أم كلثوم في زمن التكنو… عكّا والذكريات وموعد عاطفي مع وجبة فلافل ببرلين

الثلاثاء 31 ديسمبر 201903:48 م

قبل أيام من زيارتي خلال كانون الأول/ ديسمبر 2019 إلى فلسطين، وكلما التقيت بصديق أو صديقة في برلين، خاصة أولئك الذين لا يمكنهم أن يزوروا عكّا، مُنعوا من زيارتها أو اختاروا عدم زيارتها رفضاً لزيارة فلسطين المحتلّة، أعدهم بأن أقوم بجولة افتراضية ليتعرّفوا على مدينتي.

بإمكان الجولة الافتراضية أن تتحقق عبر "محادثة فيديو"، لكن في كل مرة أعد بذلك، أتذكر سريعاً بأن الـ 3G في البلدة القديمة لعكّا ليس جيداً، وأن ما من "أنتينات" تجعل سرعة الإنترنت منطقية لإجراء جولات افتراضية للأصدقاء… فيكون "الحلّ السحري" بالتقاط مقاطع فيديو أو صور، وإرسالها أو رفعها إلى الانستغرام أو فيسبوك.

كيف أصبح التقاط صورة لكَ من بلدي، بمثابة تهمة أن أكون سائحة فيها؟

عندما وصلت إلى عكّا قبل الأعياد، ذهبت لزيارة عمتي في بيتها. عمتي الكبيرة، أوديت، تسكن في حيّ الفاخورة، أو هي لم تسكن في حيّ آخر بحياتها، منذ ولادتها إلى زواجها وإنجابها لأبنائها وابنتها، واليوم مع أحفادها.

المهم، بعد أن صعدت السلالم الطويلة في حيّ الفاخورة، أخذت الزاروب المتجه نحو اليسار، وإذا نظرنا إلى السماء، سنرى بأن على أسلاك الكهرباء، تقف سلاسل من العصافير. المشهد ليس جديداً في عكّا، لكنه يستحق صورة كلّ مرة، وقد وعدتُ أصدقائي بجولات افتراضية تعارفية لمدينتي.

كنت أفكر بشخص واحد وأنا ألتقط صور العصافير، عندما اقتحم خيالي العاطفي والصور البعيدة، صوت لفتاة يقول لي: "يا صبية، فش طريق من هناك".

فتوقفت عن التصوير، وأجبتها غاضبة: "بعرف. جاي أزور عمتي... ساكنة هناك!".

كيف أصبح التقاط صورة لكَ من بلدي، بمثابة تهمة أن أكون سائحة فيها؟

أسمع صدى إجابات عديدة على سؤالي أعلاه، ولا أحبّها. لطالما كنت التقط صوراً لأماكن أحبّها، حتى لو كنت أعيش فيها.

نحن لا نلتقط صوراً لمن وما نحبّ لأننا بعيدون عنهم، بل لأننا نخاف من اليوم الذي سنخسر فيه القدرة على رؤيتهم.

عندما أكون في زيارة لأهلي، يختار أخوتي العودة إلى ذكريات قديمة، من خلالها نزور أبي. تتجسّد العودة عادة بالقصص، ودائماً أجد ما يفاجئني بقدرة الناس على التذكر، أو من خلال المواد البصرية: ألبومات الصور التي صورتها وجمعتها أمّي عندما كنا أطفالاً، أو عندما قررت عام 1997 أن تشتري كاميرا فيديو وتوثّق حياتنا اليومية ورحلاتنا والمناسبات العائلية.

نحن لا نلتقط صوراً لمن وما نحبّ لأننا بعيدون عنهم، بل لأننا نخاف من اليوم الذي سنخسر فيه القدرة على رؤيتهم.

كانت أمّي توثّق كل شيء، عندها لم ننتبه أنه علينا إزالة شعر الإبط كي لا يظهر في كاسيتات الفيديو، كأن التوثيق كان سيبقى مخفياً للأبد.

المهم، ونحن نشاهد أحد فيديوهات سهرات العائلة، انتبهنا أن السهرة كانت لليلة الأخيرة في 1999 وأول فجر في العام 2000، أي منذ عشرين عاماً.

الكثير من اللحظات المؤثرة، وجه أمي وخالاتي وهن ما بين منتصف الثلاثينيات إلى بداية الأربعينيات، ومعظمهن أنجبن على الأقل ثلاثة أولاد، لكن أهم ما فكرنا به أنا وأخوتي: "نشكر الله مكنش في ستوريز انستغرام وقتها".

بالتأكيد، كنت سأكون عرضة للتنمّر المتواصل من قبل مجموعة مراهقين أشرار! أو لربما، سأكون فتاة مختلفة عما أنا عليه.

تعلّمنا القسوة... صح؟

على سيرة القسوة… لدي عادة شبه يومية، وعندما أسهر لما بعد منتصف الليل، أتفحّص "ذكريات الفيسبوك". وهنالك أيام أنتظر فيها ذكريات ما كتبت ونشرت فيها أكثر من غيرها، مثل آخر يوم من كل عام. كأن كل الدراما تطفو على سطح البحر، وكأنني أتلصص على نفسي، أكرهها وأحبها أحياناً. لكن ما اكتشفته مؤخراً، أن منسوب الدراما قد نقص مع الوقت، أو أنني كبرت، أو أن التقبل يحتاج إلى دروس حياة جيدة.

من ذكرياتي قبل ثلاث سنوات، كتبت التالي:

منحبّ نهدي العام 2016 مقطع من أغنية "إسأل روحك": "هو حناني عليك قسّاك حتّى عليّا... ولا رضايا كمان خلاك تلعب بيّا؟".




كما وأن مع  نهاية العام، أي في 31 كانون الأوّل/ تصادف ذكرى ميلاد أم كلثوم. والذكرى الفيسبوكية لصداقتي مع صديق أحبّه جداً، كنا نعيش قبل عشرة أعوام في بلدين، كانت الطرق بيننا صعبة كثيراً، وما زالت صعبة. الاحتلال ما زال موجوداً في فلسطين والسيسي يزيد مصر قمعاً. لكن كلانا، أنا وصديقي، حملتنا الحياة إلى مدينة واحدة اليوم.

يصادف اليوم عيد ميلاده أيضاً. أحبّ أصدقائي الذين مهما ذهب كل منا باتجاه مختلف، نبقى سوية.

الأصدقاء مرايانا التي تتكسّر، لأن الزجاج يتكسر مع الوقت والحوادث. لكننا مع الوقت، نكتشف أن مقولة "الأصدقاء مرايا" هي "حكي فاضي"... ونبقى نحبّهم بلا رومانسيات، ونحب أنفسنا المتغيّرة معهم.

يأخذني هذا إلى ما كتبه ياسين الحاج صالح في مقاله "عن الصداقة والعداوة" المنشور في "الجمهورية"، وهو مقطع من مقال طويل قرأته في الماضي، وذكرني به صديق جديد تعرّفت إليه في حفلات الرقص العربي في برلين. بالمناسبة، أحبّ الأصدقاء الذي يبحثون عن الهزّ في زمن التكنو.

كتب الحاج صالح في مقاله عن الصداقة قائلاً:

"الصداقة تعود علينا بالخير، نتحسّنُ بفضل الصديق، نصادق أنفسنا بصورة أكثر تعافياً وأكثر حرية، وأقل أنانية. صديقي هو من يَصْدُقني، على ما يقول المثل، وهو يَصدُقني فيما يتعارض مع ما أحب أن أسمعه عن نفسي، فيساعدني على التغلب على ما لا أحب في نفسي، فيجعلني صديقاً لنفسي، أصدُقُها وأكاشفها، فتنشرح وتنفسح. الصديق بعبارة أخرى هو بمثابة ضمير إضافي، ويعزز فعل الضمير الداخلي. بضميرين نحن أرسخ وجوداً في العالم وتوجهنا أكثر سداداً".

الأصدقاء مرايانا التي تتكسّر، لأن الزجاج يتكسر مع الوقت والحوادث. لكننا مع الوقت، نكتشف أن مقولة "الأصدقاء مرايا" هي "حكي فاضي"... ونبقى نحبّهم بلا رومانسيات، ونحب أنفسنا المتغيّرة معهم

أم كلثوم أكثرنا معاصرة. بإمكانها أن تكون موضوع أول حديث بين شخصين، تعارفا قبل ليلة فقط وهما سكارى، وذهبا في اليوم التالي، مع الهانغ أوفر، لتناول الفلافل اللبناني في برلين، على الرغم من أنها لا تحبّ إلا "فلافل نجلاء" في وادي النسناس في حيفا

بالعودة إلى التكنو. أنا لا أكره التكنو تماماً، لكني لا أحب من يعتبر التكنو "كول" أكثر من أم كلثوم. وأم كلثوم ليست نوستالجيا، ولا ذاكرة موروثة، ولا حفلة "جددت حبّك ليه" في شهر نيسان/ أبريل 1955 في الأزبكية، أي 7 سنوات بعد احتلال فلسطين. ليست أغانيها بالأبيض والأسود فقط.

 لا أحب من يعتبر التكنو "كول" أكثر من أم كلثوم.

أم كلثوم أكثرنا معاصرة. بإمكانها أن تكون موضوع أول حديث بين شخصين، تعارفا قبل ليلة فقط وهما سكارى، وذهبا في اليوم التالي، مع الهانغ أوفر، لتناول الفلافل اللبناني في برلين، على الرغم من أنها لا تحبّ إلا "فلافل نجلاء" في وادي النسناس في حيفا.

كان صاحب المطعم يستمع إلى "عودت عيني".

نظرت إلى من دعاها إلى وجبة فلافل في أول موعد عاطفي - تقريباً، وسألته: "دو يو نو أم كلسوم؟".

أجابها بالنفي مع تعجب.

أعادتْ تكرار السؤال، إلى أن قال لها: "يو مين أم كلثوم؟".

"نعم! لكننا نلفظ الثاء في لهجتنا العكاوية، بالسين… ثائر/ سائر، هيثم/ هيسم".

وتابعتْ: "ونحن البلد الوحيد في فلسطين الذي يلفظ أهله الجيم كالمصريين".

هو لا يعرف لهجة المصريين، ولا لماذا لهجة العكّيين قريبة منها… لكن كل ما أردته هو أن آخذه برحلة غير افتراضية إلى اللهجات وعكّا وأم كلثوم… حتى لو بدت على وجهي ملامح السائحة في الحبّ.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard