شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
أحرقوا جميع نسخ الفيلم... كيف أفل نجمُ المطرب السوري رفيق شكري؟

أحرقوا جميع نسخ الفيلم... كيف أفل نجمُ المطرب السوري رفيق شكري؟

ثقافة

الأحد 13 نوفمبر 202206:13 م

قبل حوالي سنتين عُرض على شاشة MBC خلال شهر رمضان مسلسل سوري بعنوان "سوق الحرير"، من بطولة النجوم بسام كوسا وسلوم حداد. جاء في مقدمة العمل أغنية "بالفلا جمّال ساري... قُلت رايح فين؟"، التي نالت استحسان الجمهور، وتحديداً جيل الشباب منه، الذين نسبوها فوراً للملحن السوري الكبير إياد الريماوي، واضع موسيقى العديد من المسلسلات السورية الناجحة.

ولكن الأغنية كانت أقدم من ذلك بكثير، فهي تعود إلى مطلع أربعينيات القرن الماضي، وهي من أغاني المطرب السوري الراحل رفيق شكري (1923-1969). خلال موسم رمضان 2022، دخلت "بالفلا جمّال ساري" إلى بيوت ملايين المشاهدين العرب، وحققت رواجاً وجماهريةً ما كان رفيق شكري أن يحلم بهما في حياته، علماً أنه كان المطرب "رقم واحد" في إذاعة دمشق في مطلع خمسينيات القرن العشرين. ماذا حدث إذاً، وكيف نسي هذا الفنان ولم يبق من أرشيفه إلا القليل؟

من هو رفيق شكري؟

في منزل متواضع في حيّ الميدان، ولد رفيق شكري عام 1923. عاش يتيم الأب وقد نجا من الموت بأعجوبة في صغره، بعد تعرّض حارات الميدان إلى قصف عنيف من قبل الفرنسيين خلال الثورة السورية الكبرى عام 1926.

درس في المدارس الحكومية، حيث بدأت موهبته تظهر في سن مبكرة، عن طريق حفظه لأغاني محمد عبد الوهاب وترديدها على مسامع زملائه الطلاب. عمل في مهن مختلفة لتأمين لقمة العيش له ولوالدته، ومن هذه الأعمال المتفرقة اشترى شكري آلة عود، وتدرّب عليها بشكل شخصي، قبل أن يلتحق بالمعلّم صبحي سعيد، ويصبح من أمهر العازفين في دمشق، قبل أن يتجاوز الثالثة عشرة من عمره.

في سجل رفيق شكري الفني 198 لحناً وأكثر من 500 أغنية، تنوعت بين العاطفي والوطني والشعبي والديني، بعضها غناها بنفسه وبعضها قام بتلحينها لفنانين كبار مثل فائزة أحمد وسعاد محمد وكروان

صار رفيق شكري يُقيم حفلات غنائية بسيطة عند الأصدقاء، مخصصةً حصراً لألحان عبد الوهاب وحواراته الغنائية الشهيرة. من خلال هذه السهرات، لفت انتباه نائبِ دمشق وراعي المواهب الشابة فيها فخري البارودي، الذي قرر تبنيه فنياً، وقام بإلحاقه بالإذاعة المحليّة التي كانت سلطة الانتداب الفرنسي قد أنشأتها في ساحة النجمة عام 1941. كانت ساعات البثّ محدودةً، وكان الإرسال لا يتجاوز حدود العاصمة السورية، ولكنها كانت تكفي بالنسبة للمطرب الهاوي والطموح، الذي وجد فيها منصةً لاحتراف الغناء.

مرحلة الاحتراف

تعرّف رفيق بعدها على الشاعر الغنائي عمر الحلبي، فشكل معه ثنائياً استمر طيلة مسيرته الفنية. كتب له الحلبي معظم أغانيه الناجحة، وكانت البداية مع "بالفلا جمّال ساري"، التي سُجّلت لصالح إذاعة القدس، جاء بعدها أغنية "غيبي يا شمس غيبي" و"خلي الحبايب يسلمو" و"خدوا معاكم مها"، التي لُحّنت وقُدّمت بطلب من رئيس الحكومة سعيد الغزي.

كان رفيق شكري المطرب "رقم واحد" في إذاعة دمشق في مطلع خمسينيات القرن العشرين. ماذا حدث وكيف نُسي هذا الفنان، ولم يبق من أرشيفه إلا القليل؟

في سجل رفيق شكري الفني 198 لحناً وأكثر من 500 أغنية، تنوعت بين العاطفي والوطني والشعبي والديني، بعضها غناها بنفسه، وبعضها قام بتلحينها لفنانين كبار مثل فائزة أحمد وسعاد محمد وكروان، إضافة لعدد من الإسكتشات الغنائية الحوارية التي قدمها الفنان الكوميدي أنو البابا بشخصية "أم كامل".

في السياسة

بدعم من البارودي، تقدم رفيق شكري للعمل في إذاعة دمشق عند تأسيسها، مع مجموعة من الفنانين الشباب، أمثال صباح فخري وفتى دمشق، حيث غنى للحبّ والأسرة وللقضية الوطنية السورية. كان التحول الكبير في نمطه الموسيقي عام 1948، بعد هزيمة العرب في حرب فلسطين، حيث توجه رفيق شكري إلى الألحان الوطنية الحماسية، فقدم "قسم العودة" و"نشيد الجهاد" الذي وضع كلماته الشاعر السوري سليمان العيسى. وفي صيف عام 1952، دُعي للمشاركة في حفلات تنصيب الملك الشاب الحسين بن طلال ملكاً على الأردن، وبعدها بست سنوات، بايع الرئيس جمال عبد الناصر، وغنى له وللوحدة السورية المصرية.

مع حلول عام 1958، كان رفيق شكري قد أصبح صديقاً لمحمد عبد الوهاب، الذي دعاه إلى القاهرة لمقابلة الرئيس عبد الناصر. سجل عدة أغنيات في إذاعة صوت العرب في مصر، وفي إذاعة الشرق الأدنى في فلسطين، ثم في إذاعة بغداد. وكانت له مشاركة صغيرة في فيلم "بنت البادية" المصري، مع الفنان الشعبي محمد الكحلاوي.

حلم السينما الذي بقي مبتوراً

كان رفيق شكري يدرك، مثله مثل كلّ فنان سوري طموح، أنه لن يصل إلى النجومية العربية إلّا في حال مشاركته في أفلام سينمائية تجارية مع نجوم الغناء العرب من مصر أو لبنان. جاءت هذه الفرصة الذهبية عام 1948، في مرحلة متقدمة من مسيرته، عندما دُعي للوقوف أمام كاميرا المنتج والمخرج السوري نزيه الشَّهبندر في أول فيلم سوري لبناني ناطق، حمل عنوان "نور وظلام". كتبت الصحف السورية يومها أنها فرصةٌ لا تعوَّض للمطرب الشامي البسيط، يمكنها أن تضعه في مرتبةِ عمالقةٍ كبار من أمثال قدوتِه ومعلمه، محمد عبد الوهاب.

لا يوجد لا شارع باسمه في سوريا اليوم ولا مسرح أو مدرسة أو ميدان، والتكريم الوحيد الذي حظي به رفيق شكري كان مؤلفاً صغيراً من حياته للمؤرخ الموسيقي أحمد بوبس عام 1993

كان نزيه الشهبندر رائداً في مجال السينما، وقد أقام ستوديو لتصوير وتحميض وطبع الأفلام في مقر سينما هبرا في حي باب توما (الذي أصبح لاحقاً مقر بودا بار). في هذا الأستوديو تم تصوير مشاهد الفيلم الداخلية، وتسجيل أغاني رفيق شكري. كان العمل من تأليف السوري علي الأرنأؤوط واللبناني محمد شامل، ومن بطولة رفيق شكري المطلقة مع المغنية اللبنانية أيفيت فغالي (شقيقة صباح). وقد شارك معهم نخبة من نجوم سوريا مثل سعد الدين بقدونس، وحكمت محسن، وأنور البابا (أم كامل).

ولكن يبدو أن العمل كان "منحوساً" منذ البدايات، فقد تأخرت عمليات التصوير بسبب اندلاع الحرب في فلسطين، وفرض القوانين العرفية في سوريا، مع انقطاع متكرر للتيار الكهربائي والقصف التي تعرضت له العاصمة السورية. وقد ضاعف كل ذلك من تكاليف الإنتاج، ولم تتمكن عائدات شباك التذاكر من سدّ العجز الناتج عن التأخير. فكانت النتيجة النهائية عبارةً عن خسارة مادية للشهبندر وشريكه المنتح أحمد الركابي، وخيبة أمل لكلِّ الممثلين المشاركين، وفي مقدمتهم البطل رفيق شكري. إضافة إلى ذلك، لم يُكتب للفيلم عرض ثانٍ، لأن زوج أيفيت فغالي قام بشراء كلِّ النّسخ وحرقها.

هنا ضاع حلم رفيق شكري في الشهرة العربية الواسعة، وعاد إلى حجمه المتواضع في إذاعة دمشق، وعلى خشبات مسارح سوريا. وكان في أيامه الأخيرة مديراً للمكتبة الموسيقية في الإذاعة، ومُشرفاً على البرامج الغنائية، وهي وظيفة إدارية بحتة لا تحتاج إلى موهبة فنية، ولا يجوز لمغني وملحنِّ صفّ أول القيام بها.

أما المأساة الثانية في حياته (والأخيرة)، والتي ربما تفسر هذا النسيان الكبير الذي تعرض له رفيق شكري، فهي موته المبكر وهو في السادسة والأربعين من عمره يوم 3 آذار/مارس 1969. لم يلحق عصر الفضائيات والا الإنترنت، ولا حتى الانتقال من البث الأبيض والأسود إلى البث الملون. لا يوجد لا شارع باسمه في سوريا اليوم، ولا مسرح أو مدرسة أو ميدان، والتكريم الوحيد الذي حظي به رفيق شكري كان مؤلفاً صغيراً من حياته، للمؤرخ الموسيقي أحمد بوبس عام 1993، وحسب.

Website by WhiteBeard