معركة الفلافل في باريس... هل انتصرت إسرائيل؟

الأربعاء 16 نوفمبر 202204:05 م

عندما وصلت إلى باريس في العام 2016 لم تكن لدي أدنى فكرة عن طبيعة الحياة في هذه المدينة، أنا قادم للعيش في عاصمة النور، حيث برج إيفيل وجادة شانزليزيه ونهر السين والعشاق.

منذ اللحظة الأولى تحطم لك باريس كل هذه التصورات، تجد نفسك أمام مدينة كبيرة، مزدحمة، وسريعة، لا تمت للرومانسية بِصلة، بل مليئة بالناس والعمل والتوتر، شوارعها ليست نظيفة كما هو التصور العام عن أوروبا، السكان ليسوا أنيقين ولا تفوح منهم روائح ديور وشانيل عندما يطلقون ريحاً كما قال لي صديق كان يسخر من تصوره للفرنسيين قبل أن يأتي إلى هنا، باختصار هي مدينة صاخبة ككل المدن الكبرى ويعيش فيها أناس عاديون ككل البشر.

تجد نفسك في باريس أمام مدينة كبيرة، مزدحمة، وسريعة، لا تمت للرومانسية بِصلة، شوارعها ليست نظيفة والسكان ليسوا أنيقين ولا تفوح منهم روائح ديور وشانيل

في اللحظة الثانية تسرقك باريس البهية بتفاصيلها العمرانية، وتثير إعجابك بالتنوع، جميع جنسيات الأرض تعيش هنا، وتتحدث نفس اللغة، ولا تستطيع تمييز الفرنسي من غير الفرنسي، فالأبيض الذي تظنه فرنسياً قد يكون مهاجراً وصل حديثاً من أوروبا الشرقية، والإفريقي الذي تظنه مهاجراً قد يكون أبوه وربما جده قد ولدا في فرنسا.
أما في اللحظة الثالثة وهي الأكثر عمقاً فتبدأ بالانخراط في هذا المجتمع وتبايناته، تنظر إلى المنافسة عن قرب، وتطرح في بالك أسئلة من قبيل لماذا جميع باعة السجائر آسيويون؟ ولماذا كل محلات البقالة الصغيرة للهنود؟ تدخل في فصول التقاسم لاقتصاد هذه المدينة، وتقف عند معارك تدور فيه، لا تبدأ عند السؤال من أي بلد أنت؟ ولا تنتهي بالمطابخ، وفي غمرة هذه المعارك يدور فصل عنيف من معركة عالمية حول أكلة الفلافل، تنفرد فيه المطاعم الإسرائيلية أو المطاعم التي تقدم نفسها كمطاعم متوسطية وتعود ملكيتها إلى يهود المدينة دون أي منافسة تذكر.
إذا ما عدنا بهذه المعركة لبدايتها، فقد بدأت اسرائيل تروج عالمياً لمطبخها الخاص منذ سنوات طويلة، واعتبر الفلسطينيون الأمر عملية سطو على مطبخهم التقليدي، الذي تدعي إسرائيل أنه المطبخ القديم لبني إسرائيل كجزء من الحكاية التي استخدمتها الحركات الصهيونية في بدايات القرن العشرين لترويج لفلسطين كوطن قومي لليهود بحسب منظري هذه الحركة .

بدأت اسرائيل تروج عالمياً لمطبخها الخاص منذ سنوات طويلة، واعتبر الفلسطينيون الأمر عملية سطو على مطبخهم التقليدي.

هذا المطبخ لا يضم أي طبق غربي رغم انحدار الكثير ممن يشكلون بنية المجتمع الإسرائيلي اليوم من أوروبا، إنما هو مطبخ متوسطي بامتياز. ولذا حتى سكان حوض المتوسط لا يتفقون على أصل أو نسب طبق ما إلى بلد ما، ولنا في صراع الكسكس الذي دار في اليونسكو قبل فترة مثال كبير على ذلك.
الفلافل موجودة في جميع دول شرق المتوسط ومصر، ولا أحد يدعي نسبة الفلافل له، فهي الأكلة الشعبية رقم واحد في كل من سوريا والعراق ولبنان والأردن وفلسطين ومصر، فيما تصر إسرائيل على اعتبارها إسرائيلية.
تقول الرواية الإسرائيلية إن الفلافل انتقلت من بني اسرائيل إلى سكان العراق القديم، ولا يخفى على أحد كون بني اسرائيل بالأصل كانوا يعيشون في العراق قبل نزوحهم لفلسطين، أي قبل الديانة اليهودية حتى، فيما ترجع الرواية العربية الأكثر رواجاً أكلة الفلافل لأقباط مصر وأنها كانت أكلة خاصة بموسم الصيام المسيحي والذي يمتنع فيه الناس عن أكل اللحوم.
وجدت نفسي في مطعم إسرائيلي.
كوني من سوريا فلم أعرف شيئاً عن هذه المعركة قبل وصولي إلى أوروبا سوى ما أسمعه في الأخبار عما تبذله إسرائيل من جهد كبير لترويج مطبخها الذي يحتوي على عدة أصناف ولكن تبقى درته الفلافل.
لم أكن أعرف من قبل ما هي الفلافل الفلسطينية ولا كيف يتم تقديمها بنوع خاص من الخبز لا نعرفه في سوريا وكذلك إضافة مقليات أخرى كالباذنجان وهذا أيضاً غير شائع في الفلافل السورية.
وكوني سورياً تربي في "قلب العروبة النابض"، لم أعرف الكثير عن اليهود ولا التقيت بهم من قبل إلا في باريس، هنا وعندما وصلت قال لي صديق سوري سوف أصحبك لتأكل فلافل عند اليهود، فما كان مني إلا أن سألت تحت هول المفاجأة: "لماذا اليهود تحديداً؟".

كوني سورياً تربي في "قلب العروبة النابض"، لم أعرف الكثير عن اليهود ولا التقيت بهم من قبل إلا في باريس، هنا وعندما وصلت قال لي صديق سوري سوف أصحبك لتأكل فلافل عند اليهود، فما كان مني إلا أن سألت تحت هول المفاجأة: "لماذا اليهود تحديداً؟"

بدأ صديقي هنا يستطرد بالحديث عن حي مليء بالمطاعم اليهودية، التي تقدم الفلافل، وكون بعض هذه المطاعم هي من أفضل بل أفضل من يقدم الفلافل في باريس، لقد اعتراني الفضول وذهبنا إلى شارع روزييه في قلب الحي اليهودي وسط العاصمة الفرنسية وتحديداً في الدائرة الباريسية الرابعة.
شارع طوله بحوالي 500 متر وربما أكثر وله تفرعات وعلى جنباته ترتصف فيها مطاعم الفلافل التي تقدم نفسها كمطاعم "شرق أوسطية" أو "متوسطية" بالغالب، أما بعض المطاعم الأخرى فهي تقدم نفسها كمطعم إسرائيلي وجميع هذه المطاعم تقدم طعام "الكوشر" وهو الطعام اليهودي "الحلال" الذي يشترك اليهود والمسلمون في أوروبا في أكله.
هناك أشار صديقي إلى مطعم يدعى "L'as de falafel" وقال لي هذا أطيب محل للفلافل في باريس، لكننا لن نأكل عنده لأنه إسرائيلي، سألته كيف عرف، فأشار إلى علم إسرائيل عند مدخل المطعم. وبالمناسبة يحصل هذا المطعم على أعلى تقييم لمطعم فلافل في تطبيق "غوغل مابس".
مضينا في طريقنا إلى مطعم آخر وطلبنا الفلافل، قال صديقي إن هذا المطعم ليس إسرائيلياً، لأنه لا يضع علم إسرائيل، قلت له هل هذا يؤكد أنه ليس إسرائيلياً، فقال لي: "ع الأقل منريح ضميرنا".

في ذلك اليوم تناولت واحداً من اطيب أنواع الفلافل التي أكلتها في حياتي، وبت دائم التردد إلى ذلك الشارع أمشي هناك، ألتقي بـ"أولاد العم" يأكلون،  أشتري فلافلي وأذهب

في ذلك اليوم تناولت واحداً من اطيب أنواع الفلافل التي أكلتها في حياتي، وبت دائم التردد إلى ذلك الشارع أمشي هناك، ألتقي بـ"أولاد العم" يأكلون،  أشتري فلافلي وأذهب، حتى غافلت ضميري مرة وتسللت برفقة أصدقاء ضحكت عليهم كما فعل صديقي وذهبنا للمطعم الاسرائيلي ذاك، وكان فيه حقاً أطيب فلافل يمكن أن تتذوقها في باريس.
بعد ذلك عرفت أن هذه الفلافل مطابقة تماماً لما يعرف في فلسطين، فهي مختلفة عن السورية، صغيرة وتعج بالكزبرة الخضراء ويضيفون لها الباذنجان المقلية وتقدم بخبز "البيتا" المدور الساخن. واللافت أنه عند البحث على غوغل من فرنسا باللغة العربية على كلمة "الفلافل في باريس" ستكون أول نتيجتين لمطاعم إسرائيلية أو متوسطية.

