إطلاق سراح "إمبراطور التهريب" وترقيته... ماذا يخبرنا عن الحكومة الجديدة في ليبيا؟

الأربعاء 14 أبريل 202102:22 م

"فرحة عارمة" شهدتها مدينة الزاوية (غرب العاصمة الليبية طرابلس)، قبل يومين، ابتهاجاً بإطلاق سراح "إمبراطور التهريب"، عبد الرحمن سالم الميلاد (البيدجا)، الذي وُصف بأنه أحد أخطر مهربي البشر في شمال أفريقيا.

وكانت وحدة تابعة لوزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني الليبية قد ألقت القبض على البيدجا المتهم بتهريب الوقود أيضاً والمطلوب من الإنتربول والذي فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات عليه بسبب جرائمه بحق المهاجرين في ليبيا في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
لم يقتصر الأمر على إطلاق سراحه، وإنما حصل البيدجا الذي كان يقود خفر السواحل الليبي برتبة "ملازم أول" على ترقية إلى رتبة "رائد" في قوات حرس السواحل الليبية، مكافأةً له على دوره في معركة "بركان الغضب" التي خاضتها حكومة الوفاق الليبي المنحلة للحفاظ على طرابلس ضد حملة المشير خليفة حفتر في نيسان/ أبريل عام 2019.
وفي ظل غياب التصريحات الرسمية حول تفاصيل عملية إطلاق سراح البيدجا، ذكرت "الغارديان" أن البيدجا أُخلي سبيله عقب إسقاط المدعي العام العسكري في ليبيا جميع التهم عنه لـ"عدم كفاية الأدلة". وقالت مجلة "لسبريسو" الإيطالية إن حكومة الوحدة الوطنية الجديدة اتخذت هذه الخطوة من أجل "استقرار الوضع الداخلي". 
ودافع البيدجا عن نفسه في أول ظهور له عبر السوشال ميديا، الثلاثاء 13 نيسان/ أبريل، إذ هاجم الصحافة المحلية والليبية قائلاً إنها "كتبت أخباراً مزيفة عني... أعلم أن الاعتقال صدر عن بعض السياسيين الذين نسوا أن عبد الرحمن الميلاد حمى سواحل وطننا لسنوات".
"خروج البيدجا يمثل الجانب العملي من مفهوم هزيمة المليشيا لمؤسسة الدولة"... حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا تطلق سراح أحد أخطر مهربي البشر والوقود وترقّيه إلى رتبة رائد في قوات حرس الحدود. هدّد بفضح مسؤولين كبار؟ أم لأسباب انتخابية؟

خوف من فضح الفساد؟

كان لاستقبال البيدجا استقبال المنتصر أو بالأحرى "البطل"، صدى واسع في الأوساط المعنية بليبيا، لا سيّما في إيطاليا، فيما رجح معلقون ليبيون أن إطلاق سراح المطلوب دولياً جاء رضوخاً لتهديداته بفضح كبار المسؤولين المتورطين معه في عمليات تهريب، واتفقت الأغلبية على أن الخبر يحبط الآمال التي كانت معقودة على الحكومة الجديدة.

وقال الناشط المدني الليبي أحمد الشركسي، عبر تويتر، إن "خروج ‘البيدجا‘ يمثل الجانب العملي من مفهوم هزيمة المليشيا لمؤسسة الدولة!".

وأضاف: "المليشيات بالعاصمة التي كانت تناهض الداخلية استبشرت خيراً بقدوم شخصية ضعيفة للداخلية (يقصد وزير الداخلية خالد مازن) استطاعت بها العودة لمربع وضع الوزير في ‘الكوفنو‘ (المعنى الغطاء والمقصود تحت السيطرة)، والذي لم يكن متاحاً في فترة تولي باشاغا!".

في حين اتهم الصحافي الليبي محمد الجرّة كلاً من رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وعضو المجلس الرئاسي الليبي عبد الله اللافي بالمساعدة في "الضغط من أجل الإفراج عن البيدجا"، موضحاً في تغريدة أن إطلاق سراح هذا المطلوب من الإنتربول من عهدة وزارة الداخلية "دليل واضح على أن وزير الداخلية الجديد خالد مازن قرر السير عكس المسار الذي حدده سلفه باشاغا". 

في غضون ذلك، قال الباحث في شؤون ليبيا ومصر في منظمة العفو الدولية حسين باعومي، في تصريحات إعلامية، إن إطلاق البيدجا كان متوقعاً إذ "فشلت السلطات الليبية في إثبات أنها تجري تحقيقاً فعالاً وشفافاً بهدف إحالته إلى محاكمة عادلة".
"شخصية غامضة لا يزال يتعين شرح أمور كثيرة عن علاقتها بالأجهزة الأمنية في بلادنا"... إطلاق سراح "إمبراطور التهريب" في #ليبيا يثير سخطاً في إيطاليا حيث هُدد صحافيان بالقتل على خلفية فضح نشاطه الإجرامي

غضب في إيطاليا

أما في إيطاليا، حيث هُدد صحافيان - نيلو سكافو ونانسي بورسي- بالقتل على خلفية كشفهما عن نشاط هذا المهرب ومشاركته في اجتماعات رسمية استضافتها البلاد، فقد أولت الصحف وبعض الشخصيات السياسية الخبر اهتماماً كبيراً.
وتجدر الإشارة إلى أن إيطاليا دافعت عن نفسها سابقاً وقالت إنها لم تكن تعرف بنشاط البيدجا الإجرامي حين عرّفه المسؤولون الليبيون في اجتماعات مشتركة على أنه "قائد خفر السواحل".
ووصف سكرتير حزب اليسار الإيطالي نيكولا فراتوياني الخبر بأنه "مزعج" و"مقلق"، لافتاً إلى أن "بعض الصحافيين الإيطاليين وجدوا أنفسهم تحت حماية الشرطة بعدما كشفوا عن عمليات تهريبه واتّجاره بالبشر".

وأضاف أن الخبر "يلقي بظلال أخرى على شخص مسؤول عن عمليات تعذيب ومخالفات أخرى حسب السلطات الدولية. شخصية غامضة لا يزال يتعين شرح أمور كثيرة عن علاقتها بالأجهزة الأمنية في بلادنا".

وقال الصحافي سكافو لـ"الغارديان": "من السخف أن تستمر إيطاليا في تقديم الأموال لخفر السواحل في ليبيا التي أفرجت عن مهرب هدد مواطنين إيطاليين"، مستطرداً: "من العبث أكثر أن إطلاق سراحه جاء بعد أيام قليلة من زيارة رئيس الوزراء الإيطالي، ماريو دراجي، طرابلس".

واقترحت الصحافية بورسيا أن الإفراج عن البيدجا ربما يكون هدفه سياسياً: منح الحكومة المؤقتة الجديدة مزيداً من الشعبية، إذ "لا يزال ينظر إلى البيدجا على أنه بطل قومي من قبل جزء من الشعب الليبي"، مضيفةً "من الواضح أن إطلاق سراحه يتم في لحظة اضطراب سياسي في بلد يستعد للانتخابات".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard