شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
الأعمال الفنية في الفضاءات العامة تثير نقاشات مهمة في قطر على أعتاب المونديال

الأعمال الفنية في الفضاءات العامة تثير نقاشات مهمة في قطر على أعتاب المونديال

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الخميس 17 نوفمبر 202211:23 ص

مع قرب انطلاق كأس العالم في قطر 2022، بدأت المؤسسات الثقافية والفنية في الدولة في الكشف عن عدد من الأعمال الفنية التي تم تركيبها في الفضاءات العامة. الأعمال الفنية الجديدة هي جزء من مبادرة أعلنتها متاحف قطر في وقت سابق لتحويل البلد والأماكن العامة به إلى متحف فني مفتوح. وتضم المجموعة نحو 40 عملاً فنياً جديداً لفنانين قطريين وإقليميين ودوليين مشهورين، ليرتفع بذلك العدد الإجمالي للأعمال الفنية في الفضاءات العامة في قطر إلى أكثر من 100 معروضة ستكون متاحةً لسكّان قطر ونحو 1.5 مليون زائر من المتوقع أن يتوافدوا على الدوحة خلال الأسابيع المقبلة للمشاركة في كأس العالم 2022.

علي عبدالرؤوف، معماري ومصمم عمراني وناقد وأكاديمي، وأستاذ زائر في جامعة حمد بن خليفة، يعلق على طبيعة أعمال الفن العام الراهنة في قطر قائلاً: "فكرة الفن العام الكلاسيكية كانت تعتمد على مجموعة تماثيل مباشرة مثل دلة قهوة، تمثال زعيم وطني، وغيرها، في الميادين. القفزة الجديدة هي أن يثير العمل الفني العام تساؤلاً في ذهن الإنسان، إذ اصبح الفنانون يضعون في الفضاءات العامة تشكيلاتٍ تثير التساؤلَ والإلهام".

يشير عبدالرؤوف في هذا الصدد إلى منحوتة شرق-غرب للفنان الأميركي ريتشارد سيرا التجريدية في قلب الصحراء القطرية، والتي يفجر موقعُها وحجمُها وتشكيلُها مساحةً كبيرةً من التساؤل في من يشاهدها في رأيه. مثال آخر على هذا التحول في طبيعة الأعمال الفنية في الفضاءات العامة هو منحوتة للفنان الفرنسي سيزار بالداتشيني تُصوِّر اصبعَ إبهامٍ منبثقاً من الأرض في سوق واقف.

يقول عبدالرؤوف عن هذا العمل بالتحديد: "سألت الناس عن انطباعاتهم عنه، وتراوحت الإجاباتُ بين من يمزح ويسخر من العمل وبين من يقدرّه. ثم تتصاعد الإجابات لتصل لحالات من التأمل البديع، حيث رآه البعض رمزاً لاستعادة الحيوية والنضال والبقاء، بينما اعتبر البعض الآخر أنه يرمز إلى أنه حتى الأشياء الصغيرة لها قيمة".

متحف مفتوح

تُعرض الأعمال الفنية الجديدة التي تمّ الكشف عنها مؤخراً استعداداً لاستضافة كأس العالم في مجموعة متنوعة من الأماكن العامة المكتظة بالناس، مثل الحدائق، ومناطق التسوق، والمرافق التعليمية والرياضية، والفنادق، ومطار حمد الدولي، ومحطات المترو، بالإضافة إلى الملاعب التي ستستضيف مبارياتِ كأسِ العالم.

الأعمال الفنية الجديدة هي جزء من مبادرة أعلنتها متاحف قطر في وقت سابق لتحويل البلد والأماكن العامة به إلى متحف فنّي مفتوح

وتنضمّ هذه الأعمالُ لسلسلة من الأعمال التي سبق تركيبها في الفضاءات العامة خلال السنوات الماضية ضمن مبادرة "جداري آرت"، ومبادرة 5/6، التي تدعو الفنانين في قطر لتصَوُّر واقتراح أعمال فنية دائمة تقدّم رؤى فنيةً حول الترابط والتضامن الاجتماعي.

وفي سياق هذه المبادرات تمّ تركيب منحوتة للفنانة شوق المانع، بعنوان "عقال"، على كورنيش منطقة لوسيل، تمثل العقالَ القطري التقليدي. كما تم وضع نصبٍ تذكاريٍّ من صنع الفنانة شعاع علي، بعنوان "توازن"، وهو عبارة عن عامود يرمز للتقدم الذي حققته دولة قطر، صُنِع من عدة مواد مثل الجرانيت والحجر الرملي والحجر الجيري والحصى بأشكال عضوية وهندسية. ترمز المنحوتة للتوازن بين العناصر التقليدية والحديثة في حياتنا اليومية.

تمثل هذه الأعمال وغيرها فرصةً للفنانين للاشتباك مع المجتمع، حسب مايكل أنتوني بيرونه، الأستاذ المساعد في جامعة فرجينيا كومنولث في قطر، والذي قام مع طلابه بصنع لوحة جدارية داخل نفقٍ يؤدي إلى مركز تسوّقٍ معروف في الدوحة، ضمن مبادرة "جداري آرت".

يقول بيرونه عن جداريته: "لفترة طويلة ، عندما أصبحت فناناً، فكرت في عرض أعمالي في صالات العرض والمتاحف والأماكن الأكثر رسميةً. ولا يزال جزءٌ مني يرغب في القيام بذلك. لكن هذه القطعة كانت أوّلَ عملٍ فنيّ عامّ لي، وقد استمتعت بها كثيراً، حيث يمكن للناس رؤيتها بسهولة".

وبعكس المنحوتات والأعمال الفنية حبيسة المتاحف، فإن هذا النوع من الفن العام يُنشّط الأماكن العامة، ويوفر فرصةً لسكّان قطر وزوّارها القادمين لحضور كأس العالم، التفاعلَ مع الفنّ خارج الأبواب المغلقة للمتاحف وصالات العرض.

يقول عبدالرؤوف عن انتشار الأعمال الفنية في الفضاءات العامة: "علاقة الإنسان بالفن كانت سابقاً تتم في فضاءات داخلية، وبالتالي من يريد أن يتذوقَ الفنَّ يتوجه إلى المتحف. هذا معناه أن علاقة الإنسان بالعمل الفني كانت علاقةً اختيارية، بعكس الفن العام الذي لا يدخل فيه البعدُ الاختياري بطبيعته، حيث اصبح شبهَ إجباريّ. فعندما نضع عملاً نحتياً في ميدان، سيراه الناس برغبتهم أو دونها".

نقاش مجتمعي

نقلُ الأعمال الفنية للفضاءات العامة يُخرج النقاش حول الأعمال الفنية من إطار محدود بروّاد المتاحف والمعارض الفنية إلى عموم المجتمع. وهذا ما حدث مع تمثال للفنان الياباني الشهير تاكاشي موراكامي، إذ أثار العملُ الفنيُّ الذي يجسد الفنان نفسه، ويبلغ ارتفاعه 6 أمتارٍ، ردودَ فعل متباينة على الإنترنت. تمثال موراكامي سبق عرضه في رواق متحف الفن الإسلامي منذ عدة سنوات، ولم يُثِر ردودَ فعلٍ تُذكر حينها.

ارتفع العدد الإجمالي للأعمال الفنية في الفضاءات العامة في قطر إلى أكثر من 100، ستكون متاحةً لسكّان قطر ونحو 1.5 مليون زائر من المتوقع أن يتوافدوا على الدوحة خلال الأسابيع المقبلة للمشاركة في كأس العالم 2022

ومع ذلك، يبدو أنه بعد سنوات من عرض الأعمال الفنية المختلفة في فضاءات عامة بقطر، أصبح المجتمع المحلي أكثر استعداداً لتقبل الأفكار الفنية الجديدة. ومثال على ذلك أحدُ أعمال الفن العام التي أثارت الكثيرَ من الجدل في قطر سابقاً، وهي منحوتات للفنان البريطاني داميان هيرست تُبيّن مراحلَ تطوّر الجنين. الكشف عن التماثيل التي تمّ تركيبها أمام مستشفى السدرة عام 2013 أحدث موجةً من الاعتراضات انتهت بتغطيتها، حيث رآها البعض كتنافسٍ مع الله. واليوم أصبح هذا العملُ الفنيُّ الذي سبق رفضه، جزءاً من منظومة تؤكد على العلم وعلى إبداع الله ومعجزةِ نموّ الجنين في رحمِ الأمّ، ولم يعد يثير الاعتراض.

تقول اختصاصي أول فنون بمؤسسة قطر، ليلى باشا، عن ذلك: "عندما تمّ تركيب تماثيل داميان هيرست، كان المشهد الفني العام محدوداً في قطر. كانت معظم أعمال الفنّ العام مقامةً بهدف تجميل الفضاءات العامة دون معنى وراءها. والآن يمكننا أن نرى أن الجمهور أكثر انفتاحاً لتلقي المزيد من الأعمال، وأكثر انفتاحاً أيضاً على التصاميم الجديدة بسبب كلّ هذه التجارب".

لكن هذا لا يعني أن كلَّ شيء أصبح قابلاً للتمرير، فالعمل النحتي للفنان الفرنسي من أصل جزائري عادل عبد الصمد الذي يصور لاعبَ كرة القدم الشهير زين الدين زيدان وهو يسدّد نطحةً بالرأس إلى لاعب المنتخب الإيطالي ماركو ماتيراتزي، إثر تلاسن بينهما، أثار تذمرَ المجتمع القطري عندما تمّ تركيبه على كورنيش الدوحة، وتمت إزالته. واليوم عندما قررت السلطاتُ القطرية إعادةَ عرض التمثال، قرّرت عرضه داخل متحف رياضي يدعى "3-2-1"، وليس في فضاء عام.

ومن هنا يرى عبد الرؤوف أنه "بدون فهم القيم والمرجعية الثقافية والدينية والاجتماعية لمجتمع ما، من الممكن، أثناء حماسنا لنشر الفن العام في المدينة، أن نرتكب أخطاء".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard