شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"يعيشون في تونس ويأكلون من الجزائر"... سكّان فرنانة يواجهون ضيق العيش بالتهريب

"يعيشون في تونس ويأكلون من الجزائر"... سكّان فرنانة يواجهون ضيق العيش بالتهريب

حياة

الجمعة 25 نوفمبر 202204:59 م

"نعيش فوق التراب التونسي، لكن لا شيء يربطنا بهذه الدولة سوى بطاقة الهوية والوثائق الرّسمية التي تُفرض على المواطنين. لا نتمتع بالعمل ولا بأبسط مقومات الحياة الكريمة، باختصار نحن أموات على قيد الحياة"؛ هكذا يقول كريم الزغدودي (31 عاماً)، وهو عاطل عن العمل يتحدّر من منطقة فرنانة التابعة لمحافظة جندوبة شمال غرب تونس.

يجذب الزائر إلى هذه المنطقة، جمالها الطبيعي الساحر الذي يمتزج بين خضرة المكان ومعمارها الفريد، وأجواء سكانها المرحة، لكن هناك وجهاً قبيحاً آخر رسمته الحكومات المتعاقبة على البلاد منذ عام 1956، إذ تم تهميش تلك المناطق وتفقيرها ما دفع سكانها إلى الهجرة، فيما لجأ بعضهم إلى الجزائر للتعويض عن آلامهم.

تقع منطقة فرنانة في محافظة جندوبة شمال غرب البلاد، على بعد 170 كيلومتراً من العاصمة، ويقطنها أكثر من 50 ألف شخص، وتتميز بخيراتها الفلاحية الكبيرة، حيث تتزين حقولها بسنابل القمح والشعير، وترسم غاباتها الكثيفة وبحيراتها وسدودها لوحةً طبيعيةً رائعةً للباحثين عن الهدوء وللهاربين من صخب المدينة وضجيجها.

الأسواق تونسية... والسّلع جزائرية

عند التجول في شوارع مدينة فرنانة وأزقتها، تجذبك السلع الجزائرية التي تتكدّس على أرصفة الطرقات في أسواقها اليومية، وترى حركةً غير عادية من المواطنين الذين يقبلون على هذه السلع بكثافة نظراً إلى حجمها وأسعارها الزهيدة والمناسبة مقارنةً بالسلع التونسية.

يقول الزغدودي إن السلع الجزائرية تلقى رواجاً كبيراً في المدينة، لأنها تتماشى وقدرات المواطنين، على عكس السّلع التونسية التي التهبت أسعارها وتضاعفت بطريقة غريبة.

يُقبل التونسيون على شراء الزيت والحليب والأجبان والقهوة والسكّر والبسكويت والمشروبات الغازية والعطور والأحذية، والمواد الإلكترونية، بالإضافة إلى البنزين الذي يُعدّ من أكثر السلع التي تروج في الجهة.

يبرر زياد (31 عاماً)، وهو صاحب سيارة أجرة، إقبال سكان المدينة على البنزين الجزائري نظراً إلى سعره المنخفض مقارنةً بالأسعار المحلية، بالإضافة إلى عدم انتظام توزيع البنزين نتيجة الإضرابات العشوائية في تونس، والطلب المتزايد على هذه المادة نظراً إلى طابع المنطقة الفلاحية، إذ تستهلك الجرّارات والآلات الفلاحية الكثير من البنزين.

"نعيش فوق التراب التونسي، لكن لا شيء يربطنا بهذه الدولة سوى بطاقة الهوية والوثائق الرّسمية التي تُفرض على المواطنين. لا نتمتع بالعمل ولا بأبسط مقومات الحياة الكريمة، باختصار نحن أموات على قيد الحياة"

كما يستنجد أصحاب محال الملابس الجاهزة بالسوق الجزائرية، لإدخال نوع من الاختلاف في السلع والجودة. تقول كريمة (اسم مستعار)، التي تملك محلاً لبيع الملابس الجاهزة، إنها تلجأ لشراء السلع الجزائرية، لأن فيها هامش ربح أكبر ومشجّع، كما أن قيمتها المادية تكون أقل من الملابس التونسية، بالإضافة إلى اختلافها عن المنتجات المحلية وهو ما يدفع المواطن للشراء بحثاً عن التنوع والجودة والثمن المناسب.

تضيف كريمة أن جلب السلع التونسية من العاصمة، أي على بعد 170 كيلومتراً، يكلفها الكثير من الناحية المادية، عكس السلع الجزائرية التي لا تكلف الكثير إذ لا تبعد الحدود عن مدينة فرنانة سوى 30 كيلومتراً أو أقل.

كما بالنسبة إلى الملابس الجاهزة، مثّل اختفاء بعض المواد الأساسية في الأسواق التونسية، كالزيت والحليب والقهوة والسكر وغيرها، فرصةً مواتيةً لتغزو السلع الجزائرية الأسواق التونسية.  

يرى مراقبون أن الدولة تشجع المواطنين بطريقة غير مباشرة على التوجه إلى السوق الجزائرية، بعد عجزها عن توفير متطلبات شعبها، وعدم البحث عن حلول لهذه الأزمة التي قد تعصف بالاقتصاد وتزيد من معاناة البلاد التي تمر بأزمات اجتماعية واقتصادية حادة.

"اللا مبالاة الحكومية"

يبدو أن حكومة نجلاء بودن، مستمرة في نهج سابقيها نفسه الذي يعتمد على سياسة "اللا مبالاة" تجاه المناطق المهمشة في معتمدية فرنانة، بالرغم من خطورة الموقف، وهو ما دفع سكان تلك المناطق إلى المخاطرة من أجل البحث عن لقمة العيش حسب آراء شباب المنطقة.

لم تقم الدولة بأي مشروع استثماري في تلك الربوع منذ عشرات السنين، حيث يعيش السكّان من الفلاحة وتربية الماشية، فيما قرر البعض من شبابها ركوب قوارب الموت بحثاً عن مستقبل أفضل في الجانب الغربي، أما العائلات الأخرى فقد قررت الهجرة والنزوح إلى العاصمة والمدن المتاخمة لها، تاركةً أراضيها وأملاكها بحثاً عن الأمل والسعي نحو تحقيق أحلامها.

لم تقم الدولة بأي مشروع استثماري في تلك الربوع منذ عشرات السنين، حيث يعيش السكّان من الفلاحة وتربية الماشية، فيما قرر البعض من شبابها ركوب قوارب الموت

يقول الزغدودي إنه لم يعد أحد من سكان المنطقة ينتظر شيئاً من الدولة، بل راح الجميع يبحثون عن منفذ للنجاة من خلال خلق مورد رزق خاص بهم، يقيهم شر العوز والحاجة، وقد ذهب أغلبهم إلى "الرِّيسك" (المخاطرة)، من خلال عبور الحدود الجزائرية والقيام بالتجارة بطريقة غير قانونية.

تشير آخر نتائج المسح الوطني لعدد السكان في مدينة فرنانة، إلى تجاوز نسب البطالة لدى الشباب من أصحاب الشهادات العليا الـ35 في المئة، وهو رقم مرشح للارتفاع في ظل فشل الدولة في إيجاد حلول.

وارتفعت نسب الفقر إلى 36،9 في المئة، حسب التقرير الذي أعدّه المعهد التونسي للإحصاء بالتعاون مع البنك الدولي سنة 2020.

معاملة سيئة

يرى سكان الجهة أن الدولة التونسية تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية، إذ لا توليهم أي اهتمام، ولا تكلف نفسها عناء الاستثمار في تلك الجهة التي تزخر بخيرات طبيعية كبيرة، بالإضافة إلى موقعها الجذاب.

ويزور سنويا الآلاف من السياح مدينة فرنانة، إذ تتميز منطقة بني مطير أو كما تسمى باريس الصغرى (قرية تابعة لمدينة فرنانة)، بمعمار فريد وتتزين كل أسطح المنازل بالقرميد الأحمر الذي يكسر خضرة المكان ليضفي عليه جمالاً خاصاً، بالإضافة إلى شلالاتها ووديانها وأشجار الزان والفلين العاتية التي تكسو جبال المنطقة، ويزيدها الشتاء جمالاً عندما يكسو تلك الجبال رداء أبيض عند تهاطل الثلوج.

يقطع شباب الجهة يومياً كيلومترات عدة من أجل اجتياز المعابر الحدودية في الجهة، كمعبر ببوش في جهة عين دراهم، ومعبر ملولة في مدينة طبرقة من أجل الوصول إلى التراب الجزائري للتزود بالسلع وبيعها في السوق التونسية

مروان من أصحاب الشهادات العليا العاطلين عن العمل، يؤكد لرصيف22، أن أغلب شباب هذه الجهة أصبحوا يعيشون من الأسواق الجزائرية، عادّاً ذلك الحل الوحيد بالنسبة إليهم. كما يرى أن غزو السلع الجزائرية لسوق الجهة أمر طبيعي يثبت عدم وجود الدولة في هذه المناطق.

يقطع شباب الجهة يومياً كيلومترات عدة من أجل اجتياز المعابر الحدودية في الجهة، كمعبر ببوش في جهة عين دراهم، ومعبر ملولة في مدينة طبرقة من أجل الوصول إلى التراب الجزائري للتزود بالسلع وبيعها في السوق التونسية.

ويكسبون من هذه التجارة الكثير من الأموال خاصةً أولئك الذين يهرّبون السلع عبر الجبال بعيداً عن أعين الأمن، ومع ذلك فهم يخاطرون بحيواتهم وبأموالهم من أجل تحسين مستوى عيشهم.

الهروب إلى الجزائر

يقول العامل المياوم محمد (اسم مستعار)، وهو رب عائلة متحدرة من فرنانة، إن الجميع يحبون هذا الوطن الذي يحتضننا، حيث كبرنا وترعرعنا، وكلنا نرغب وبشدة في تنمية اقتصادنا الوطني، لكن الظروف الاجتماعية تدفعنا إلى البحث عن الظروف التي تتماشى وقدراتنا المادية، لأن الأسعار في تونس أصبحت مرتفعةً جداً، وفي المقابل هناك ركود تام للأجور ما يؤثر على القدرة الشرائية للمواطن.

يضيف محدثنا أنه يتسوق أسبوعياً من سوق القالة الجزائري لشراء كل مستلزمات المنزل، وتبقى بعض الأشياء التي يشتريها من الأسواق المحلية، وقد وجد أن هذا الأمر يساعده أكثر في توفير المال.

يؤكد مروان الذي التقينا به في سوق فرنانة، أنه في ظل غياب الدولة عن هذه المنطقة، يقول سكان المنطقة "نحن الدولة" إذ يمتلكون دورةً اقتصاديةً خاصةً بهم، تجعل الدولة غائبةً كلياً عن حياتهم اليومية

ما يمكن ملاحظته أن هذا ينتشر بين سكان المنطقة، إذ إن الكثير من العائلات أصبحت تتسوق أسبوعياً من الجزائر عوضاً عن الذهاب إلى الأسواق التونسية، وهو ما يؤثر على الأسواق المحلية، ويساهم في ركود عجلة الاقتصاد المحلي.

تشتري كل العائلات التي تقطن عند الشريط الحدودي حاجياتها الأساسية من الجزائر، وهو ما يعدّه البعض رداً على المعاملة السيئة التي يحظى بها سكان تلك المناطق من الدولة.

يستدرك محمد قائلاً: "نحن نعيش في تونس ونأكل من الجزائر"، مضيفاً أن إقبال السكان على السلع الجزائرية متجه نحو الارتفاع، بعد إعلان الدولة الزيادة في أسعار المحروقات الذي من شأنه أن يساهم بطريقة مباشرة في ارتفاع الأسعار.

"نحن الدولة"

أثارت بعض الصور التي تم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي ضجّةً كبيرةً، إذ تظهر سكان أحد الأرياف المجاورة لمدينة فرنانة وهم في صدد تهيئة بعض المسالك الفلاحية معتمدين على وسائل بدائية إذ يستعملون الحجارة والتراب في إنجاز طريق لفك العزلة عن المئات من ساكني تلك المنطقة وسط صمت كبير من الجهات المسؤولة. يشمّر سكان جهة "الحوامد" عن سواعدهم في إنجاز كل متطلبات السكان من ماء صالح للشرب وطرقات بعيداً عن تدخل الدولة التي تلعب دور المتفرج.

ما يمكن استخلاصه أن مدينة فرنانة تعيش في عزلة تامة عن الدولة حيث يعتمدون على المحروقات والسلع الجزائرية، أما شبابها فأغلبهم إما يعملون في التجارة مع الجانب الجزائري أو يرحلون عن المنطقة.

يؤكد مروان الذي التقينا به في سوق فرنانة، أنه في ظل غياب الدولة عن هذه المنطقة، يقول سكان المنطقة "نحن الدولة" إذ يمتلكون دورةً اقتصاديةً خاصةً بهم، تجعل الدولة غائبةً كلياً عن حياتهم اليومية.

Website by WhiteBeard