صاحب النصيحة الكاشفة والعميقة. صدرت هذه الرسائل عن دار نلسن عام 2013 بعنوان: رسائل خليل حاوي إلى نازلي حماده. تقول عنه تلميذته نازلي: "خليل حاوي كما عرفته إنسان رائع بكلّ معنى الكلمة، مزاجي بامتياز، واثق بنفسه، ناقد لاذع، ينفعل للخطأ ويدافع عن الحقّ. إنّه قمّة الشعور وذروة الإحساس والعطاء".

تكشف رسائل حاوي اهتمامه بقضايا وطنه ومدى حرصه على مستقبل الشباب، حيث أهدى ديوانه الأول "نهر الرماد"، إليهم، عندما اجتمع بهم بمقهى "الصرفد" في "ضهور الشوير"، كاتباً على الصفحة الأولى من الديوان: "إلى الطليعة المقبلة"، وكأنّه بذلك يعني مقطعاً من قصيدته نشيد الجسر: "يعبرون الجسر في الصبح خفافاً/أضلعي امتدت لهم جسراً وطيدْ/من كهوف الشرق ومستنقع الشرق/إلى الشرق الجديد/أضلُعي امتدت لهم جسراً وطيدْ". عندما نقرأ رسائله إلى نازلي حمادة نلقى شخصية أخرى متّزنة قوية رؤيوية تنفذ إلى جوهر الأمور، فنجده يخاطب نازلي:

"كم كنت بحاجة إلى رسالة مثل رسالتكِ تدلّ على أنّ في لبنان نفوساً طيبةً كريمة تستطيع أن تعاني المأساة دون أن تثور فيها عاطفة الحقد". ثم يعلّق على طلب نازلي بأنْ لا يعود إلى لبنان، فيجيبها: "وكيف لي أنْ لا أعود وإنّي من الذين وقفوا النفس، ووطدوا النيّة على التضحية في سبيل الأجيال المقبلة".

يتابع حاوي إخبار تلميذته بأنّه أحرق أوراقه، ولم يترك في لبنان إلّا الأشياء التي لها قيمة طيبة، ويقارن بين التقدّم والنظام الذي ألفهما في بلاد الغربة والفوضى في لبنان، لكن مع ذلك يحنّ إلى الحياة في لبنان، ففيها الحياة الحقّة التي يفتقدها في غربته.

كانت تلميذته تكتب بعض الخواطر والأشعار، فتبثه هواجسها، وهنا يخبرها أنْ لا تقلق من انقطاع الوحي: "لا تخشي من انقطاع الوحي، ولا تيأسي من عودته، إذا جفاك أحياناً، فإنْ من لا يجفوه الوحي، ولا يعصاه القلم دجّال يكذب على نفسه، فيكتب في كل حين، بلا وحي، وبلا حرمة القلم".

وفي رسالة أخرى يخبر نازلي تعليقاً على المقال الذي كتبه نسيم نصر، أحد أساتذة الشاعر في مدرسة الشويفات في مجلة الأديب خالطاً التقدير بالتعريض، بعد أن قرأ في رسالتها رأيها في ديوان نهر الرماد: "خليل حاوي يصور مأساتنا، حقيقة مجتمعنا، يصور أفكارنا، أنفسنا، شعره نحن ونحن شعره". وبناء على ذلك يقول حاوي لنازلي: "ماعدت أبالي، هل فهم أستاذي أم لم يفهم، ولا عبرة في أن يعلن أنّه معي، ومع المجدّدين في صراعنا ضد الجمود والتقليد".

"لا تحسبي أنّ الرجال كلّهم مثلي، كلا، هناك متّزنون، معتدّون أقوياء، وقد كنتُ في ما مضى واحداً منهم، وإنّي أحاول جهدي الآن لأعود إلى ما كنتُه في الأمس، وسوف أعود. سوف أغدو موضع تقديرك، بعد أن كنتُ موضع عطفكِ وإشفاقكِ، ويا بؤسه حبّ ينمو على هاتين الآفتين"

هذه هي ثورية حاوي الذي جدّد بها الشعر العربي ورأى بتلامذته جزءاً من الطليعة التي ستعبر جسر الشرق القديم إلى الشرق الجديد. ويتابع كما قال جبران يوماً: "لكم لبنانكم ولي لبناني"، بالقول: "لبنان في الذكرى أحبّ وأطيب من لبنان في الواقع. لبنان الذكرى... يعيش فيه تلامذتي وأهلي ...أمّا لبنان في الواقع غالبية سكانه لصوص وبغايا، ملك كميل شمعون وسامي الصلح... غير أنّي انتهيت بعد مدّة إلى ذكر المليح في لبنان ونسيان القبيح".

تتعدّد الجوانب التي يناقشها حاوي في رسائله إلى تلميذته نازلي حيث يخلط السياسي بالاجتماعي بالديني بالحرّيات بالطقس، مقارناً بشكل شعوري ولا شعوري بين المجتمع اللبناني والبريطاني، وكيف سمح لهم بالتظاهر ضدّ حكومة إيدن البريطانية التي اشتركت بالعدوان الثلاثي على مصر. ويعلّق على الحرية التي نالتها النساء مبدياً أسفه لِما انتهت إليه هذه الحريات من تهتّك.

ويذكر لها في إحدى الرسائل تلخيصاً لمسرحية لبرنارد شو التي يرد فيها ما معناه، بأنّ الفنان لا يستطيع أن يعبد ربّين؛ فنّه وامرأته! فهل كان يغمز من قناة علاقته بديزي الأمير وما انتهت إليه؟ وإنّ معظم الفنانين اختاروا الربّ الأول ورضوا لحياتهم البرد والوحشة. ويتابع الحديث عن مسرحية أخرى تعرض حياة ممثلة وصراعها بين فنّها والحب. يظهر الشاعر خليل حاوي في رسائله لنازلي حماده متّزناً مدركاً للواقع ومآلاته، فما الذي حدث حتى انتهت حياته تلك النهاية المأساوية؟

ولد خليل لعائلة بسيطة في ضهور الشوير عام 1919 كما يقول صديقه جهاد فاضل في مجلة "القبس" الكويتية. كان أبوه يعمل في البناء، وهكذا انتقلت العائلة معه إلى بلدة بوارج.

كان خليل متعلقاً بأخته أوليفيا التي نالت منها الحمى وماتت، ولأجل أنْ لا يشاهد الطفل خليل موتَ أخته، أرسلته العائلة بعيداً إلى أحد أقربائهم. وعندما كان يسأل خليل عن أخته كانت العائلة تخبره بأنّها في مدرسة داخلية. في هذه الأجواء نما الفقد لدى خليل وأدّت وفاة الوالد لأن يصبح خليل المعيل الوحيد للعائلة.

هكذا تدرّج في أعمال كثيرة وعلّم نفسه بنفسه اللغات والتحق بالجامعة، لكنّه كما يذكر جهاد فاضل عن خليل، لم يستطع نسيان أخته، فقد كان سؤاله المتكرّر عن أخته دليلاً على حجم الفقد الذي يعانيه: "غريب أمر هذه الطفلة! ما زلت الى اليوم أترقّب عودتها وهي لا تأتي. أين انت يا أوليفيا؟".

"كانت بي شهوة إلى البكاء. كنت أودّ أن أنظم أكثر القصائد حزناً، أتراني كنت أشعر أنّي فقدتك إلى الأبد، أم إنّك لم تكوني لي، ولم أمتلكك حتى في أعمق الساعات صدقاً وألفة؟"

لم تكن علاقة خليل بالمرأة مستقرّة، فهي تكاد تكون استمراراً للفقد الذي عاشه مع وفاة أخته أوليفيا. وعندما تعرّف على ديزي الأمير ظنّ أنّه قد صالح الزمن بها، لكن ديزي كانت امرأة متطلّبة كما يذكر فاضل، فهي تقول: "إنّ خليل ليس عصرياً... فهو لا يعتني بهندامه، ولا يشتري ألبسة جديدة. وهو لا يريد أن يغيّر أثاث شقته عندما يتزوج. فقد قال لها بأنّ الاهتمام بالأثاث لا يجوز أن يسري عليه. فالأغنياء هم الذين يهتمون بأثاث البيوت، وهو ليس غنياً. لذلك عليها أن تقبل به زوجاً وتتكل على الله".

هذا التعليل الظاهري لا يتفق مع نفسية الشاعر الداخلية، فقد كان خليل قلقاً كئيباً، وما قوله إلّا رأس جبل الجليد الذي كان يخفيه في دواخله، فهل كانت ديزي تدرك ما يعانيه خليل؟ في المقلب الآخر تأتي الرسائل التي أرسلها لنازلي حمادة لتكشف حجم الصراع الوجودي الذي كان يعيشه حاوي، بين أن يكون شاعراً حرّاً لا يحدّه قيد، أو أن يتزوّج ويسكن للحياة العائلية.

بالتنبه لبعض الجمل التي وردت في رسائله إلى ديزي يكشف مقدار تخبّطه، فهو تارة يقول لها: "أريدكِ أن تستمري بالشوق والحب. أريدك أنْ تقومي بمعجزة: أنْ تحبّي رجلاً يتهدّم وأن تسعدي بحب ليس فيه غير الشقاء. إذا كنتِ مستعدّة على بيع الحياة من أجل سنة أو شهر من الحب الذي وصفته، فأنا مستعدٌ للتنازل عن كبرياء الرجال وأن أستجدي منكِ حبّاً، أنا على يقين أنّي لا أستحقه".

وفي رسالة أخرى يقول لها: "اكتبي عن الحب عن النشوة عن الذكرى، اكتبي ذلك وافعلي في لبنان ما شئت، أحبّي، تزوجي، اسكري، عربدي، ولكن أكذبي عليّ وأنا مستعد أن أصدق. إنّي أمرّ بأزمة هائلة. أزمة تجعلني أتعلّق بحبال الوهم، فهلّا أبقيت على هذه الحبال ولو إلى حين".

هذا التناقض كان مخيفاً لأنثى كديزي الأمير الهاربة مع عائلتها من العراق لتقع في براثن الحرب الأهلية اللبنانية. فليس غريباً أن لا يكون خليل مصدر طمأنينة لها. يذكر جهاد فاضل رأي ديزي بخليل الذي يكشف مقدار قلقها من رجل غير قادر على حفر خندق أمان لها في زمن صعب: "طباعه سيئة ومزاجه لا يحتمل، وهو يشرب الخمرة، وعشرته لا تطاق أحياناً لفرط سلبيته". هكذا انتهت علاقة خليل حاوي بديزي الأمير، وتزوجت بعده، وتطلّقت، وقد حاول خليل أن يجد أنثى أخرى، لكنّ الزمان كان قد فات حتى يرتجل علاقة حبّ جديدة.

"أنا أعلم ما أريد وما يبرّر وجودي وتحمّلي لشقاء الوجود، الشعر وحده"... خليل حاوي

كان خليل يلتقي بديزي في شوارع بيروت ويتوسّل إليها أن تعود إليه، لكنّها كانت ترفض، وغداة الاحتلال الإسرائيلي للبنان غادرت ديزي الأمير بيروت. فهل كانت مغادرتها أحد أسباب انتحاره؟ مادام انتحاره قد جاء عشية دخول جيش الاحتلال الإسرائيلي صيدا متوجهاً إلى بيروت.

يذكر أصدقاؤه بأنّه قد كان لخليل عدّة محاولات سابقة للانتحار، ولكنها لم تنجح، فهل كان يتنبأ عندما كتب في إحدى رسائله إلى ديزي عن مصيره ومصير بلاده، لذلك طلب منها: "أن تحبّ رجلاً يتهدّم". كتب خليل إلى ديزي مستبصراً ما سيؤول إليه لبنان، ولقد لمّح إلى ذات الأمر في رسائله إلى نازلي حمادة: "في نفسي أثر لأحلام طيبة، كانت تراودني قبل الأزمة وقبل أن أدرك الواقع المرّ في العالم العربي، أمّا في الواقع، كما يبدو لي، فهو أنّي قد أستيقظ في أي صباح لأقرأ في الصحف أن لبنان قد تبخّر، قد حذف من الخارطة وأن أهلي لاجئون، أو أنّهم قتلى منطرحون على التراب في الشوير أو في طريقهم للتشرد الأبدي".

تثور أسئلة كثيرة، بعد أن طالعنا رسائل خليل حاوي الكاشفة عن الصراع المرير الذي دار في خلده ما بين التزامه كشاعر بالكلمة حتى النهاية، أكانت كلمة حبّ، أو كلمة وطن، وبين ما يفرضه الواقع من أقدار. لقد خسر كلمة الحب مع ديزي، وعندما دخل الاحتلال الإسرائيلي إلى لبنان أيقن أنّه قد خسر كلمة الوطن، وقبلًا كان قد خانه الشعر في ديوانه الأخير، من جحيم الكوميديا عام 1979، فقد كانت الأصداء النقدية عنه سيئة، والآن، أصبح سيد الفقد الذي بدأ بأخته أوليفيا ولم ينته بديزي الأمير، بل تعداه إلى الشعر وإلى الوطن، فاستل رصاصة الرحمة، وأنهى حياته.

Website by WhiteBeard