الفلافل العربية... كل عضة بغصة

من وصل إلى هنا بالتأكيد سأل نفسه عن الفلافل العربية، هل توجد مطاعم عربية تقدم الفلافل في باريس؟ طبعاً يوجد، ولكن كما يقول المثل في بلاد الشام: "شو بدي اتذكر منك يا سفرجلة.. كل عضة بغصة".
المطاعم العربية في باريس بمعظمها لا تهتم إلى دورها الثقافي، فهي محلات تجارية بحتة تهتم بالربح على حساب الجودة أو تقديم المطبخ العربي كمنتج ثقافي للآخرين.
والفلافل هنا كما الشاورما من نصيب المطاعم اللبنانية والسورية، حيث لا يوجد على حسب معرفتي مطعم يقدم نفسه كـ "مطعم فلسطيني" سوى محل واحد في الدائرة الباريسية الثامنة عشرة، وهي حي من الأحياء الشعبية في المدينة.
وباختصار الفلافل التي أعرفها هي كتلة كبيرة من الحمص المطحون مع قليل من التوابل بدون كزبرة خضراء أو بقدونس ويتم قليها كلها من الصباح الباكر، وأحياناً قد تكون مقلية قبل بيوم.
الفلافل التي أعرفها هي كتلة كبيرة من الحمص المطحون مع قليل من التوابل بدون كزبرة خضراء أو بقدونس ويتم قليها كلها من الصباح الباكر.

عندما تطلب سندويش فلافل يقوم البائع بأخذ حبتين من الفلافل ويضعها في جهاز التسخين "المايكرويف" وعندما تسخن يضعها برغيف خبز مع خس وبندورة وكبيس "مخلل" ويضل لها طحينة ثم يضعها قليلا على الشواية نفسها التي يضع عليها سندويش الشاورما، وصحة وهنا.
هكذا تقدم سندويشة الفلافل عند العرب باستثناء محل لبناني واحد اسمه "ألو بيروت" يقدم الفلافل طازجة ومقلية في وقتها، لكنه في الحقيقة مقهى كوكتيل وشيشة ولذلك لا يحظى بالشهرة اللازمة كمطعم.
وهذا الشكل هو الذي رسخته المطاعم اللبنانية لوجود أكل محضر مسبقاً ويتم تسخينه ثم وضعه في الخبزة ولا ينطبق فقط على الفلافل بل على أصناف أخرى منها  قلوبات الدجاج، الشيش طاووق، السجق، الشاورما.

هل انتصرت إسرائيل؟

من هنا كان الدافع لكتابة هذا المقال، ولمعرفة كيف ينظر العرب هنا للفلافل كطبق طعام وكثقافة طعام أيضاً، ولذلك سألت كل أصدقائي العرب ومنهم فلسطينيون أين يأكلون الفلافل، وكلهم أجمعوا على أنهم يذهبون لتناولها في المطاعم المتوسطية، الجميع قال إنه يرفض أن يأكل في مطعم إسرائيلي لكن لا مشكلة مع المطاعم التي تقدم نفسها كمطبخ متوسطي، ولا مكان أصلاً لأكل الفلافل سوى في هذه المطاعم.
ما يحرص عليه من التقيته من عرب هنا هو أن لا يتعاملوا مع منتج إسرائيلي وربما من الوعي بمكان، الفصل الدقيق الذي حققته الفلافل بين اليهودي والإسرائيلي وهذا ربما ما منح الشعبية الكبيرة بين العرب لمطعم الفلافل "معاذ" وهو مطعم لأحد يهود المغرب العربي.
من وصل إلى هنا بالتأكيد سأل نفسه عن الفلافل العربية، هل توجد مطاعم عربية تقدم الفلافل في باريس؟ طبعاً يوجد، ولكن كما يقول المثل في بلاد الشام: "شو بدي اتذكر منك يا سفرجلة.. كل عضة بغصة"

إذا كنت وصلت إلى هنا وتنتظر الإجابة عن سؤال "هل انتصرت إسرائيل في معركة الفلافل؟"، فلن يكون الجواب نعم أو لا، على ما يبدو أن من انتصر هي الفلافل نفسها، والتي عبرت البحر لتصبح أكلة عالمية تقدمها اليوم المطاعم في كل أوروبا بغض النظر عن جنسيتها وترتفع أسهمها مع زيادة شعبية الأكلات النباتية.
الفلافل في باريس غدت قصة تؤكد أن الطهو كتراث إنساني لا يمكن أن ينسب لأحد، فالأطباق تسافر وتدخل في ثقافات المجتمعات المختلفة وتتماهى معها.

 في المتاجر الفرنسية مثلاً عشرات الأصناف من الفلافل بتوابل مختلفة وطعمات متنوعة كلها اعتمدت على فكرة طحن الحمص وقليه، ومؤخراً خبزه بالفرن، كل هذا بات يسمى فلافل.
أما إذا كنت مصراً على معرفة الجواب على هذا السؤال فعليك أن تأتي إلى باريس وتجرب الفلافل هنا وهناك، وتقرر بنفسك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard