شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
كيف خبّأت نسوة شرق سوريا الذهب ونجَون حين وصل "اليوم الأسود"؟

كيف خبّأت نسوة شرق سوريا الذهب ونجَون حين وصل "اليوم الأسود"؟

حياة

الثلاثاء 25 أكتوبر 202203:51 م

لا أعتقد أن أمي خصوصاً، ونساء المنطقة الشرقية عموماً، كنّ على دراية اقتصادية كاملة حين قررن وبشكل مفاجئ في العام 1996، أن يبعن كل ما يمكن الاستغناء عنه مؤقتاً، من أثاث منازلهن، ليضفنه إلى المدّخرات المالية التي يضعنها في حسابات "اليوم الأسود"، ومن ثم يتجهن نحو "سوق الصاغة"، ليشترين ما يمكن شراؤه من الحلي الذهبية.

كانت النسوة آنذاك بوصفهن العقل المدبر للمآرب الاقتصادية في المنزل، يجنحن نحو شراء الحلي الكبيرة وذات "الموديل" البسيط الخالي من الزخارف والأحجار الكريمة، والغاية هنا خفض قيمة الصنعة اليدوية للصائغ المضافة إلى الفاتورة تحت بند "قيمة صياغة"، لأن هذا المبلغ سيتم حسمه حين يردن بيع الحلي إن بزغت شمس اليوم الأسود الذي يخَفْنَه، وعموماً لم يكن ثمة تعريف واحد أو جامع لهذا اليوم، فالأمر لم يكن مقتصراً على مرض أو مصيبة ما، ولم يكن يخطر في بال أي منهن أن هذا اليوم سيكون فاتحةً لسنوات طويلة من الحرب التي تجبرهن وعوائلهن على النزوح.

1996نقطة التحول

كانت النسوة بوصفهن العقل المدبر للمآرب الاقتصادية في المنزل، يجنحن نحو شراء الحلي الكبيرة وذات "الموديل" البسيط

شهد سعر الذهب عام 1996، انخفاضاً عدّه البعض شديداً. حينها تذكر السيدة بسمة، خلال حديثها إلى رصيف22، أن سعر الغرام وصل إلى 240 ليرةً سوريةً (5 دولارات للغرام الواحد)، بعد أن كان سعره 320 ليرةً. تقول: "حينها اتخذت قراراً بالتشارك مع زوجي بأن يتم تحويل كامل المدّخرات المالية إلى ذهب، كونه يبقى على قيمته مهما طرأ، وتم ذلك بالفعل. ولأننا كنا متأكدين من أن هذا الانخفاض في السعر سيكون مؤقتاً، قمنا ببيع ثلاث بقرات من مجموع ما كنا نربّيه في قرية السويعية بالقرب من مدينة البوكمال على الحدود مع العراق، وتم تحويل ثمنها إلى ذهب، ولم نكن نستعجل بيعه فتركناه للأيام السوداء".

تصف أم مأمون، الحالة بـ"الغيرة" التي حركت عدداً من النساء لتقليد جاراتهن للاستفادة من انخفاض سعر الذهب وشراء كميات منه أياً كانت، ومن كنّ يقدرن في فترة صيف العام 1996، على تحصيل مبالغ أكبر، كن يجنحن إلى شراء "المقادير-المباريم"، كونهن من الأساور قليلة الزخرفة وكبيرة الحجم، أي أن ما سيضاف إلى قيمة الفاتورة تحت بنت "صياغة"، أي بدل أتعاب الصائغ في صناعة الحلي، سيكون منخفضاً، ومثل ذلك "المحابس"، التي تكون عبارةً عن خاتم أملس الشكل لا زخارف فيه ولا أحجار كريمة، كما كانت الحلي التي على شكل "المصحف" مرغوبةً بشدة لكونها تُضمّ نسبياً إلى عائلة الحليّ قليلة الصياغة.

تضيف المرأة التي تدخل عقدها السابع من العمر، وتعيش حالياً في مدينة جرمانا شرق العاصمة، لرصيف22: "سمعنا حينها عن ذهب مغشوش بدأ بالانتشار. كان ثمة من بدأ بترويج مصاغ ذهبي مزوّر مصنوع من معدن مطلي بماء الذهب، والطريقة للتأكد منه كانت باستخدام ملح الليمون بعد حلّه في الماء، واستخدام فرشاة الأسنان أو أي فرشاة لفركه بقوة بالمحلول والتأكد من انعدام الغش، فالذهب لا تُقشر طبقته الأولى ولا يتبدل لونه إذا ما غُسل بأي مادة كانت".

قمت بتحويل المال الذي يرسله إبني إلى ذهب، وخبّأته مع مجموع ما أملك من مصاغ. ولأن الدنيا ليست مضمونةً، فقد حفرت في جدار منزلنا الطيني مكاناً خبأت فيه كنزي الصغير وتناسيت وجوده أساساً

تصف مزنى الحسن، الحالة التي شهدها العام 1996، بأنها امتداد لاكتناز الذهب من قبل نساء المنطقة الشرقية، فكلهن يرغبن في الحصول على المصاغ ليحتفظن به لمواجهة الشدائد، وتقول لرصيف22: "في بداية التسعينيات، رغب ابني الأكبر في السفر إلى المملكة السعودية للعمل هناك. كان الأمر يحتاج إلى تمويل ليتمكّن من تأمين فيزا العمل وتكاليف السفر والإقامة للشهر الأول، قبل أن يبدأ بتقاضي أجره الشهري. حينها، اتفقت مع ولدي أن أبيع لأجله ما أمتلك من مصاغ ذهبي على أن يعوّضني إياه ولو بشكل تدريجي، وبالفعل تم الأمر، ثم إني بدأت بتحويل المال الذي يصلني منه كمصروف شخصي لي إلى مصاغ ذهبي، وحين انخفض سعر الذهب اتصلت به طالبةً أكبر قدر ممكن من المال، وأرسل إلي حينها مبلغ 75 ألف ليرة سورية (نحو 1،500 دولار أمريكي وقتها)، وقمت بتحويل المبلغ إلى ذهب، وخبّأته مع مجموع ما أملك من مصاغ. ولأن الدنيا ليست مضمونةً، فقد حفرت في جدار منزلنا الطيني مكاناً خبأت فيه كنزي الصغير وتناسيت وجوده أساساً".

تواصلت عملية تخزين الذهب واكتنازه حتى بعد عودة أسعاره إلى الارتفاع في أواخر العام 1996، والأمر لم يعد سوى اعتياد من النساء على تخزين ما يفيض من مبالغ مالية نتيجة الأعمال الزراعية وتربية المواشي، وكان ثمة نوعان للاحتفاظ بالمال؛ الأول بتحويله إلى مصاغ ذهبي، والثاني من خلال التوسع في الملكيات الزراعية، وفي كلا الحالتين يقول صبحي الجاسم، إن والدته كانت هي مدير الصندوق المالي للعائلة كما يسميه.

2014... باب الخلاص

غامرت عوائل كثيرة في رحلات هروب محفوفة بالمخاطر ضمن طرق البادية السورية للخروج من المناطق التي كانت تسيطر عليها التنظيمات المتشددة، كجبهة النصرة ومن بعدها تنظيم "داعش"، ويقول عبيدة (اسم مستعار)، إن هروبه وعائلته من مدينة البوكمال كان عن طريق مُهرّب نقلهم في سيارة صغيرة عبر طرق التهريب القديمة التي تجتاز البادية الجنوبية لمحافظة دير الزور وصولاً إلى ريف دمشق الشرقي، وبلغت كلفة الرحلة آنذاك 200 ألف ليرة سورية عن كل شخص (100 دولار أمريكي وفقاً لأسعار صرف السوق السوداء حينها).

تواصلت عملية تخزين الذهب بعد عودة أسعاره إلى الارتفاع في أواخر العام 1996، لاعتياد النساء على تخزين ما يفيض من مبالغ مالية

يضيف: "لم يكن من الممكن نقل كميات كبيرة من الأموال حينها، لكن النسوة حملن مصاغهن الذهبي بعد ارتدائه أو إخفائه في ملابسهن الداخلية، وكان الأمر من باب الاحتياط لإمكانية الوقوع في كمين لتنظيم داعش أو المرور بأحد حواجزه في البادية، وحين الوصول إلى العاصمة بدأت عملية بيع الذهب على دفعات، فأول الأمر كان بيع جزء من ممتلكات العائلة من الذهب بهدف دفع إيجار منزل في أي منطقة من دمشق، وفي كل مرة كنا ندخل فيها إلى مكتب عقاري بهدف السؤال عن منزل، كان صاحبه يطلب رقماً كبيراً يعادل ثلاثة أضعاف السعر المعمول به في السوق، والسبب أن سكان العاصمة كانوا ينظرون إلى سكان المنطقة الشرقية على أنهم تجّار نفط لما أشيع حينها عن سيطرة سكان المنطقة على الحقول النفطية الموجودة في ريف دير الزور، متناسين أن القوة التي تمثلت في التنظيمات المتشددة فرضت نفسها كسلطة أمر واقع على تلك الحقول".

وخلال صيف العام 2016، وصلت مجموعة كبيرة من النازحين إلى شرق العاصمة السورية وشرق السويداء بعد الفرار من مناطق سيطرة داعش، وحينها أوقفت الحكومة السورية النازحين بشكل مؤقت، ونقلتهم إلى مركزَي إيواء في كل من "معسكر الطلائع"، ومدارس بلدة "الضمير"، وتجاوبت حينها مجموعة من المؤسسات الخيرية والمنظمات الإغاثية مع احتياجات النازحين الذين كان قد تم توقيفهم لإجراءات قانونية تسبق دخولهم العاصمة، ولوجود احتمال تسلل خلايا تابعة لداعش بينهم.

وبالرغم من أن الإجراءات لم تطُل، إلا أن موظفاً في منظمة إغاثية تحدث حينها عن تعرضه لمحاولة رشوة من سيدة كانت تريد الوصول إلى الحدود اللبنانية بأقصى سرعة ممكنة، وقد عرضت عليه كميةً من المصاغ الذهبي لكونها لم تكن تمتلك المال، وقد أبلغ الرجل حينها عنها لخشيته من التورط في ملف أمني، وتبيّن أن السيدة لم تكن مطلوبةً أمنياً لكنها تريد الاستعجال في العبور من نقاط التجمع بحسب عبيدة.

"لولا ذهبنا"

يقول حاتم المحمد لرصيف: "تفاجأت بما تمتلكه أمي من مصاغ ذهبي، وبفعل فارق الأسعار تمكنّا من شراء منزل في منطقة جديدة عرطوز، ولاحقاً تمكّنت أمي من تمويل مشروعين يمكّناننا من إعالة الأسرة، والمشروعان هما محلان لبيع وتقديم خدمات الموبايل"، فيما يكشف أبو جود، عن مفاجأته حين علم أن كلاً من والدته وعمته كانتا تخبئان كميات يمكن وصفها بالكبيرة من الذهب الذي اكتنزتاه على مدار أكثر من ربع قرن. وحين سؤالهما عن الأمر من قبل العائلة، كان جوابهما: "لولا ذهبنا كنا تبهدلنا". ولأن الذهب لا يمكن بيعه من دون وجود فاتورة صادرة عن الصائغ الذي تم شراؤه منه، فقد كانت النسوة يحفظن هذه الفواتير بعناية فائقة مع بقية الأوراق الثبوتية للعائلة.

علمت أن كلاً من والدته وعمته كانتا تخبئان كميات كبيرة من الذهب الذي اكتنزتاه على مدار أكثر من ربع قرن. وحين سؤالهما عن الأمر من قبل العائلة، كان جوابهما: "لولا ذهبنا كنا تبهدلنا"

هناك مصادر عدة للمال الذي أظهره سكان المحافظات الشرقية، وخاصةً ريف دير الزور، حين نزوحهم إلى دمشق والمدن الآمنة. غالبية أصحاب العقارات يتعاملون معهم على أنهم فاحشو الثراء بسبب تجارة النفط، لكن مصادر أموالهم كانت من اكتناز الذهب، ومن بيع مساحات زراعية قبل النزوح، أو من خلال دعم مالي عبر الحوالات الخارجية التي تصلهم من ذويهم المقيمين في دول الخليج عموماً، ومن لم يقدر على افتتاح مشروع استثماري خاص، كشراء سيارة أجرة (تاكسي)، أو افتتاح مطعم أو "فرن تنور"، فإنه يعتمد على الحوالات الدورية التي تصله من ذويه، أو من خلال العمل في مهن بسيطة كبيع النساء للخبز من خلال الوقوف على مفارق الطرق حاملان خبزهن، أو من خلال العمل في مهن أخرى. كما أن عدداً قليلاً من النسوة الصغيرات في السن، اتجه نحو العمل قي المقاهي والمطاعم والملاهي الليلية، وهؤلاء من لم تكن كميات الذهب التي اكتنزنها كافيةً بالقدر الممكن للنجاة، أو كن من الفقراء الذين لم يكونوا أساساً قادرين على حفظ أي كمية من المال أو الذهب لـ"الأيام السوداء"، فغرقن في ظلامها.

Website by WhiteBeard