شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
وعود صيف عام 1982 اللبناني ونكباته

وعود صيف عام 1982 اللبناني ونكباته

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الجمعة 14 أكتوبر 202209:54 ص

كل السبل المفضية إلى الماضي سُدّت

فما الذي يعود عليّ من الماضي اليوم؟

ماذا هناك؟ بلاط القبور

وإليه، دم وباب موصد،

أو صدى ليس في مستطاعه

الصمت، رغم أنني أتضرّع إليه...

وحَدَثَ مع هذا الصدى ما حدث

مع ذاك الذي يقرّ في القلب

أنّا أخماتوفا (1911-1966)/ صدى

مرّ "صيف" 2022 في مرآة 1982- من فاتحته الرهيبة في 6 حزيران/ يونيو، اليوم الأول من الغزو البري الإسرائيلي، إلى خاتمتيه القاتمتين في 14 أيلول/ سبتمبر، يوم اغتيال بشير الجميل، رئيس الجمهورية المنتخَب، و16- 18 منه، مَقاتل صبرا وشاتيلا الفلسطينية واللبنانية، وبينهما الحرب ومقاومتها، والانشقاق الأهلي، والانتخابات الرئاسية، والوساطة الدولية، وترحيل الفلسطينيين- مرّ على اللبنانيين وهم يتخبّطون في رمال أزمة متحركة تتهدّدهم بكبت بقية نفسهم ورمقهم الأخير، على ما يحسّون ويرون.

وبرز في معرض التذكّر، على وجهيه: الاحتفال والمأتم، إحياء "حزب الله" ذكرى إنشائه في الصيف العتيد هذا، وتأريخ النشوء بولادة أعماله العسكرية ضد القوات الإسرائيلية، من وجه، وحداد "الجمهور" المسيحي، النظامي وغير النظامي، على مقتل قائده الشعبي والعسكري والسياسي يومذاك، بشير الجميل، على باب مرحلة جديدة من تاريخ اللبنانيين، من وجه آخر.

وخلاف "الاحتفالين" الزمني، إلى الخلاف على المضمون التاريخي والسياسي، صارخ. فالأولون يحيون الخطوات الأولى التي خطتها طليعتهم على طريق صاعدة يحسبون أنها أفضت إليهم، وإلى تربّعهم في سدّة القوة المجيدة: انتصار "الشرق" على "الغرب الجماعي"، والإسلام الإلهي على الشياطين، والإرادة على الذلة، والحق على الباطل، وكربلاء على السيف... فتنتقل الرواية من وعد إلى نصر، ولا يبقى إلاّ فرج صاحب الزمان ليختمها، ومعها الزمان.

والآخرون يطلبون إلى "شيوخ" ستينيين أو سبعينيين عاصروا صاحبهم وكانوا صحابته، أن يرووا لهم، على صورة ملحمة مقصوفة أضمرت نصراً وعهداً ذهبياً وانتهت بمصرع حامل اللواء، سيرة الرجل وسيرة آمالهم. وتتردد رواية السيرة، في حلقات الشريط الذي كان قد أعدّه جورج غانم للشبكة اللبنانية للإرسال (إل بي سي) وجددت بثّه في 13- 17 أيلول/ سبتمبر المنصرم- بين توثيق الخطة والمشروع البشيريّين توثيقاً صحافياً، ومنقضياً ومطويّاً، وبين استلهامهما دروساً في الشجاعة والانقلاب على النفس والحنكة السياسية.

ذاكرة وعفو

قد لا تختصر معارضة "الحياة" بـ"الموت"، و"العرس بـ"المأتم"، السيرة المزدوجة، إلا أنها لا شكّ تظلّل نظامَيْ تذكّر وعمل على طرفي نقيض تاريخي فعلي. وتتناول مقالة فادي بردويل، أستاذ الفلسفة الفلسطيني-اللبناني في جامعة ديوك الأميركية، بعنوان "أبطال، إرهابيون، أيتام: أطياف 1982 اليوم"، هذا النقيض من وجه طرفين مختلفين جزئياً هما بشير الجميل و"حزبه"/ الترحيل الفلسطيني ومجزرة صبرا وشاتيلا وأهل الجمهورية الثانية ("وعلى رأسهم" بعض سلائل "الحركة الوطنية" السابقة).

ويخلص بردويل إلى المقابلة بين الذاكرة في "مشروع صياغة الهوية الفلسطينية الوطنية- ‘نتذكر إذاً نحن موجودون’"، وبين "(طمس) النُّخب السياسية اللبنانية ذاكرات المجابهات الأهلية اللبنانية"، و"(اتخاذها) من النسيان والعفو، المؤسِّسَيْن لحروب آتية، أعرافاً رسمية- ‘نتناسى، إذاً نحن متصالحون’".

والمقالة تخصّ الشطر اللبناني من المقابلة بالمعالجة، ولا تأتي إلا عَرَضاً، وختاماً وتمثيلاً، على الشطر الفلسطيني. وتتوسّل بالتعريض هذا إلى التنبيه على أن "التهاب الذاكرات الحزبية- الأهلية اليوم يخرج عن ثنائية التناسي السياسي المقترن بعفو قانوني بُعيْد انتهاء الحرب، ويخرج أيضاً عن معارضته المدنية التي شدّدت على واجب الذاكرة كتحصين النفس ضد تناسل الحروب". وعلى هذا، "يستعيد فائضُ الذاكرة التعبوية أمجاد أبطال الحرب ويُسقط مجازرها على حاضرنا، مضعفاً ما بقي من مناعة ضد الاقتتال الأهلي".

ويتذرّع "الإحياء" على وجهيه بالحوادث التاريخية الفاصلة والحاسمة إلى تأجيج منازعات الحاضر وانقساماته، ويُقحم الحوادث الماضية على وقائع اليوم ويحمل وقائع اليوم ومعانيها على ترديد حوادث الأمس وتكرارها الخالصين.

أما بردويل فيدعو إلى تناول، أو هو ينتهج، فعلاً وعملاً، تناولاً يدل، في المقالات الاحتفالية والإحيائية، على المواطن التي تأهلها "ربات الثأر والليل"، على قول يوناني بنى عليه إسخيلوس (525– 456 ق.م.)، كاتب المسرح الأول، ثلاثيته، "الأوريستية"، وهي روايته الخروج من أنساب الدم والقتل إلى المدينة المجتمعة.

1) فمن حشد الملحمة "للتعبئة" إلى شحن "ذاكرات ابتزازية للإقصاء"، 2) ومن استعادة "أطياف" الفرادة والشباب والتمرّد و"الكاريزما" والبطولة والتحرير، رداً على بعض مزاعم الوصاية على الميراث، إلى "استبدال" أعداء الامس بأعداء اليوم وتقمّص عدوّ اليوم دور عدوّ الأمس، 3) ومن الترجّح بين قطيعة تذيب الاتصال والوراثة إلى دعوى استمرار يلغي مشروعية أصحاب السابق والحاضر، 4) ومن إعلام "قادر على هضم وتسطيح كل شيء" إلى عرض المخلّفات اليومية والشخصية "كأنها ذخائر قدّيس" باقية على مر الزمن- بين هاته وتلك تمحى "الفروقات" والزمن معها، ويسوّى بين حوادث حادة التفاوت والدلالة، وبين فاعلين يمّموا وجوههم نحو قِبلات متباعدة أو "متناقضة" و"مستحيلة".

"الإحياء"

تولد من مقالة بردويل في استعادة طوائف من اللبنانيين أطياف صيف 1982 القاتلة والمنتصرة أسئلة هي أصداء مباشرة للوقائع التي يلمح إليها، وللمقالات التي تعقّب وتعلق عليها وتؤوِّلها. فلماذا تنقلب "الذاكرة الواجبة"، أو واجب التذكّر، إلى لوك الضغائن أو تمجيد الانتصارات الدامية على "الأخ العدو"؟ ولماذا استعارة واقعة قصوى أو حدية وغير ملتبسة، شأن مقتلة صبرا وشاتيلا، في معرض الكلام على حادثة لا تُقاس بها، شأن حادثة الطيونة (في أيلول/ سبتمبر 2021)، على ما يلاحظ فادي بردويل؟

(والحق أن هذا القول لا يصحّ في مواد "الإحياء" كلها: فشريط "بشير" الوثائقي لا يلوك ولا يمجّد ولا يستعير، وملاحظتي عليه هي اقتصاره تقريباً على حلقة بشير الجميّل القريبة، واستثناء الخصوم والمعارضين ما عدا قلة، مثل ألبير منصور وسعد الله مزرعاني).

"صيف 1982 اللبناني، غداة أربعين عاماً عليه وفي أثناء حدوثه، هو مسرح ‘غريزة موت’ وقتل عنيدة و... مستميتة (طبعاً!)، صريحة، على حالها في مقتلة صبرا وشاتيلا، ومقنّعة، على حالها في الحلف البشيري- الإسرائيلي وفي ‘الشراكة’ الفلسطينية الوطنية أو العروبية"

وقد تقود هذه الأصداء التي تردّد أحكام المقالة، ولا تضيف إليها غير الاستفهام وصيغته، إلى تقرير مبدأ أو أصل عام، شديد العمومية وقليل الماصدق (أو المفهومية والمضمون)، من صنف "غريزة الموت"، أي ما يحمل البشر على تكرار أحلامهم الأليمة- والحلم هو "تحقيق الرغبة الدفينة في أثناء النوم" على قول سيغموند فرويد (1858-1939) واستجابة لطلبها اللذة أو المتعة- واستئناف الأفعال المؤذية التي تمليها عليهم إصابتهم بالأعصبة أو بالذُّهان، مثل الفصام أو الشيزوفرينيا، هو نازع عميق ومدمّر إلى تغليب التجانس والوحدة التامّين على الفروق والاختلاف والتفاوت فيهم. فهم، على وجه منهم ومن أحوالهم، يتوقون إلى حال المعدن الأصمّ، وإلى معادلة (هو= هو) المُثلى والقاطعة.

محل 1982

وصيف 1982 اللبناني (ليس حصراً)، غداة أربعين عاماً عليه وفي أثناء حدوثه، هو مسرح "غريزة موت" وقتل عنيدة و... مستميتة (طبعاً!)، صريحة، على حالها في مقتلة صبرا وشاتيلا، ومقنّعة، على حالها في الحلف البشيري- الإسرائيلي وفي "الشراكة" الفلسطينية الوطنية أو العروبية. فكلا الحلفين لوّح تلويحاً متفاوت الوضوح، ومفهوماً في الحالين، بتصميم واحدهما على سحق عدوّه و"موته".

وكانت قد انقضت، في صيف 1982، سبع سنوات كاملة على انفجار ربيع 1975، و13 سنة على تظاهرات ربيع 1969 وخريفه (تاريخ "اتفاق القاهرة" والاعتراف الرسمي اللبناني بـ"حق" المنظمات المسلّحة الفلسطينية في سلاحها والدفاع به عن نفسها)، وأربع 14 على تدمير سلاح الجو الإسرائيلي جزءاً من الطيران اللبناني و15 على حرب حزيران/ يونيو 1967... و12 سنة، أخيراً، على أيلول (سبتمبر) 1970 "الأسود".

وهذه التواريخ، ومُددها وحوادثها، تمثل على صراعات ما كان لها أن تتستر على نزوعها إلى أقاصي العنف والإلغاء، أو على طلبها إحراز نصر ساحق أو "وجودي" على الخصم الأهلي. ففي الأثناء تعاقبت أعمال تفجير، وقطع طرق للحواجز المسلحة والمفاجئة، والخطف والقتل "الميدانيّين، وإلقاء الجثث على المزابل ومحطات المحروقات ومفترقات الطرق. وتوالت الهجمات على الأحياء المتقابلة، ومهّد لها قنصٌ منظّم وقصفٌ أعمى. وصاحب هذا تهجيرُ الأحياء الداخلية، ثم القرى والبلدات المعزولة. وسبق التهجيرَ ضرب الحصار على المقيمين واختتمته مذابح وانتهاكاتٌ وسرقاتٌ واحتلالات. واجتمعت من هذا تربةٌ خصبةٌ وفسيحةٌ أنبتت ثارات وانحرافات عميقة.

واضطلع اختلاط اللغة السياسية المحلية- وهي مزيج من خطابة قومية، وأخرى "معادية للإمبريالية" وجيوسياسية، وثالثة أخلاقية ودينية أهلية، ورابعة اجتماعية مطلبية-، ودمجُها تحصيل الحقوق المرتبية المتأخّرة في تثبيت الهوية "العروبية" المقاتلة والناجزة، (اضطلع) الاختلاط والدمج هذان بدور راجح في سَوق النزاع إلى ذروة حدّته و"تصعيده"، الصوري والمعنوي والإيديولوجي قبل العسكري، إليها.

ولا ريب في أن السابقة الأردنية القريبة، وختامها بسنة "سوداء" كاملة (1970- 1971)، وبإجلاء عشرات الآلاف من الفلسطينيين بعد شقها بلداً ومجتمعاً هشّين وغير متماسكين على شاكلة لا تعدم شبهاً بالبلد والمجتمع اللبنانيين- هذه السابقة غذّت رعبين لا ينفك واحدهما من نظيره ومقابله.

وتصور قدومُ الفلسطينيين، المسلّحين وغير المسلّحين، إلى لبنان، مروراً بـ"سوريا الأسد" في مستهلها وبـ"الضابطة الفدائية" التي تولّت توجيه المقاتلين إلى لبنان، "البلد الصغير" والضيّق، و"تخزينهم" فيه، على قول صلاح خلف ("أبو إياد")- في صورة تسلُّلٍ تمهّد طلائعه إلى الاستيلاء والاحتلال والسلب والاغتصاب... إلى آخر المعاني التي تفيد تهديداً كيانياً يتعدى السياسة إلى أركان تثبّت النفس من نفسها وتعريفها إياها على وجهي الجماعة، أو الجميع، والفرد.

صراع البقاء؟

قد تبدو مخاوف ذلك الزمن، إذا حملت على حرفها، وفي مرآة الحوادث اللاحقة ومآلاتها، شديدة المبالغة. فالكلام على إبادة، وعلى وطن بديل ورمي في البحر وترحيل، إلى غيرها من مفاتيح كلام المرحلة وصورها، أوهم بما يفوق كثيراً طاقات أصحابه (أصحاب الكلام)، من ذوي الطاقات والقدرات الفعلية، شأن رئيس الوزراء الإسرائيلي ميناحيم بيغن (1913-1992) ووزير حربه أرييل شارون (1928-2014) في 1982، والرئيس اللبناني بشير الجميل في صيف ذلك العام.

ويروي المؤرخ البريطاني سيث أنزيسكا، نقلاً عن مدوّنات إسرائيلية، أن شارون ومسؤولين إسرائيليين آخرين دعوا بشير الجميل والكتائب مطلع تموز/ يوليو "إلى القيام بما تريده إسرائيل في مخيمات اللاجئين" و"(حثوهم) على إخراج اللاجئين من خلال تدمير منازلهم" بالجرّافات، وتدبير الأوضاع على نحو "يقود الفلسطينيين إلى مغادرة لبنان" إلى الأردن أولاً.

"جسّد الحلف بين المنظمات والفصائل الفلسطينية المسلّحة وبين الأحزاب اليسارية والأهلية العروبية، على الأراضي اللبنانية، المثال الانقلابي العسكري العربي التقليدي"

وقال رئيس جهاز الموساد، جهاز التجسّس الخارجي الإسرائيلي، ناحوم أدموني، وهو يعلّق على لقاء جمعه ببشير الجميّل وطاقمه الأمني في 23 حزيران/ يونيو (1982 كذلك)، أن قائد "القوات اللبنانية" كان، إذا تناول مسألة "التوازن الديموغرافي"، وهو يهجس بها، وَضَعَها على الدوام "في إطار القتل والتصفية" (س. أنزيسكا: "قطع الطريق على فلسطين/ تاريخ سياسي من كامب ديفيد إلى أوسلو"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2022، ترجمة داود تلحمي، ص 272- 273).

وصدّق القادة السياسيون والعسكريون خططهم أو تطلّعاتهم وأمانيهم أم لم يصدّقوها، وتابعهم على التصديق جمهورهم أم لم يتابعهم، قد لا ينبغي الشك في أن إطار التفكير العام في السياسة- في علاقة الجماعات بعضها ببعض وعلاقتها بكيان جامع ومفترض يعلوها، وعلاقة الأفراد بجماعاتهم وبالكيان الجامع- نحا نحو حمل النزاع الأوسع، "الفلسطيني- اللبناني"، على "صراع في سبيل البقاء".

والترجّح بين معاني "البقاء" المتفرّقة: البقاء السياسي داخل هيئات ومؤسسات بعينها، البقاء الاجتماعي على عادات ورسوم دون أخرى، البقاء الحيوي أو الحيواني، البقاء التاريخي على أرض عُمِّرت على طريقة أو طرائق مخصوصة، إلخ، لا ينفي الاشتراك في تأويل السلطة السياسية على معنى واحد: السيطرة التامة والمطلقة والواحدة على رعيّة طوع أمر "السلطان".

الأبد والمقدس

والحق أن المثال الانقلابي العسكري (العربي)، القائم على اغتصاب طائفة قليلة وضعيفة الكفاءة والتمثيل من الضباط "العصبيين" والأمنيين السلطة من غير حسيب و"إلى الأبد" وغالباً باسم "قضية مقدّسة"، شهد هذا المثال في جوار لبنان الأقرب، السوري (في 1966 و1970، بعد 1961 و1963)، والجوار الذي يليه، العراق (في 1968)، في نصف العقد الثاني من العقد السابع، سطوة وغلبة مخيفتين. ووسع إيليا حرّيق (ت. 2007)، المؤرّخ اللبناني- الأميركي، التنبيه غداة سنة 1968 وانتخاباتها التشريعية التي نقلت الأغلبية من كتلة إلى أخرى، على فرادة الإجراء وترتّبه على "منعطف" التاريخ اللبناني (وسمُ كتاب حرّيق الصادر في 1970) في أواخر القرن السادس عشر.

وكان المثال الانقلابي العسكري بمثابة عدوان صارخ على أعراف وتقاليد لبنانية أساسية مثل استقلال "المجتمعات" الأهلية عن السلطة، وغلبة صيغة حكم ائتلافية (فيديرالية) على الإدارات والحكم، وتحكيم القوة الاجتماعية في التمثيل السياسي، وتقديم المحلي على الوطني- "القومي" (على معناه العروبي) والاجتماعي على السياسي و"الغرب" على "الشرق".

وجسّد الحلف بين المنظمات والفصائل الفلسطينية المسلّحة وبين الأحزاب اليسارية والأهلية العروبية، على الأراضي اللبنانية، المثال الانقلابي العسكري العربي التقليدي. وأضيف إليه إضافةً لازمة الشقاقُ الأهلي واستشراؤه، من غير أن يكون في مقدور قوة أو طرف تقييده. واستدرج الشقاقُ، وتربعُ القوة الفلسطينية وعداواتها و"أنصارها"، في وسطه، أصحاب المصالح والمتضررين الكثر، في الداخل والخارج إلى "أرض السيبة" هذه ومعمعتها.

فسرى في أوصال الحياة اللبنانية، ووجوهها كلها اضطراب مديد ومعقّد جمع بين عنف وقتال متنقّلين ومحليّين وبين اعتياد (بعض) المحافظة على وظائف المرافق العامة، الاقتصادية والإدارية والسياسية. فانقطعت الحياة اليومية من رتابتها العادية والمطمئنة، من دون أن يعمّها الإحساس الداهم بالكارثة والواقعة الماثلتين.

وأدى هذا "البَيْن بَيْن" المعمّي والمضلّل إلى تسويغ العنف إما بقداسة "دينية" ضعيفة أو ركيكة، تنزع إلى الأخروية القيامية من غير أن تبلغها، وإما بهالة بطولية كلّلت هامات القتلى من غير أن ينسب إليهم "مجد" التأسيس والإنشاء، على تفاوت بين المعسكرين وفي صفوفهما.

جماهير "سائلة"

وباغتت الحروب المركّبة والمتداخلة التي عصفت بلبنان (وببلدان المشرق غداة حزيران/ يونيو 1967) مجتمعاً لبنانياً يتخبط في أزمات تتخطى قدرات طاقمه الحاكم ونخبه الاجتماعية والسياسية والإدارية والثقافية على تدبّرها ومجابهتها. فالنزوح الكبير من أرياف هزيلة إلى مدن ضعيفة التجهيز والموارد والتجانس والأواصر الداخلية، والانتقال المعلق أو الموقوف من غلبة الأبنية الأهلية والعصبية إلى أبنية عمومية وعامية تفترض المساواة بين الأفراد، والجمع القلق في الأفراد والجماعات بين أطر حياة وأحكام عمل موروثة ومعروفة وبين معايير تدعو إلى الابتكار وتفترضه، وغلبةُ جيل الفتيان الشبان المتعلمين على السكان، وعسر ترتيب الانتماءات والهويات القديمة والمحدثة- تزامنُ هذه الظاهرات، وتشابك فروعها، ومداهمتها حاضراً ملتبساً، ولدت جماهير "سائلة" ومتقطّعة استقالت من الاضطلاع بـ"زمام نفسها"، على قول ابن مسكويه (932- 1030) في الأخلاقيات، أو لم تستطعه.

ويعود، ربما حسبان الإسرائيليين (دايفيد بن غوريون) والفلسطينيين (ياسر عرفات) والسوريين (حافظ الأسد) جميعاً، أن لبنان هو ثاني بلد قد يوقّع معاهدة سلام، أو هو البلد الذي في وسع زعيم قوم آخر أن يحكمه، أو الشطر الثاني من شعب واحد في دولتين- والتوقعات الثلاثة كاذبة على وجوه مختلفة ومعقولة في ميزان الوقائع، معاً- يعود إلى خليط وهجنة حملهما اللبنانيون عموماً على المناعة، واستدرجا الجوار المضطرب والواهم إلى سهولة الغرق.

والرأيان اللذان يصدّر بهما فادي بردويل مقالته- حكم برتولد بريخت بـ"التعاسة" في الحاجة إلى بطل، وحمل فرناندو بيسّوا على الأذى والعبث التواق إلى المحال، وإلى ما كان حدوثه جائزاً- يصدقان في أحوالنا، نحن اللبنانيين، من غير شك. فالأسطورة وطاعون العنف يمشيان غالباً في ركاب القلق الذي يلمّ بالجماعات حين تستجيب نداء الجنّيات الساحر والمدمّر.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard