شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
المخرجة الفلسطينيّة مها الحاج: "لا أقلّل من أهميّة الجمهور الغربي، لكنه غير قادر على التأثير السياسي"

المخرجة الفلسطينيّة مها الحاج: "لا أقلّل من أهميّة الجمهور الغربي، لكنه غير قادر على التأثير السياسي"

ثقافة

الخميس 27 أكتوبر 202212:16 م

فيلمان روائيّان طويلان هما رصيد المخرجة الفلسطينيّة مها الحاج (1970)، فيلم "أمور شخصيّة" 2016، وفيلم "حمّى البحر المتوسّط" 2022، الذي حصد جائزة أفضل سيناريو في مهرجان "كان" السينمائيّ الدوليّ في دورته الأخيرة، كما اختير لتمثيل فلسطين في المنافسة على جائزة أفضل فيلم دوليّ لجوائز الأوسكار للعام المقبل.

وتدور أحداث "حمّى البحر المتوسّط" الذي صوّر بين حيفا وقبرص حول كاتب فلسطينيّ يُعاني من الاكتئاب، ويكوّن صداقة مع جاره المحتال، فتنشأ صداقة حقيقيّة بين الرجلين، وينفّذان مخططًا شريرًا معًا.

وما بين إنتاج الفيلمين، لم يكن الأمر متعلّقًا بستّ سنوات فحسب، وإنّما في المسألة الأساسيّة في السعي نحو التحرّر من الدعم الإسرائيليّ في عمليّة الإنتاج في الداخل الفلسطينيّ.

بدأ هذا الحوار الذي أجريناه مع الكاتبة والمخرجة الفلسطينيّة مها الحاجّ، بجملة قالتها لي: "اعذريني، سأبحث عن رصيف لأجلس عليه وأستكمل الحديث معك"، وهو ما كان إلى حدّ ما، مدخلًا مريحًا إلى هذا الحوار بشكل أقرب إلى الدردشة، حول تجربتها السينمائيّة، والمشاكل الإنتاجيّة التي تواجه صنّاع الأفلام في الداخل الفلسطينيّ.

تصف مها الحاجّ لرصيف22 المشاكل الإنتاجيّة التي واجهتها في فيلمها الأوّل الطويل "أمور شخصيّة": "حينها، لم يثق بي أحد، كنتُ جديدة في المجال ولم يدعمني أحد، لم يقبل أحد حتّى بقراءة النصّ، لكنّني كنتُ أريد صناعة الفيلم، لذلك اضطررت إلى طلب الدعم من جهة إسرائيليّة، وتحمّلت الهجمة عليّ وحتّى المقاطعة، لكنّني كنتُ على ثقة أيضاً بأنّني لن أكرّر هذه التجربة… حينذاك، كنتُ أسعى للتعريف عن نفسي ككاتبة ومخرجة، ومن شاهد "أمور شخصيّة"، سيدرك كم كان الفيلم فلسطينيًّا خالصاً بحكاياته وشخوصه".

وأكّدت مها الحاج على إصرارها "أن يكون فيلمها الثاني "حمّى البحر المتوسّط" فلسطينياً ويمثّل فلسطين، خاصّة بعد التجربة التي خضتها في الفيلم الأوّل".

لا تفصل مها الحاج بين شخصيّتها ككاتبة ومخرجة، إذ تصف على سبيل المثال، شخصيّة وليد التي أدّاها بتمكّن الممثل الفلسطينيّ عامر حليحل، بأنّها تشبهها على الصعيد الشخصيّ، خاصّة فيما يخصّ مسألة الاكتئاب التي كانت ملازمة للشخصيّة، وتقول "كنتُ أقوى منه، وتخلّصت من الاكتئاب عن طريق الكتابة" كما أشارت إلى أنّها ككاتبة، "ليست قادرة على منح سيناريو كتبته، لينفّذه مخرج آخر… المسألة لديّ مثل أن تمنح الأمّ طفلها لأخرى من أجل تربيته، وهذا صعب جداً".

تقول: "منذ عرض فيلم أمور شخصيّة عام 2016، وجولة العروض العالميّة من بعده، وجدت نفسي أفكّر بقصّة جديدة عام 2017، الكتابة عندي تبدأ في الرأس، وأحياناً، أنقل بعض الأفكار إلى دفتر الملاحظات، ربّما تختمر الفكرة في رأسي عاماً كاملًا، ولكن عندما أقرّر الكتابة الفعليّة، لا يستغرق الأمر أكثر من شهر، وهكذا أصبح سيناريو "حمى البحر المتوسّط" جاهزًا في آذار/ مارس 2018".

وفي سياق الحديث عن سيناريو فيلمها الأخير وتجربتها ككاتبة، تمّ التطرّق إلى اختيارها لأدوار بطولة يؤدّيها رجال، وهل كان ذلك مقصودًا أم لا، تقول مها الحاج: "لا، لم يكن ذلك مقصودًا أبدًا، لكنّني وجدت فيه التحدّي كوني امرأة تريد أن تحكي عن رجلين، عن عالم ليس عالمي، عن شخصيّات لا تشبهني، لكنّها تتقاطع معي إنسانيًّا". حرصت الحاجّ على إبراز قوّة النساء في فيلمها، حتّى لو كانت المشاهد قليلة، تقول "في الفيلم هنّ نساء قويّات، فاتحات بيوتهن، ولولا قوّة زوجة وليد، لما أعطته المساحة للتفكير في الكتابة، وزوجة جلال أيضًا، نموذجان للمرأة بكلّ الأوصاف، زوجة، أمّ، عاملة…".

بين النسخة الأولية والأخيرة

من شاهد فيلم "حمّى البحر المتوسّط"، سيلاحظ أنّ الأحداث لم تكن متوقّعة على الإطلاق. كانت طوال الوقت تشكّل منعطفات تجعل المشاهدين في ترقّب مستمرّ، وعدم القدرة على التنبّؤ بما سيحدث لاحقًا.

منذ عرض فيلم أمور شخصيّة عام 2016، وجولة العروض العالميّة من بعده، وجدت نفسي أفكّر بقصّة جديدة عام 2017، الكتابة عندي تبدأ في الرأس، وأحياناً، أنقل بعض الأفكار إلى دفتر الملاحظات، ربّما تختمر الفكرة في رأسي عاماً كاملًا، ولكن عندما أقرّر الكتابة الفعليّة، لا يستغرق الأمر أكثر من شهر

تقول الحاج التي اختارت الفنان عامر حليحل للعب دور وليد، وأشرف فرح لدور جلال: "عندما أكتب القصّة، لا أفكّر بما سيحصل. أنا أُفاجأ تمامًا مثل المتلقّي… أخلق الشخصيّة، وأنفخ فيها الروح والحياة لتصبح شخصيّة مستقلّة، فأنا لا أستطيع السيطرة على الشخصيّة في الكتابة، بل هي التي تسيطر عليّ تماماً، وكأنّني خلقت الشخصيّة وتركتها تكتب نفسها بنفسها، وهذه المرحلة من الكتابة هي الأكثر متعة، إذ تكون مع الدرافت الأوّل الذي يقود الكاتب، وهنا تكمن المتعة، لذلك تفصيلة عنصر المفاجأة تختمر في هذه المرحلة، لكن بعد ذلك، يتحوّل الأمر إلى واجب يحتّم عليّ ككاتبة التقيّد بعناصر محدّدة، مع آلية التحرير التي تتشكّل مع الدرافت الثاني، وهنا، أصبح قاسية على نفسي وأنقد عملي، وأبدأ بعمليّة التنقيح والتعديل للوصول إلى النسخة النهائيّة الجاهزة".

وليد يشبهني

تؤكّد مها الحاج أنّ ظروف الكتابة ما بين فيلم "أمور شخصيّة" وفيلم "حمّى البحر المتوسّط" لم تختلف، على الرغم من أنّ فيلمها الأوّل كان يتحدّث عن ست شخصيّات، مقارنة بالفيلم الثاني الذي يركّز على شخصيّتين اثنتين فقط. تقول: "الشخصيّتان، وليد وجلال، هما من صنع خيالي كليًّا، لكن أنا بالنهاية، لستُ كاتبة من اليابان، شخصيّة وليد تشبهني، أنا كاتبة، ولديّ حسّ وطنيّ، أحمل السلّم بالعرض طوال الوقت، موضوع فلسطين بالنسبة لي أصبح شبيهًا بالحركة التبشيريّة، وأعاني من الضائقة الفكريّة والنفسيّة. شخصيّا، دخلت هذه المرحلة وأنا أعرف تماماً ماذا يعني الاكتئاب، أعرفه من نفسي ومن تجربتي، ووصلتُ إلى حالة لا أستطيع فيها رؤية أيّ ضوء في آخر النفق. هذا اليأس كلّه حمّلته على كاهل شخصيّة وليد، لكنّ الفرق بيننا، أنّه ذهب إلى "الإكستريم" مع الاكتئاب، أمّا أنا، فلم أصل إلى تلك النقطة. أنا وجدت المخرج، أما هو فلا، وكان الفيلم وكأنّه يطرح سؤالًا في وجهي: لو لم أستطع التنفّس من خلال الكتابة، هل كنت واجهت نفس المصير الذي واجهه وليد؟".

كانت حالة الاكتئاب واضحة وحاضرة في الفيلم، مع الشخصيّتين وليد وجلال، وذلك على الرغم من أنّ شخصيّة مثل شخصيّة جلال، خدعتنا بحبّه للحياة، وعدم اكتراثه لأيّ شيء يدور من حوله. لقد كانت المفاجأة في النهاية، حيث تصفها الحاج "أعتقد أنّ الفلسطينيّ في أيّ مكان، في الضفّة وغزّة والداخل الفلسطينيّ والشتات، لا يرى الأفق، يشعر بأنّه محبوس طوال الوقت، لا يعرف متى سيخرج، لا يوجد أيّ حلّ سياسيّ أو إنسانيّ. أما العالم العربيّ، فحدّث ولا حرج، ولكن ما المخرج". وعادت إلى تفصيلة في فيلمها ما بين جلال ووليد، عندما قال وليد: "الموت أرحم، لكن هذا جبن، الخوف من الحياة هو الجبن".


أين أفلامنا؟

تقول مها الحاج عن السينما الفلسطينيّة وتطوّرها: "لا أحد ينكر أنّ السينما الفلسطينيّة لها حضورها القويّ في أهمّ مهرجانات العالم السينمائيّة، والحضور أيضًا بدأ بالتصاعد في المنصّات، وحتّى التطوّر في نقل القصص الفلسطينيّة أصبح ملحوظًا وبعيدًا عن الستيريوتايب، وبات الاحتلال يظهر في كلّ تفصيلة، إمّا بشكل مباشر أو غير مباشر، لأنّه موجود في النفس، فالحالة الفلسطينيّة كلّها محتلّة، وهذا ما استطاعت السينما الفلسطينيّة تأكيده".

وعن سؤال أين يذهب الفيلم الفلسطينيّ بعد كلّ هذا الاحتفاء الدولي والإشادات النقديّة التي يتلقّاها، تجيب الحاجّ: "شخصيّا، كمخرجة يهمّني أن يشاهد الجمهور الفلسطينيّ فيلمي، فهذا الفيلم له وعنه، لكن للأسف، أفلامنا تعرض في محافل محلّيّة محدودة بعد الجولة العالميّة، ومناطق معيّنة. أتمنّى أن يشاهد الجمهور في غزّة أفلامي، لكن كيف، أتمنّى أن يشاهده أهل المثلّث في الداخل أيضًا، وأهالي الناصرة والضفّة، أريد لكلّ فلسطين أن يشاهد الأفلام، وهذا كلّه يندرج تحت الاحتلال وما يفعله لفصلنا".

يهمّني أن يشاهد الجمهور الفلسطينيّ فيلمي، فهذا الفيلم له وعنه، لكن للأسف، أفلامنا تعرض في محافل محلّيّة محدودة بعد الجولة العالميّة

ومع الحديث عن أهميّة الجمهور الفلسطينيّ بالنسبة لها، تطرّقت الحاج إلى الجمهور الغربيّ، خاصّة أنّ الحركة الصهيونيّة في بداياتها لجأت إلى استغلال الفنّ وفرض روايتها المزعومة ونجحت بذلك. تقول: "لا أقلّل من أهميّة الجمهور الغربي في مشاهدة الأفلام الفلسطينيّة، وأنا شاهدة على ردّة فعله المباشرة بعد عرض هذه الأفلام التي تجدد الأمل ولو كان ضئيلًا في تغيير الصورة النمطيّة، لكنّ الفرق أنّ هذا الدعم لا يخرج من قاعة العرض لغياب دعم الحكومات الغربيّة بشكل عام للقضيّة الفلسطينيّة، على عكس دعمها لإسرائيل، لذلك يكون التعاطف مؤثرًا على الصعيد الإنسانيّ من ناحية الجمهور، لكنّه غير قادر على التأثير السياسيّ.

Website by WhiteBeard