شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
لا يحارب علاء عبد الفتاح ليموت، وإنما ليعيش ونعيش

لا يحارب علاء عبد الفتاح ليموت، وإنما ليعيش ونعيش

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن وحرية التعبير

الأربعاء 9 نوفمبر 202207:03 م
Read in English:

Alaa AbdelFattah isn't fighting to die.. He fights so that he and all of us can live

اهتزت خصلات شعرها مع ضحكاتنا العالية، ونحن نسترجع حكايات السجن وطرائف عالم ما وراء القضبان، للمرة الأولى وجهاً لوجه. هل ترى تلك الزينة المعلقة على الحائط فوق رأسينا، ما أراه؟ هل تشعر أيضاً بعظمة هذه المعجزة التي طال انتظارها؟

حزم علاء أمره: سيخرج من السجن، سواء على قدميه أو محمولاً في نعش.

كلانا خارج الحبس، وخارج البلد الذي قهرنا، نتربع على درجات سلم الفندق في واشنطن دي سي، نلتقي أخيراً في أمان بعد سنين لم تتقاطع خطانا فيها خارج الأسوار.

تجذب سناء أكمام سترتها فوق الأصابع، وترفع كتفيها منكمشةً بالرغم من أننا في قاعة الفندق الدافئة. أشاهدها تكرر العادة نفسها في كل مرة بنظرة غائبة. تجول في ذهني كل الأسباب، وليس البرد منها؛ فالصقيع الذي يمسّ روح سناء داخليٌّ بامتياز.

يخيّم الحزن قليلاً عندما تخبرني بنيتها العودة إلى مصر. بعد أن جالت العالم أجمع في حملة ضخمة واعتصامات ومؤتمرات للإفراج عن أخيها، علاء عبد الفتاح، وتسليط الضوء على إضرابه عن الطعام، قررت سناء حضور مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ 27COP، كمراقبة مستقلة من المجتمع المدني للضغط من أجل الإفراج عن أخيها، ودفع قيادات المجتمع الدولي للمطالبة بإطلاق سراحه.

تقول: يجب أن أذهب. لا أملك خياراً آخر.

قد يردّ شخص آخر في مثل هذا الموقف، بأن لديه خياراً بأن يبقى ويحافظ على أمانه، لكني أعرف سناء بنت أحمد سيف الإسلام، بما يكفي لئلا أطرح عليها اقتراحاً بهذه السذاجة.

نحاول البقاء في الحاضر. نمزح ونتبادل الحديث حتى الثانية فجراً، فعندما يطلع النهار، سيرتدي كل منّا درعه، ويلوّح مودّعاً، ويقفز إلى المعركة من جديد.

تقول: يجب أن أذهب. لا أملك خياراً آخر. قد يردّ شخص آخر في مثل هذا الموقف، بأن لديه خياراً بأن يبقى ويحافظ على أمانه، لكني أعرف سناء بنت أحمد سيف الإسلام، بما يكفي لئلا أطرح عليها اقتراحاً بهذه السذاجة

تقاطع طريقي مع طريق سناء، آخر مرة، قبل ذلك، في قاعة الزيارة في سجن طرة 2، شديد الحراسة، في القاهرة عام 2019. كانت هي وأختها منى ووالدتهما الدكتورة ليلى سويف، في زيارة لعلاء عبد الفتاح، وكنت أنا ببدلة السجن أمضي حكماً بالسجن مدته خمسة عشر عاماً بتهمة التجمهر، وتحتي بطابقين، كان علاء يرسخ في أغلاله بعد جريمته التي لا تُغتفر: مشاركة منشور عن خبر موت سجين سياسي.

منذ ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2011، دفعت أسرة سيف ثمن نضالها غالياً. أمضى علاء ما مجموعه فوق الثماني سنوات وراء القضبان، يدخل ويخرج في قضية تلو أخرى، منهياً حكماً وراء حكم، حتى تم القبض عليه آخر مرة في موجة اعتقالات واسعة في أيلول/ سبتمبر 2019، بتهمة نشر أخبار كاذبة.

نُقل علاء إلى سجن طرة 2 شديد الحراسة، السجن نفسه الذي كنت فيه، والذي مات فيه حسام، السجين السياسي الذي شارك علاء عنه المنشور. للمفارقة، قامت إدارة السجن، بعد حفل استقبال قاسٍ، بتسكين علاء في الطابق نفسه الذي مات فيه حسام في الحبس الانفرادي.

لكن الوضع الآن فاق كل ما سبق: تجاوز علاء المئتي يوم في إضراب عن الطعام للمطالبة بحريته وأدنى حقوقه الآدمية، ومع بداية مؤتمر المناخ في السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، أعلن في خطاب إلى أخته دخوله في إضراب كامل عن الماء أيضاً.

حزم علاء أمره: سيخرج من السجن، سواء على قدميه أو محمولاً في نعش.

قبل أسابيع، شرحت منى سيف، للعالم، فصلاً جديداً من قصة علاء لم يرَ النور من قبل: قصة خالد، ابن علاء ذي العشرة أعوام، والتوحد. تسببت زيارات السجن بأذى بالغ لنفسيته مع استحالة زيارة علاء وراء حاجز زجاجي غير مسموح له بتخطيه أو لمس أبيه بشكل غير مفهوم له. وبعد تعنّت شديد في السماح لخالد بزيارة علاء في مكان غير الكابينة الزجاجية، وتصاعد قلق علاء من تعرّض خالد لمشاهد اعتداء أو تعذيب حول السجن، لم يعد بالإمكان اصطحاب خالد لرؤية علاء. لم يحتضن علاء ابنه منذ سنة كاملة؛ وكانت هذه القشة الأخيرة التي دفعته لقرار الإضراب الكامل.

كنت غالباً ما أنظر إلى الإضراب عن الطعام كعلامة يأس، أو تسليم أخير. يُضرِبُ السجين بعد أن يصير العذاب غير محتمل، وعندما يودّ أن ينتهي كل شيء

كنت غالباً ما أنظر إلى الإضراب عن الطعام كعلامة يأس، أو تسليم أخير. يُضرِبُ السجين بعد أن يصير العذاب غير محتمل، وعندما يودّ أن ينتهي كل شيء.

بعد اختباري لعلاقات القوى وراء القضبان، تبلور لدي فهم جديد. الحرب بيننا وبينهم كانت دائماً حول الجسد: من يملك السيطرة عليه وكسره. تتمحور قيمة القامعين والسجانين في سيطرتهم على أجسادنا، لذا تجدهم مهووسين بالإخضاع الجسدي: حلاقة الشعر والتجريد من الثياب والتفتيش المهين ومنع الطعام والثياب وحتى الكتب لئلا تغذّي جسدك ولو عقلياً. يستمد الطغاة قيمتهم ومعنى ذواتهم من هذا التنكيل، فحق كسر جسدك هو حق حصري لهم.

قد تظن، منطقياً، أن الإضراب عن الطعام شيء تشجعه السلطة والسجّانون، إذ يصير الهدف مشتركاً أخيراً: كسر جسد السجين.

لكن لا، عندما تختار أنت أن تكسر جسدك بنفسك، فأنت حينها تسلبهم منبع قيمتهم. هم من يملكون حق الكسر لا أنت، لذا يطعمونك قسرياً وينقذونك غصباً لاستعادة السيطرة، وبالتبعية، استعادة سلطتهم ومحور وجودهم.

رسالتهم هي: إن حاولتَ تغذية جسدك، سنحطمه. وإن حاولت تفكيكه، سنهبّ لترميمه حتى نعيد كسره بأيدينا.

أشاهد إضراب علاء الآن وأفهم. لا يحارب علاء ليموت، وإنما ليعيش. يناضل من أجل الحياة بسلاح مقاومته الأخير: ملكيته لجسده. يختار علاء هذا لأنه لا يملك خياراً آخر. أفهم ذلك، كما فهمت أن سناء لم تكن تملك خياراً آخر من قبل.

كما يقول علاء:

"أنا في السجن سعياً من السلطة لأن تجعل منا عبرة. فلنكن عبرةً إذاً ولكن بإرادتنا".

عندما تختار أنت أن تكسر جسدك بنفسك، فأنت حينها تسلبهم منبع قيمتهم. هم من يملكون حق الكسر لا أنت، لذا يطعمونك قسرياً وينقذونك غصباً لاستعادة السيطرة، وبالتبعية، استعادة سلطتهم ومحور وجودهم

نشاهد تغطية مؤتمر المناخ منذ الأحد الماضي، بأعين تلمع. تهبط سناء على أرض مدينة شرم الشيخ، وتمشي على تراب الوطن الذي سجنها ليس مرةً ولا اثنتين، بل ثلاث مرات. تدخل، فيلقي كلٌّ ما بيده، ويهرعون جميعاً لتغطية وصولها كحدث أكبر مما عداه. تقيم مؤتمراً حقوقياً على هامش القمة، فتكتظ الخيمة لسماع كلماتها:

"شاهدنا أبي يموت أنا وأخي، وكلانا في السجن، ولم يكفهم هذا. استنفدنا كل الطرق القانونية والمنطقية وحتى اللا منطقية، ولم يكفهم هذا. جرّبنا كل آليات التفاوض لنخرج من هذه المعركة. نحن عالقون في هذه المأساة، وأنا هنا لا أتحدث فقط عن عائلتي، بل عن جيل الربيع العربي بأكمله. جيلنا كله عالق يدفع الفاتورة الباهظة للثورة منذ تسع سنوات. فاقت الضريبة كل الحدود حتى باتت لا نهائيةً. تحتاجون أن تتجاوزوا هوسكم بهذا الجيل الذي تعذب في السجون والمشارح. هذا يكفي! هذا يكفي!".

تضجُّ القاعة بالتصفيق، وعيوننا بالدمع.

نشاهد تغطية مؤتمر المناخ منذ الأحد الماضي، بأعين تلمع. تهبط سناء على أرض مدينة شرم الشيخ، وتمشي على تراب الوطن الذي سجنها ليس مرةً ولا اثنتين، بل ثلاث مرات. تدخل، فيلقي كلٌّ ما بيده، ويهرعون جميعاً لتغطية وصولها كحدث أكبر مما عداه

أمضى النظام تسع سنوات في بناء حثيث لتلك الفقاعة الصماء التي تمسك بخناق مصر. ضخوا في سبيل حفظها كل دعايتهم المسعورة وتنكيلهم وزنازينهم وأنهار الدماء. تأتي سناء بطولها فتفقأ الفقاعة لينهمر رأي العالم الحقيقي مغرقاً وجوههم، صاعقاً إياهم بعد أن اعتادوا سماع صوتهم وصداه فقط طوال كل تلك السنوات. نشاهد جنون ممثلي الدولة وهم يهاجمونها ويُطردون من القاعة مذهولين. ننتشي بالصدمة على وجوههم، عندما يرون انعدام قيمة مناصبهم الهزلية ورُتبهم البلهاء التي يضفونها على بعضهم البعض: مسرحية ظنوا أن العالم سيقفز على الخشبة ليلعبوها معاً. عندما رُفعت البنادق وكُفَّت الأيدي الغاشمة، ظهر ميزان الأقدار والمقامات على حقيقته، ورأينا جميعاً إلى من ينحاز العالم: إلى المظلوم الذي، كما تسميه رضوى عاشور، هو في جوهره أجمل من الظالم.

يأكلهم الغضب بعد ملايين صُرفت لاستضافة مؤتمر غرضه الأساسي تبييض جرائمهم وغسل انتهاكاتهم، ليتحول إلى منصة عالمية تسلّط الضوء على قضية المعتقلين تحت أنظار العالم، بحصانة منحوها هم من دون قصد للمتحدثين.

نستمع وتدمع عيوننا غير مصدقين أن سناء تتحدث بلساننا. نضع أيدينا على قلوبنا رعباً وقلقاً على أمانها. نعلم أنهم يتحرقون للقبض عليها، ولا تمنعهم سوى عيون العالم أجمع المسلطة عليهم في انتظار رد فعلهم.

يشقّ عليّ بعد سنين السجن، أن أتمسك بالأمل. نزعه الحبس مني نزعاً. أجد صعوبةً مبرحةً في الرومانسية والحلم. لكنني اليوم أشاهد معركة علاء بجسده الواهي، وسناء بصوتها الصادح وحيداً، فأختار أن أصدق أن الفصل الأخير ما زال في طور الكتابة

تقول سناء: لقد انتصر علاء بالفعل. بغض النظر عما ستؤول إليه الأمور، ما حدث الآن أنهى المعركة الحقيقية التي لم تبرح تدور منذ ثورة يناير: في غياب السلاح، سرديتكم أتفه من أن تنتصب.

يشقّ عليّ بعد سنين السجن، أن أتمسك بالأمل. نزعه الحبس مني نزعاً. أجد صعوبةً مبرحةً في الرومانسية والحلم. لكنني اليوم أشاهد معركة علاء بجسده الواهي، وسناء بصوتها الصادح وحيداً، فأختار أن أصدق أن الفصل الأخير ما زال في طور الكتابة. أختار أن أحلم بلقاء قريب أحتضن فيه علاء، وألاعب خالداً الذي يمتطي كتفيه في مرح، وأشير إلى منى التي تحتضنه من يمينه، بينما يحيط ذراعه اليسرى بأمه ضامّاً إياها، وتتقافز سناء حولهم بخفتها المعهودة التي نحب.

أختار أن أصدّق أننا لم نُهزَم بعد.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard