ازدواج الدول دويلات وولايات

الجمعة 4 فبراير 202211:23 ص

يناقش العراقيون منذ ختام انتخاباتهم التشريعية الأخيرة صفة أو شكل الحكومة التي يخوّلهم دستورهم تشكيلها. يتنازعون على تأويل الكتلة النيابية "الأكبر" وعلى المقصود بها: هل هي الكتلة (أو الحلف) التي رُشّح عنها وباسمها أكبر عدد من الفائزين في الاقتراع، أم أنها تلك التي انضم إليها، بعد الاقتراع والفرز وإعلان المحكمة الاتحادية الدستورية النتائج، العدد الأكبر من المنتَخَبين؟

ويترتب على الإجابة قضايا سياسية حاسمة. فالكتلة النيابية الأكبر، في الأحوال كلها، تتقدّم المنافسين والمتسابقين على تشكيل الحكومة. وهذا امتياز كبير. فمن يُعهد إليه بالمهمة يستميل حكماً، وبفعل العهد أو التوكيل، بعضاً قد يكون وازناً من الطامحين إلى الاشتراك في الحكومة العتيدة، رغبة في رسم سياساتها العامة من داخل أو طمعاً في تقاسم غنائم السلطة وخيراتها.

والأمران لا يتناقضان. ويدور خلاف العراقيين اليوم على مسألة ثانية، ظرفية وجوهرية معاً، نتجت عن المسألة الأولى. فكتلة "تيار" مقتدى الصدر هي الفائزة منفردة بعد إعلان النتائج، بمقاعد يفوق عددها عدد تلك التي فاز بها تحالف الفتح. والتحالف هو الكتلة المنافسة على النواب وعلى المنصب الأول (رئاسة مجلس الوزراء) في العراق الاتحادي، وعلى طائفة صاحب الرئاسة وجماعات ناخبيها، ومصالحهم في مدنهم وأريافهم وأسلاكهم وأعمالهم، وأخيراً على العقيدة والهوية الوطنيتين اللتين ينبغي للعراقيين اعتقادهما وتشاركهما.

وخاض التيار الصدري الانتخابات وهو يلحّ في دعوته إلى تشكيل "حكومة أغلبية"، على خلاف "الحكومة الوفاقية" التي يدعو منافسوه وخصومه في "الإطار التنسيقي" إليها، ويرى أن تقدّمه صفوف الكتل الأخرى يقوم مقام تفويض قوي بانتهاج سياسة داخلية "إصلاحية"، تقلّص الزبائنية والمحسوبية والعصبية التي طبعت السياسات السابقة، منذ 2005 على أقرب تقدير، وأدت إلى كارثة "داعش" في 2014، من جهة، وألحقت مصالح العراق العامة بسياسة النظام الخميني والحرسي في إيران من جهة أخرى، ووَلّدت الحراك الشعبي المعارض، ثالثاً.

ويشكك أطراف "الإطار التنسيقي"، وهو توسيع تحالف الفتح إلى قوى شيعية تضاءل نفوذها وأسفر الاقتراع الأخير عن هزالها، في إعلان الكتلة الصدرية الإصلاحي، ويحملونه على رغبة زعيمها وعصبيته في الانفراد بالسلطة، وعلى نزعة استقلالية وإقليمية تريد شق الصف "الثوري" والاستيلائي الملحق بطهران.

ويترتب على خروج العراق من عباءة طهران أزمة تتهدّد الحلف الحاكم فيها بزعزعة عميقة وواسعة الدائرة، على ما أبلغ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي مسعود بارزاني منكراً حلفه مع مقتدى الصدر وترجيحه كفته على نوري المالكي، "حليف" طهران.

فتك "الوفاق"

صيغة الحكومة "الوفاقية" التي يؤيدها "البيت" الشيعي المسلح، ويستميت في تمسّكه بها، جُرّبت من قبل في العراق، منذ الحملة الأميركية. واختُبرت في لبنان "اللبناني- السوري"، تحت حكم قوات السلام المعزّز الأسدية ورصدها واستطلاعها، وكان اختبارها المديد الأشد فداحة على المدى الطويل. ورفعت "حماس" لواءها في فلسطين غزة والضفة الغربية.

وتقضي الصيغة بتغليف القوة الغالبة والكامنة بغلاف خارجي من قوى مذعنة ومتواطئة، وهيئات ومؤسسات قانونية وشكلية، تُدعى إلى التستُّر على خروج القوة الباطنة الفادح على الأنظمة والمعايير، وحمايتها من المحاسبة المحلية والدولية والإقليمية. ويُجزى المتستّرون، الانتهازيون والمتسلّقون والآفلون غالباً، على خدمتهم مناصب وعوائد يوزعون بعضها على مَن يُحسبون عليهم من أهل عصبيتهم الأقرب.

ويتيح الترتيب الوفاقي، أو التوافقي على ما يدعوه اللبنانيون، أموراً كثيرة ترسي الفوضى العميمة والاعتباط المسترسل على ركن مستقر من توازن قوى عقيم، يميل لمصلحة القوى المسلحة والمتماسكة. ففي الإطار التوافقي، على مثاله اللبناني، يتولى الطرف الغالب تجميد العلاقات السياسية بين القوى على موازين ثابتة. وتكفي هذه القوى شرورَ المنازعة والاختبار والاحتكام إلى وقائع سياسية واجتماعية متجدّدة قد تودي بها (بالقوى) إذا لم يلجم تأثيرها بالقوة التوافقية القاهرة.

"تقضي صيغة ‘الحكومة الوفاقية’ بتغليف القوة الغالبة والكامنة بغلاف خارجي من قوى مذعنة ومتواطئة، وهيئات ومؤسسات قانونية وشكلية، تُدعى إلى التستُّر على خروج القوة الباطنة الفادح على الأنظمة والمعايير، وحمايتها من المحاسبة المحلية والدولية والإقليمية"

وعلى هذا، تكرَّم "الوجود" السوري المسلّح، ومن بعده الوجود "المقاوم" الوجداني والصوفي، على جماعات حزبية ضئيلة، وميكانيكية الولاء، مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي (قطر لبنان)، وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية ("الأحباش")، والحزب الديمقراطي اللبناني (الدرزي الأرسلاني) بنواب، وكتل نيابية، ووزارات خدمية أو سيادية، ومناصب في الإدارة ووظائف والتزامات ومناقصات وتعويضات، تحفظ للجماعات وعليها المكانة وعلة الدوام، وتمدّها بمادة الدوام وعصبه.

وغالباً ما تُستعمل هذه الجماعات، المستقلة بنفسها عن إطار الدولة العام والتابعة تبعية غير مقيّدة لولي نعمتها الأعلى، في استباق موقف أو تأخيره، وفي عرقلة تأليف وزارة كاملة، بذريعة مراعاة توازن أو "حقوق" (في صيغة الجمع دائماً). ومن هذه الحقوق إطلاق يد الجماعة، أو الحزب أو التيار، في عهدته الوزارية والإدارية وفي إقطاعه.

"مقاومة" الاقتصاد

يسوّغ حق الجماعات "كلها" في تمثيلها تمثيلاً صحيحاً وعادلاً تقسيم الدولة والمجتمع إلى دوائر نفوذ، أو دويلات، وإلى "بلاد" مُعلّمة بأنشطة وموارد و"قوانين" تخصصها، وتسلخها عن الجسم الوطني المفترض أو المتخيّل الذي ينبغي أن تتولى الدولة تدبير شؤونه المشتركة. فتطلق يد هذه الجماعة في قطاع الكهرباء، ويد الأخرى في العمالة الأجنبية، والثالثة في "قطاع" المياومين، والرابعة في التهريب العلني، والخامسة في الاتصالات، والسادسة في العقارات... والاستثمار في عقود الأمن والجيش مورد ضخم في العراق، على ما هي الحال في "التسويات" السورية، وفي تجارة التهجير والهجرة في البلد الأمين نفسه، إلى التجارات التجارية فعلاً وحقيقة.

وآخر مطاف هذه السياسة التكالب على استنزاف الموارد العامة، من غير اعتبار تجديدها أو الاستثمار في تنميتها. فلا قيد، من مصالح عامة ومشتركة حالية أو قادمة، على تكريس "الحقوق المكتسبة"، والريعية والمتفاوتة على نحو صارخ، ولا على تعديل سلسلة الرتب والرواتب، المتعسّفة قياساً على مداخيل غير العاملين في وظائف ثابتة (وهم الكثرة)، وعلى موارد الخزينة وجباياتها وعوائد مرافقها.

ولا تحجم الجماعات السياسية الحاكمة، قيادات و"جماهير"، لا عن الاستدانة الباهظة والمرسلة الداخلية والخارجية، ولا عن فرض سعر صرف ثابت وأخرق على سوق العملات طوال عقود، ولا تتردّد في مقاومة إجراءات ضريبية متواضعة (زيادة اقتصادية على ضريبة بعض أصناف الربح، أو نقطة على الضريبة على القيمة المضافة، أو زيادة رسم معقول على مواد استهلاك فاخر أو عمومي...)، وذلك لأجل الظهور في مظهر مَن يحامون عن مصالح الفئات المحرومة والمستضعفة، وتلبية لإملاءات سياسية ترمي إلى التشبيه على الأنصار والمحازبين إنجاز انتصار على الغبن، والإيهام بانقلاب اجتماعي و"طبقي" حققه الانتصار العسكري و"الوطني" المزعوم، والتأييد الإقليمي الذي أسهم في إنجازه.

"يسوّغ حق الجماعات ‘كلها’ في تمثيلها تمثيلاً صحيحاً وعادلاً تقسيم الدولة والمجتمع إلى دوائر نفوذ، أو دويلات، وإلى ‘بلاد’ مُعلّمة بأنشطة وموارد و‘قوانين' تخصصها، وتسلخها عن الجسم الوطني المفترض أو المتخيّل الذي ينبغي أن تتولى الدولة تدبير شؤونه المشتركة"

والسيرة السورية-الحريرية في لبنان، منذ 1992 إلى 2019، وسندها الحزبي والنيابي والأهلي المُجْمِع، قرينة قاسية على التواء هذه السياسات واعوجاجها ودجلها. ويشبه دمج "الحشد الشعبي" العراقي في القوات النظامية، واستقلاله الفعلي عن قوام الدولة العراقية، النهج الأسدي في لبنان شبهاً قريباً. وتضخّم قوات الأمن الفلسطينية في أراضي "السلطة" و"حماس" يتنافى مع تبعات الحكومتين ومواردهما، ويجعل منهما عالة على الفلسطينيين، وعلى المساعدات الخارجية.

دواعٍ إلهية

يرسي النهج هذا الحياة السياسية الوطنية على تواطؤ استهلاكي وريعي عام، ويقرّ القوى والشّيع والعصبيات على "استقلال" بلدي ومحلي ذاتي يوفّر عليها المنافسة والمحاسبة والمنازعة المفتوحة. فلا تتهدّدها خسارة، ولا تضطر إلى صوغ برنامج يفضح قصوره هزالها وانكفاءها على دائرة محلّية ضيّقة. ولكن هذا النهج، وهو على الأرجح ثمرة مزيج من عامليْن إرادي وغير إرادي، هو مرآة عجز بنيوي عن إنشاء جبهات أو أحلاف عريضة، سياسية ووطنية، ترتّب الحاجات والمصالح والقوى على مراتب تُراعي الأولويات والقواسم المشتركة ومعيار التماسك.

وتوزيع الريوع والجوائز والهبات على الجماعات، ورهن التوزيع بالولاء للقوة الغالبة وللإطار المشترك الذي تفرضه أو تفاوض عليه، ينفي المسؤولية والمحاسبة تالياً عن "سلطة" حائرة، وضائعة بين الجماعات والأطراف، ومن العسير تعيين مركزها وبؤرتها. فحراك اللبنانيين، مثلاً، تشظّى وتناثر مجموعات متوازية أو متناحرة، منكفئة أو قاعدة، بسبب خلاف على تعيين المسؤوليات عن التردّي والإفلاس اللبنانيَّين. فهل "يسقط حكم المصرف"، وحده؟ أم أن ولوغهم "كلهم" في الفساد والتبذير، وتبديد الموارد على "الأزلام"، والذهول عن تآكل الإنتاج وعوائده، هي السياسات التي ينبغي أن تسقط، ويسقط معها أصحابها ورعاتها، وسندهم القوي والخفي، الحزب الحرسي "اللهي"؟ ووسع الحراك العراقي إقالة الباهت عادل عبد المهدي، والحمل (جزئياً) على تسويغ مصطفى الكاظمي، و"توريط" الولائيين (أنصار الحرس الإيراني أولاً) في قمع الحراك قمعاً دامياً، وتقريب الانتخابات التشريعية وهزيمة الولائيين فيها... وهذه بعض غايات العراقيين المتظاهرين والمعتصمين والمقترعين.

بينما أخفق الفلسطينيون في حمل "السلطة" على إجراء انتخابات عامة، على رغم تسابقهم على التسجيل وبلوغه مستويات عالية. فالانتخابات كانت تُنذر بقطاف "حماس"، وسطوها الميليشياوي على غزّة ونسجها علاقات قوية بالحروب والنزاعات الإقليمية وأطرافها، ثمرات اقتراع يفتقر إلى اختيارات بديلة. وليس في مقدور "حماس" رعاية جبهة فلسطينية مثل تلك التي ارتسمت في النزاع الأخير. وهذا بدوره، يقود إلى احتدام خصومة أهلية عميقة لا يؤمن، بل يرجَّح استعارها حروباً أهلية وعائلية تغذّيها سياسة إسرائيلية تتوسّل بالخلافات والتناقضات الفعلية إلى عسكرة النزاع، على قول سابق لمحمود عباس، واستبعاد الآفاق السياسية.

ثنائيات متناسلة

المقارنة بين الأحوال الثلاث تُبرز دلالة الحكومات الوفاقية، والوظيفة التي تنيطها بها الحركات "الإسلامية" الأهلية والمسلحة، الحاكمة المتسلطة، والمتسلطة من غير حكم مباشر، فعلى المثال الخميني، وقبله على مثال "الحزب-الدولة"، ومثال "إخوان" حسن البنا الذي أنشأ "نظاماً خاصاً" سرّياً وأمنيّاً عسكرياً داخل "الجمعية" الظاهرة، تزدوج هذه الحركات هيكلين أو جهازين منفصلين، على مستوى البنية الجهازية والطاقم العامل، ومتصلين على مستوى القيادة.

فتستفيد المنظمات المسلّحة والأهلية من وجهيها هذين: تطلق يدها في قيادة أهاليها واستتباعهم، فتنظّم جزءاً من معاشهم في "مجتمع نقيض" على حدة من الجماعات الأخرى، وتخوض الحروب البعيدة والقريبة عنهم، وتسالم مَن يسالمها ويذعن لها وتقتل مَن يقف عثرة في طريقها على النحو نفسه، وتلقّنهم أسماءها وأفكارها...

ويرتّب هذا السياسةَ العامة، أي إطار الدولة الجامع، على مستويين: مستوى السياسة العليا، المنفكّة من مجتمع العامة ومشاغلهم وحاجاتهم "المدنية"، والمنصرفة إلى مقارعة الممالك والدول وتأويل ملاحم التاريخ منذ الخلق إلى فرج إمام الزمان، ومستوى "المازوت والطحين" الذي نصح خطيب الوكالة اللبنانية رفيقَ الحريري، في صيف 2004، بالاقتصار عليه، وترك التشاغُل بالحؤول دون التجديد لإميل لحود وبالإعداد لانتخابات ربيع 2005.

ويردّد تمييز المستويين صدى رأي روح الله الخميني في استحقاق علماء المرتبة الأولى، المتعالية على الحساب، "ولاية الفقيه" الروحانية، بينما يغرق علماء وساسة المرتبة الدنيا في "أحكام الحيض والنّفاس" ("الحكومة الإسلامية أو ولاية الفقيه"، 1969، دار الطليعة).

ومن وجه آخر، تعوّل الحركات المسلّحة على حماية الدول الشكلية أو الرسمية التي تغلف الجماعات، ويقر بها المجتمع الدولي إطاراً قانونياً، وكلاً (جسماً) متماسكاً وواحداً يتمتع بالمساواة والحرمة والسيادة التي تتمتع بها الكيانات السياسية والوطنية الأخرى (شرط المعاملة بالمثل). وثنائية الجيش/ الحرس الثوري، وقوات الأمن/ الباسيج، الرئاسة/ المرشد (ية)، الحكومة/ مجلس تشخيص مصلحة النظام، مجلس الشورى/ مجلس حراس الدستور والسلطة القضائية... دليل متناسل على مضمون الازدواج ووظيفته. وهي أفضت على ما أعلن محمد جواد ظريف، وزير خارجية رئاسة الجمهورية، وليس وزير خارجية الجمهورية، إلى ثنائية "الميدان" (في قيادة فيلق القدس وقائده قاسم سليماني) و"الساحة" الديبلوماسية.

"نظام" الحرب الأهلية

ما أنجزه "حزب الله" في لبنان في عقدين (1980-2000)، تنشده "حماس" اليوم من حكومة وطنية "وفاقية": استظلال شرعية "السلطة"-الدولة المعترف بها، واتخاذها ترساً حين المبادرة إلى شن هجمات على الاحتلال من غير تخطيط مشترك ولا تشاور وخارج المظلة الدولية المثقوبة، واقتسام المساعدات والجبايات وتوزيعها على معايير حزبية وعصبية داخلية.

فإذا تردّدت "السلطة" المتهالكة وأحجمت، ندّدت "حماس" بالتعاون الأمني الفلسطيني-الإسرائيلي، وطالبت "فتح" بحماية الخلايا الحماسية التي تقوّض القليل من سلطة "السلطة".

ولا تأتمر قوى "الحشد الشعبي" بأمر الدولة التي تتقاضى منها رواتبها، وتزعم أنها جزء منها، وعليها (على الدولة) أن تحميها من القوات الأميركية إذا ردّت على رمايات تستهدفها، ومن الجيش العراقي إذا تعقّب مصادر النار على ثكناته.

و"الحرب الأهلية" الماثلة والوشيكة على الدوام هي جزاء خروج الدولة، أو ما بقي منها، على قرارات "دولة" الظل البارزة. "والأولوية تبقى للمحافظة على السلم الأهلي" (ميشال عون في دار الإفتاء قبل أيام قليلة)، يردد الوكلاء في معاقلهم وحصونهم داخل الدولة المتصدّعة. والأولوية إنما هي على مواصفات الدولة السَّوِيّة، في الداخل، والسيدة في الخارج. فيضطر القائد (العراقي) الأعلى للقوات المسلّحة إلى إطلاق سراح ضالعين في الهجوم على مرفق عراقي، أو في قتل مدنيين، للمحافظة على السلم الأهلي، الذي تحميه "عصائب أهل الحق" وحدها، أو "كتائب اليوم الآخر". ومصطفى الكاظمي في الأحوال كلها، مظنون في اغتيال قاسم سليماني. ومثله رئيس جهاز مكافحة الإرهاب، الفريق عبد الوهاب الساعدي. وانشقاق "حماس" واستيلاؤها على غزة، ليس واقعة "أهلية"، على زعمهم، بل هو إنجاز استراتيجي باهر نحو وحدة الشعب والأرض والسلاح، وهزيمة نكراء ألحقها "المحور" بالعدو.

يُشيع الإعلام "المقاوم" تعليلاً لمعارضة مَن يعارضونه، وهم معارضات متفرقة يتعمّد توحيدها ودمجها، ويختصر تعليله في انحياز المعارضين إلى الشيطانَيْن، الأميركي الأكبر والصهيوني الأصغر. و"الصرخة" الحوثية (الموت لأمريكا...) تلخيص وافٍ للفكر السياسي الذي يعمّ الجمهور السائر على خط "الإمام". والتأمّلات الاستراتيجية والغائرة في الدولة على "الممالك" العظيمة، وانتقال القطبية من قارة إلى قارة، تعمية على "الصرخة". وما لا تختصره هذه هو الأسس التي أرست عليها العقود الإيرانية الخمينية المنصرمة القيام بالسياسة ومزاولتها في بلدان ومجتمعات تشترك كلها في تمزّقها وتصدّعها وجلجلتها. وذلك في سياق تاريخ انحداري طويل وسابق. وليست مرحلته الأخيرة، حاضرنا، سوى الزبيبة على الكعكة، أو التورتة، على قول المصريين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard