شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!

"تفضّلْ بقبول سخطي الشديد وفائق اشمئزازي"... مع رسائل سعيد تقيّ الدين

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الثلاثاء 29 نوفمبر 202206:15 م

تندرج هذه المادة ضمن ملف الرسائل (أمّا بعد)، في قسم ثقافة، رصيف22.


اشتهر عن سعيد تقيّ الدين رسائله إلى أخيه بهيج حين نجح هذا الأخير في الانتخابات النيابية. فلم يكتب ليهنئه بعبارات متداولة، بل جاء كلامه أقرب إلى الزجر الاستباقي والوعظ والتنبيه، كعادة سعيد في الكتابة والقول. إنما هذا الكاتب الذي عمل في التجارة وخبر المهجر والسجن، وخاض المعتركين السياسي والدبلوماسي، وكتب في القصة القصيرة، والمسرحيّة، والمقالة، والخطبة، ولم تأتِ رسائله السياسيّة والأدبيّة والإخوانيّة أقلّ بلاغة وتهكّماً وتفكّهاً من مجمل ما كَتب.

مع عجاج المهتار: التراسل بين سجين وطليق خبر السجن

وصلت نسخة من المجموعة القصصية "غابة الكافور" إلى الشاعر الشعبي عجاج المهتار في سجن الرمل (حيث اعتقل في العام 1949)، فكتب رسالةً لصاحبها سعيد يضمّنها ملاحظات نقديّة وسياسيّة، ومنها قوله: "تقول إنّ أكبر همّي في الحياة أن أقنع أمّي أنّي لم أعد طفلاً. ليس من الصعب على المرء أن يقنع أمَّه أنه لم يعد طفلاً، بل إن الصعوبة العظمى هي أن يقنع أمّتَه أنه صار رجلاً". ينوّه سعيد بهذه الملاحظة التي جعلتْه يغيّر عنوانَ مسرحيته من "المليون ضائع" إلى "المنبوذ" (1953).

ولكنّه يردّ على السجين برسالتين، الأولى مؤرّخة بتاريخ 19 كانون الثاني 1951، والثانية في الثاني والعشرين من شهر أيار/مايو من العام نفسه. ويردّ أسبابَ السرعة في الردّ إلى نغمة يسمعها من الناس مشابهة لما قرأه في نقد المهتار من أنّ سكّان القصور لا يردّون على المغمورين في القبور. فيذكّره بأنه لقي في الماضي من الاضطهاد والعذاب والفقر والأخطار ما لم يجده هو نفسه في سجن الرمل، مشيراً إلى سجن "فورت سانتياغو" لدى اليابانيين، حين كان في الفليبين إبّان الحرب العالمية الثانية.

ومن يريد أن يقنع أمته بأنه رجل، له أن يسلك أحد الطريقين: إمّا أن يمسي "كومندر"، وإما أن يتبع سواه. ويتابع بأنّه لا يجد قائداً يتبعه، ولا جمهوراً يدفعه: "إن كنتَ تنتظر ظهور تشرشل في لبنان أو ستالين، فابحث قبلُ عمّن يصلحون لأن يكونوا جنودَه... فسفينة النجاة لن تسيّرها رياح الهتافات، ولن تبحر في أوقيانوس من زبد الأشداق". ويطالبه بأن يشعل كلٌّ منهما شمعته إن أرادا أن تشعّ النوار؛ إذ ليس في وسعه أن يريه ساحةً أنارها، بل بمقدوره أن يشير إلى زاوية أضاءها.

في إحدى الرسالتين نغمةُ عتاب من سعيد، تتضح في قوله لعجاج المهتار إنّ عداءً خفيّاً يسود نفس المحروم، وفي أكثر الأحيان لا يستشعره. فالمريض يبغض الصحيح، والفقير الغني. كذلك السجين فإنه يبغض كلَّ طليق، "ولا عجب أن يسيء المرء إلى من يبغضه، في حين يحسب أنه يكيل له الإطراء".

النائب وأخوه: وسّعْ أفقك وابتعد عن اللغة الخنفشاريّة

في جريدة "كل شيء" الأسبوعيّة (تأسست سنة 1947، واستمرت لأربع سنوات)، ينشر صاحبها محمد البعلبكي أربع رسائل وجّهها سعيد إلى أخيه النائب بهيج تقي الدين. ويصفها البعلبكي بأنّها ذاتُ مرتبة خاصة في أدب الرسائل السياسيّة. وإن كانت الرسائل تتضمّن تصريحاتٍ سياسيّة، غير أنّ الأديب لا تفوته تلميحاتٌ، بل مُلَح، في النقد الأدبي. فيرجع فوز أخيه في الانتخابات إلى عدم قراءة ناخبيه منشورَه الانتخابي الذي افتتحه بعبارة "صار لزاماً عليّ".

"تقول إنّ أكبر همّي في الحياة أن أقنع أمي أنّي لم أعد طفلاً. ليس من الصعب على المرء أن يقنع أمَّه أنه لم يعد طفلاً، بل إن الصعوبة العظمى هي أن يقنع أمّتَه أنه صار رجلاً"

عبارة تدفع سعيد إلى مناصرة خصوم أخيه بدلاً منه. يتابع في رسالته متسائلاً عن جدوى التعليم في المدارس: "حتى يُحيك مثقفونا من اللغة العربيّة حجاباً يعزلهم عن سواد الناس؟... لماذا لم تقل (ضروري)؟ يفهمها أربعون مليون عربي". ويختتم رسالته بمادتين من جملة مواد تشريعيّة يقترحها على أخيه، بأن يُحرم من حق النيابة من يفتتح منشوره بـ"صار لزاماً عليّ" في إحداها. وفي الأخرى إباحة "السعتقيّة" وإثباتها في قاموس عربي جامع.

والسعتقيّة، نسبة إلى سعيد تقيّ الدين، هي مذهب يرمي إلى إغناء العربيّة بإثبات أيّ كلمة إفرنجية نحتاجها، أو اشتقاق لفظة جديدة. ليس هذا فحسب، بل يقترح استحداث "كرسي البداوة" في إحدى الجامعات، وتدريسها تدريساً عمليّاً بالعيش في الخيام. ويعلّل ذلك في "أنّ البدو هم قوة روحيّة، وقوة اجتماعيّة، وقوّة حربيّة أهملناها. هم على ضربة حجرٍ منا، ولا نفهمهم ولا يفهمونا".

أما في المستويين الوطني والقومي، فينصح أخاه بأن يوسّع أفقَه، وأن يعمل الطيب في الوطن الأكبر- العالم العربي- فيجد إذ ذاك من يعيد انتخابه. فكل ما يبعده عن الناس هو شرير "إن كان تعصّباً دينيّاً أو عقيدة اجتماعيّة، أو لغة خنفشارية". ولعلّ في ما ساقه من سببٍ لامتلاك النائب عينين اثنتين مثالاً لكل سياسي: "واحدة ليرقب بها يوم الانتخاب القادم، والثانية لتبقى محملقة بيوم الانتخاب الماضي. فلا تنسَ... أن تسأل نفسك: تُرى لو اقترعوا اليوم مرة ثانية هل يعيد الشعب انتخابي؟".

أدونيس "الفطحل" مع أستاذه سعيد

عندما كان سعيد تقيّ الدين (1904- 1960) ذا حضور وشهرة واسعة في الأوساط الأدبيّة في زمانه، كان أدونيس (مواليد عام1930) شاعراً مغموراً. تميّز سعيد بجرأته ومواقفه الحادّة، وبسرعة غضبه وسلاطةِ لسانِه، كما بنحتِه للألفاظ الساخرة. إنّما لم يوفّر جهداً في رعاية الأدباء الناشئين أمثال علي أحمد سعيد الذي اتخذ اسمَ "أدونيس" له. وبقدر ما كان سعيد رؤوفاً بالشعراء الموهوبين الناشئين وهو ينتقد نتاجهم ويصوّبه، فقد كان قاسياً مع البالغين الذين لا يفقهون من الشعر إلّا نظمه. فيردّد عبارته الشهيرة: "أهذا شعر؟!".

"لا تكتب إلّا الشعر. لقد دوّختني بعد قراءة مقاطع لك من (الجيل الجديد)"

في بداياته، كان ثمة من وجهه أدبيّاً، أمثال إبراهيم الأخ الأكبر للشاعرة الفلسطينيّة فدوى طوقان، وقد أدّت شهادتها بسعيد في مقدّمة ديوان أخيها، يوم كان طالباً في الجامعة الأمريكية، وقبل سفره إلى الفيلبين لتولّي أعمال القنصليّة هناك. وبعد عودته من مغتربه عام 1948، كان لأدونيس قصائد منشورة في دوريات عربيّة عديدة، مثل "الصياد"، و"القيثارة" منذ أواسط الأربعينيات. إنّما كان، على ما يبدو، بحاجة إلى سعيد في مجال الشهرة والانتشار، خصوصاً أنّ بيروت كانت عاصمة الصحافة والأدب آنذاك. وبعد أن وصلته نماذجُ من قصائده، وجد أنّ أدونيس بحاجة إلى أمرين غير الشهرة وقبلها، هما تغليب الغيريّة على الأنا، وإغناء مفردات القاموس الشعري.

في رسالة ينشرها جان دايه موثّقة في كتابه "رسائل مجهولة إلى أدونيس" (فجر النهضة، 1997)، يطلب سعيد من أدونيس بعض الأبيات لتقويةِ إحدى خطبه، فيلبّي الشاعر طلبَه، ولا يغفل الخطيب أن ينوّه به وبموهبته في سياق خطابه. ويزوّد أدونيس الناشرَ بتسع رسائل وجّهها إليه سعيد تقي الدين بين عامي 1953 و1957، مكتوبة بالحبر الأخضر، قصيرة، لكراهيته الاستطراد، بعضها يحمل تاريخاً والبعض الآخر غير مؤرّخ. ويضمّن في إحدى رسائله له نقداً لشعره.

في إحدى رسائله (نيسان 1953)، يتوجّه سعيد بالطلب إلى أدونيس في دمشق إقراضه بعض الأبيات لتوظيفها في خطاب سيُلقيه بمناسبة حفلٍ تكريمي لوديع البستاني الذي نقل إلى العربية عمر الخيّام (عام 1915)، وبمناسبة نشر ملحمة "المهبراتا"، موضّحاً أنّها طبعت بجهوده حين كان رئيس جمعية المتخرّجين، ويعلّل طلبه قائلاً: "لأنّ مزاحمة الشعر على المنبر شيء مستحيل"، ولأنّه يريد أن يكسف جميع الخطباء في الحفل.



وفي رسالة لاحقة إليه، يقول: "لا تكتب إلّا الشعر. لقد دوّختني بعد قراءة مقاطع لك من (الجيل الجديد)". وعلى عادة سعيد في الكلام، يعاتب أدونيس على عدم قراءة مؤلفاته بالقول: "وبعد هذا تطلب نسخاً من مؤلفاتي. صحيح إنك قليل الذوق. يجب أن تقرأ من الله وطالع". وفي ردّ -بعد الاحتفال- على سؤال يتعلّق بسرّ نجاحه في خطابه، يقول إنّ السرّ في الإعارة والتأجير، معدّداً، بامتنان ومحبّة، أسماء من استعار منهم، أمثال خليل حاوي، فمن قصيدته اقتبس عبارة "يا غداً يؤثر" ليضمّنها كلمة الختام، ومن أدونيس بعض الأبيات لتزيين خطابه.

مع عمالقة الصحافة والأدب

أن يتخذ غسان تويني رسالة سعيد اللاذعة ردّاً على مقاله "أمثولة في الزهد" في جريدة "النهار" (العدد 5060- 23 نيسان 1952)، بديلاً عن مقال افتتاحي، يعرّفنا بزمن عظيمٍ للنقدِ ومعاركه، في القول والتداول والجرأة. ويمهّد تويني للرسالة مرجّحاً أن يكون حظُّها في القراءة أفضل من حظّ المقال، مع تسجيله عدم الموافقة على لغة "الشيخ سعيد".

كان موضوع المقال زهدَ الرئيس الأمريكي ترومان بالترشّح للمرة الثالثة للحكم، ويصفه سعيد بأنه بائع كرافتات، متسائلاً عن المناسبة التي أوحت بالكتابة. ويرفض التعرّف إلى ما ليس موجوداً في عالمه العربي من مشاكل: "أخي غسان، تفضّل بقبول سخطي الشديد وفائق اشمئزازي على ومن مقالك... ولا يهمّني أن ذلك المقال أعجب الناس، فشرط النجاح في لبنان أن تفعل ما لا يعجب الناس... إنكم جماعة الثقافة الأمريكية تقيمون نفوسكم دعاةً لكل شيء أمريكي، حتى لو كان هذا الشيء اسمه ترومان".

"أخي غسان، تفضّل بقبول سخطي الشديد وفائق اشمئزازي على ومن مقالك... ولا يهمّني أن ذلك المقال أعجب الناس، فشرط النجاح في لبنان أن تفعل ما لا يعجب الناس... إنكم جماعة الثقافة الأميركية تقيمون نفوسكم دعاة لكل شيء أميركي، حتى لو كان هذا الشيء اسمه ترومان"

يبدو أنّ بين مؤسس جريدة "الصحافي التائه" الساخرة (1922) إسكندر رياشي وسعيد تقي الدين، صلات مودّةٍ ورفقةِ درب سياسي، وتشابهاً في اللغة والتندّر والظُرف. ويثبت جان دايه في كتاب "يدي إلى قلبي" (2001) خمس رسائل كتبها سعيد لإسكندر، يقترض فيها الأول من لغة الثاني، على غرار لازمة " أبداً مطلقاً تماماً"، ولفظي "التفشير" و"الجنتلمن". ويردّ الأمر في تقليد أسلوبه إلى نوع من الإطراء، ولأنّ بعض الأوساط لا تقدّره كما يستحق. أمّا رياشي فيعقّب بالقول إنّ الله خلق سعيد تقيّ الدين ليضع العباد دوماً في أحرج المآزق، لأنه يقول دوماً الحقَّ، ولو كان في ذلك مخاطرة.

لا يخفي سعيد طربَه للمديح، ولا ينفي عنه صفةَ الغرور، فقد كتب بعض أعماله في مرحلة حرجة من العَوز وازدراء الناس له، الأمر الذي أثار في نفسه قوة مقاتلة. هذا ما اعترف به لصديقه سهيل إدريس من مانيلا (1946) في رسالة يشكره فيها –بطريقة مواربة- على نشره نقداً لمسرحيته "نخب العدو" في جريدة "بيروت". لكنّه، في الوقت نفسه، يسيئه أن يعيب إدريس عليه خلقَ ألفاظ يحتاجها، لا يجد لها أصلاً عربيّاً معلوماً، فيسأل: "من الذي أعطى الأقدمين امتيازاً حرمنا من اختراع الكلمات؟".

تشكّل هذه الرسالة مرجعاً لبعض الألفاظ المشتقّة الواردة فيها، تماماً كرسائله إلى رياشي وغيره، منها "عتليت"، من عائلة اللفظين الأجنبيين للرياضة (Athletics) والرياضيات (Mathmatics)، ولفظ "السادية" الذي يراه معادلاً موفّقاً للفظ الأجنبي (Sadism). أما "تمحدل" (من المحدلة) فتطفح به القريحة الجبليّة، و"سَرغس" فتجترحه المخيّلة الشعبيّة البيروتيّة، لينتهي إلى كلمة "تطربش" (من طربوش) معترفاً بأنه دوّنها ولم يخترعها، فلماذا لا يُبيح استخدامها -جميعها- سهيلُ إدريس؟!

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard