العمال الأجانب في قطر... فريق المونديال المنسي

الخميس 2 يونيو 202205:01 م

من غرفة فندقه في الدوحة، عاصمة قطر، حيث كان موجوداً لعرض صور أطفال من النقب في فلسطين، لاحظ المصور الفلسطيني محمد بدارنة كثافة انتشار اللونين الأزرق والأصفر في الخارج، وهما لونا لباس العمال الأجانب الذين يعملون ليلاً ونهاراً لاستكمال المنشآت الخاصة بمونديال 2022. كان ذلك في العام 2017 عندما استرعت حالة هؤلاء العمال انتباه بدارنة فبدأ في البحث. ثم نزل مع كاميرته ليزورهم ويتعرف على قصصهم، وأين يسكنون وكيف يعامَلون، فدخل عالماً منسياً ومليئاً بالأسرار، حسب تعبيره.

افتتاح معرض "الفريق المنسي" للمصور محمد بدارنة في برلين. بعدسة أحمد تينور

مشروع بُني بالخوف

يقول بدارنة لرصيف22: "بدأت برؤية قَطر ما وراء ناطحات السحاب، قطر التي ينام فيها 12 عاملاً في غرفة واحدة. عمال لا يستلمون مستحقاتهم، ويُستغلّون لأبعد حد، وهم واقعون تحت نظام الكفالة السيئ الصيت الذي لا يسمح لهم بحياة كريمة. بحثت عن مصادر، ووجدت أن الكثير من المنظمات وجهت اللوم لقطر بسبب حال العمال الأجانب وسوء معاملتهم، وبدأتُ بالتسلل بشكل خفي للوصول إلى العمال ومخيماتهم. وبنيت علاقات مع بعضهم قصوا لي قصصهم وأدخلوني بيوتهم/ غرفهم، كل ذلك في ظل خوف شديد عشته وعاشوه هم من أن يُكتشف أمرنا".

يقول المصور الفلسطيني محمد بدارنة: "بدأتُ بالتسرب بشكل خفي للوصول إلى العمال (في قطر)، ومخيماتهم، وبنيت علاقات مع عمال قصوا لي قصصهم وأدخلوني بيوتهم/ غرفهم، كل ذلك في ظل خوف شديد عشته وعاشوه"

في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، اعتقلت السلطات القطرية صحافييْن يعملان في محطة تلفزيونية نرويجية لأكثر من 30 ساعة، وحذفت لقطات صوّراها في مجمع للعمال الأجانب أثناء محاولتهما إعداد تقرير عن قضايا العمال قبل كأس العالم لكرة القدم 2022.

وأضاف: "كنت أمام خيارين، الأول أن أتجاهل ما رأيته وعرفته عن حال العمال الأجانب في قطر، وأستمر في عرض أعمالي في أهم الصالات في قطر، وبيع أعمالي فيها، والقاني أن أستكمل المشروع وأسلط الضوء على معاناة هؤلاء العمال وتحويلها إلى قصص وصور يستطيع الجمهور والمنظمات والدول الاطلاع عليها مباشرة".

يأتي بدارنة الذي يتحدر من مدينة الجليل في فلسطين، من عائلة من العمالً تحترم حقوق العمال وتهتم بأمرهم. كان نشاطه يرتكز على التدريب والعمل في مجال حقوق الإنسان، إلى أن قرر دراسة التصوير في كلية الفنون في حيفا، واستخدم معرفته وما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان والفنون للتصوير، فعمل مع المفوضية العليا لحقوق الإنسان وهيئة الأمم المتحدة للمرأة في فلسطين، ومن هنا تحوّل التصوير إلى مصدر دخل له، حسب تعبيره.

افتتاح معرض "الفريق المنسي" للمصور محمد بدارنة في برلين. بعدسة أحمد تينور

وهو عمِل على مشروع عن العمال الفلسطينيين  الذي سلط الضوء فيه على استغلال إسرائيل والمشغلين الرأسماليين العرب لهم. ولذلك كان تجاهل معاناة العمال الأجانب من الهند وبنغلاديش والنيبال وحتى مصر وقطر أمراً غير أخلاقي بالنسبة إليه.

وكانت لبدارنة زيارة ثانية لقطر، جال فيها بالمخيمات ومساكن العمال. "كان هناك خوف كبير من التعرض للاعتقال، ولكنني بنيت علاقات جيدة مع العمال جعلت من

بيّن بدارنة من خلال المعرض كل ما يتعلق بآلية الرأسمالية التي تعمل من خلالها الفيفا، وخروج كرة القدم من فئة لعبة الناس إلى ماكينة لصنع المال تدوس على الكثير من القيم الإنسانية لتحقيق التكسب.

المهمة أسهل، كما أنها أوصلتني إلى النيبال لتصوير أهالي العمال الذين فقدوا حياتهم خلال عملهم في هذه الملاعب في قطر".

فريق المونديال المنسي

فإلى جانب كونهم "الفريق المنسي" المشارك في المونديال، يعرض بورتريهات للعمال، وأماكن سكنهم الوضيعة، والمزدحمة المفتقدة للنظافة، بالإضافة إلى حقوقهم من حيث ساعات العمل والرواتب والمستحقات.

في مركز عيون الثقافي في برلين نويكولن، يقيم بدارنة معرضه بعنوان "الفريق المنسي"، من 1 إلى 7 يونيو/ حزيران 2022، ويكشف فيه الكثير من القضايا المتعلقة بالعمال الأجانب.

صورة بعدسة المصور محمد بدارنة من معرضه "الفريق المنسي". برلين

ويبيّن بدارنة من خلال المعرض كل ما يتعلق بآلية الرأسمالية التي تعمل من خلالها الفيفا والتي لا تتعامل على أساسيات بديهية كحقوق العمال الذين يؤسسون لهذا الحدث، وخروج كرة القدم من فئة لعبة الناس إلى ماكينة لصنع المال تدوس الكثير من القيم الأخلاقية والاجتماعية والحقوقية لتحقيق التكسب.

ويتضمن المعرض عرض فيديو، بالإضافة إلى عرض لملابس عمال فقدوا حياتهم في قطر.

وتناشد منظمات دولية الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لممارسة المزيد من الضغوط على قطر من أجل تحسين ظروف العمال الأجانب، إذ عملت قطر على إحداث عدد من الإصلاحات على قوانين العمالة منذ اختيارها لاستضافة المونديال، والذي تطلب تنفيذ برنامج ضخم على صعيد الإنشاءات بسواعد عمّال مهاجرين، استجابة منها لضغوط متزايدة بعد فوزها باستضافة المونديال.

وأكد بدارنة لرصيف22 أنه سعيد جداً بأن دولة عربية تستضيف بطولة كأس العالم، وأن مشروعه ليس ضد قطر، ولكنه ضد الاستغلال والانتهاكات التي تعرض لها هؤلاء العمال.

قصص الترحيل والاختفاء والموت 

أكثر القصص التي أثرت في المصور الفلسطيني هي قصص العائلات التي تنتظر أبناءها ليعودوا من قطر، ولكنهم يعودون جثثاً أو لا يعودون أبداً، وأوضح: "من المزعج جداً أن كل هؤلاء العمال الذين ماتوا في قطر بسبب ظروف العمل، أو بسبب الضغوط اليومية التي يعيشونها، استُصدرت شهادات وفاة لهم بأنهم توفوا طبيعياً".

ويواصل: "أثرت فيّ قصص النضال التي يخوضها الأهالي لتحقيق العدالة لأبنائهم الذين فُقدوا/ ماتوا في قطر، من آباء وأمهات وزوجات أو أبناء في بعض الأحيان، فهم يطالبون بتعويضات عن هذا الفقد الذي تعاملت معه السلطات القطرية دون أدنى اهتمام".

من أهم التحديات التي واجهت بدارنة خلال عمله على مشروعه هو عدم اهتمام العرب بهذا الموضوع، لأنه يعتقد أنه يوجد في معظم البلدان العربية نوع من الاستغلال والمعاملة الدونية للعمال الأجانب

ومن القصص المؤثرة أيضاً التي يتحدث عنها بدارنة قصة عامل خرج في يوم عطلته من المخيم لحضور مباراة بين فريق بلاده النيبال وبنغلاديش مع آخرين، وألقت الشرطة القبض عليهم لأنهم خالفوا إجراءات عدم التجمع خلال جائحة كورونا، واعتُقلوا لستة أيام، ومن ثم رُحّلوا دون أغراضهم، ومستحقاتهم، وحقوقهم، وبعضهم قضى سنوات طويلة في قطر يبني هذه المنشآت الرياضية الداعمة للمونديال، لكنهم طُردوا دون أدنى حقوق.

التحديات

من أهم التحديات التي واجهت بدارنة خلال عمله على مشروعه عدم اهتمام العرب بهذا الموضوع، لأن في كل البلدان العربية نوعاً من الاستغلال والمعاملة الدونية للعمال الأجانب، كما قال، وأضاف: "عادة أعمل على قضايا فلسطينية، لها جمهورها الواسع، الذي يهتم بكل ما يحدث في فلسطين، إلا إنني اليوم أعمل على مشروع كما قلت سابقاً، قد لا يعيره الناس اهتماماً، لأنهم يمارسونه بطريقة أو بأخرى، ولأنه يسلط الضوء على مَن هم غير عرب ومستغَلّون من قبل أشخاص أو أنظمة عربية".

صورة بعدسة المصور محمد بدارنة من معرضه "الفريق المنسي". برلين

خلال عمله في التصوير، موّل بدارنة مشاريعه بنفسه أو بتبرعات من الناس العاديين لكي يتحرر من الأجندات ويوصل رسالته كما هي، وخلال عمله على هذا المشروع، "تأكدت أنني أريد أن يبقى عملي مستقلاً تماماً في هذا المعرض، رغم صعوبة الأمر، فهو مشروع مكلف جداً".

وأشار إلى أنه لو أراد دعماً مالياً من دول معينة لحصل عليه، لأنها دول تقف سياسياً ضد قطر ونفوذها وحصولها على حق تنظيم كأس العالم، ولكنه أراد أن يبقى المعرض في دائرة الحقوق ويخرج من دائرة الاصطفافات السياسية واستخدام حياة هؤلاء العمال كسلاح سياسي.

تناولت الصحافة والمنظمات موضوع العمال الأجانب في قطر مطولاً، ولكن ما يميز مشروع بدارنة كما يشرح بنفسه هو أنه يُخرج العمال من صفة الأرقام إلى قصص وأسماء ناس وصورهم في بلدهم الأصلي، وفي البلد المستضيف.

يُذكر أن الفنان اللبناني صلاح صولي المقيم في برلين هو القيّم على المعرض.

يختم بدارنة: "أريد أن يصبح هذا المعرض منبراً للقاء بين العمال ومشجعي كرة القدم وصناع القرار والرياضيين المتنافسين وناشطي حقوق الإنسان، لمحاربة الاستغلال في العمل ولتقدير الرجال والنساء الذين بنوا عالماً لا يزال محظوراً عليهم إلى حد كبير. كما حان الوقت لمحاسبة قطر والفيفا على انتهاكات حقوق العمال، وعلى أقل تقدير تعويض العمال عن الانتهاكات التي مورست ضدهم أو تعويض أهالي العمال الذين فقدوا أرواحهم. فبطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 ليست البداية ولن تكون نهاية للاستغلال المستمر للعمال الباحثين عن حياة كريمة لهم ولأسرهم ما لم نغير اللعبة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard