"حزب الله" يقف ويستوقف على صروحه... وعلى أطلال مجتمعاتنا ودولنا

الجمعة 29 يوليو 202210:31 ص

يقف الشيخ نعيم قاسم، العاملي اللبناني، على ما كان أسلافه من المعمّمين يكتبون ويقولون، على إنجازات حزبه وعماراته العظيمة منذ أربعين عاماً، هي عمر الجماعة العسكرية والسياسية، الشيعية- الخمينية، منذ تأسيسه عن يد مؤسسيه التسعة، على ما يروي في مقال بعنوان "أربعون ربيعاً من التجديد والمعاصرة" نشرته صحيفة "الأخبار" اليومية الصادرة في بيروت، على ثلاثة أجزاء.

ووقوف الشيخ، وهو نائب أمين عام "حزب الله" الثابت والواحد والرسمي منذ عقود، واستِوقافه، على خلاف الشعر الطللي، لا يقول تقطع الزمن، وازدواج الشاعر الواقف، وحياة الطلل على حدة من حياة آهليه من قبل. فهو أشبه باستعراض عسكري سوفياتي أو حرسي ثوري في الساحة الحمراء أو في ساحة نائب صاحب الزمان العائد من المنفى. ويستعرض "القائد الملهم الإمام" بين يديه حصون الفولاذ، وصفوف "الخالدين"، على ما سمى الشاه محمد رضا بهلوي، واهماً، حرسه الإمبراطوري الخاص، والطائرات والمسيرات التي تحلم بحمل السلاح الأعظم والمحرم في أقرب وقت، على ما يُنفى ويثبت معاً، وعلى مثال شهادة التوحيد.

ويترجّح موقف مَن تستوقفهم مقالة الشيخ نعيم قاسم، وهم جمهور القرّاء المقبلين على القراءة من غير تمييز ولا تخصيص، بين رأيين. فالمقالة تخوض في شأن عام، هو تاريخ اللبنانيين، ومن ورائهم أهل المشرق العربي والأوسطي، في العقود الأربعة المدمرة والمنصرمة. وعلى هذا، فالتأريخ المقترح يعني القرّاء من قريب، ويرجون فهم جانب من حوادث زمنهم في مرآته.

وقد ينتبه شطر من الجمهور إلى أن المؤرخ يتوجه بمقالته إلى جمهوره الخاص، ويفترض، مطمئناً، أن خاصه هو عام الجميع من غير استثناء. وافتراض الخاص، خاص جماعة من الجماعات وأفكارها ومصالحها وتطلعاتها، عاماً أو عمومياً، لا يعقل ألا تتشاركه الجماعات الأخرى، طائعة أو مرغمة والأرجح مرغمة، هو في أساس مباني "السياسات" المشرقية العربية والأوسطية المعاصرة.

السفر إلى طهران

فالحزب العتيد، قبل أن ينشأ ويستوي على مرتبته "(صانعَ) تاريخٍ"، وليد هداية وإلهام، وربما وحي، لولا مخافة التشبيه. ولا يدين للحوادث المعاصرة، والملابسات الطارئة والمادية التافهة، بسبب من أسباب نشأته المشهودة. والقول إن "مجموعة من اللبنانيين"، في وقت غير محدد تماماً من 1982، "هُدوا" (من "الهداية") إلى تأسيس "حزب الله" على أساس "المنهج الإسلامي الذي يحقق العدالة"، يجرد العمل، أي التأسيس المفترض، من أسباب وعوامل ليست من الإسلام ونهجه وعلمائه، على وجه الدقة.

وخلط "السبب" الأول، الإسلامي والعلمائي، بأسباب ثانوية ومطبوعة، على قول الحلوليين والطبيعيين الدهريين، حادثة ووقتية، لا يليق بولادة أو نشأة لا يسميها الشيخ "المؤرخ" عمداً إلهية، على خلاف أمين حزبه العام، ولكنه يرفعها إلى مستوى غير زمني أو دنيوي، ويصفها متواضعاً بـ"التاريخية". وهو يؤرخ للمولد العالي المصدر والنسب بسنة 1982، على بعض التردّد في التعيين.

فتعريف المؤسسين، من وجه أول، ينسبهم إلى تربيتهم ("تربوا" وليس درسوا، على جاري القول السائر). وآصرة التربية، أو رابطتها وعلاقتها، أقوى من علاقة الدراسة. وتبطن معنى نقلياً سمعياً وذوقياً حميماً وصوفياً، أفلاطونياً وأفلاطونياً محدثاً. وهذه مصادر إمامية وعرفانية بارزة. ويسوي الشيخ، على خطى إمامه الخميني، بين العالم المفتي في المعاملات والعبادات والروحانيات وبين النبي. فالنبي يتولى من المؤمنين التربية الروحية وتزكية النفس و"إنقاذ الناس من سلطة الظالمين".

وهؤلاء المؤسسون، التسعة (من "تاسوعات" أفلوطين؟)، ندبهم، ضمناً أو علناً، إلى الهجرة إلى طهران ثلاثة (رقم حروفي "إلهي") علماء "أفاضل": "الإمام" موسى الصدر "(أعاده الله سالماً)"، "العلامة" محمد حسين فضل الله "(رض)"، و"العلامة" الشيخ محمد مهدي شمس الدين "(رض)".

"افتراض الخاص، خاص جماعة من الجماعات وأفكارها ومصالحها وتطلعاتها، عاماً أو عمومياً، لا يعقل ألا تتشاركه الجماعات الأخرى، طائعة أو مرغمة والأرجح مرغمة، هو في أساس مباني ‘السياسات’ المشرقية العربية والأوسطية المعاصرة"

وتندرج الأفعال الحادثة، مثل السفر إلى طهران للاستفتاء واختيار الموفدين، في صلب عقائد المذهب، على ما يردد السيد مقتدى الصدر العراقي. فالمسافرون إلى طهران تبعثهم هدايتهم الأولى على السفر، طلباً لهداية أعلى. وتختار الهداية من يصلح لها، وأعد العدة لاستقبالها. فسبق أن "تربّى" على مراجع ثقة كانت هدايته من طريقهم، ولا هداية من غير طريق مرجع عدل. والعلماء المراجع والمربون هم مرتبة من مراتب الإصعاد في معارج العرفان. وتلي مرتبة (أم مراتب؟) الصدر وفضل الله وشمس الدين، وتسمو عليها "قيادة القائد الملهم الإمام" روح الله الخميني "(قده)".

الثلاثة والواحد

واختيار الثلاثة، بعد ترتيب مراتب الهداية والوساطة والعلم على ثلاث، أوجبه على الأرجح اعتبار ظرفي هو انقسام العلماء الإماميين والاثني عشريين اللبنانيين، يومها وبعدها، إلى ثلاثة فروع. وتحدّرت الفروع هذه من "أصل" واحد هو حركة "الدعوة"، وليس حزبها العراقي الذي آل إلى نوري المالكي. وتعود الحركة الدعوية والفكرية، قبل مصيرها إلى منظمة سياسية وأجنحة وطنية وقطاعات بعضها عسكري وبعضها الآخر أمني، إلى عالمين نجفيين من أصل لبناني، هما السيدان محسن الحكيم (المرجع) ومحمد باقر الصدر (الكاتب و"المفكر"). وإلى لبناني ثالث "ناشط" محرض وسياسي جماهيري، هو السيد موسى الصدر. ودار "العلامتان"، فضل الله وشمس الدين، في فلك "الدعوة" الأقرب.

ولم يحل الأصل المشترك بين الثلاثة (والحق، بين الاثنين الأخيرين) وبين افتراقهم افتراقاً حاداً، اتسع مع مضي الزمن، واعتراض الحوادث والظروف طرق أفكار "الإحياء" الشيعي النجفي، على خلاف التأريخ الذي يقترحه الشيخ النائب. فمَن انتسبوا، سياسة وعملاً، إلى موسى الصدر، اختاروا، في 1982، الانحياز إلى رئاسة أمين الجميل، وإدارته، ووزارته، وإلى الجيش النظامي. وتقدمهم الشيخ محمد مهدي شمس الدين ونبيه بري، خالفا الصدر على الرئاستين: المجلس الإسلامي الشيعي و"أمل". وسرعان ما تصدّع الجناح الصدري، وانقسم تيارات كثيرة، وأملى على زعماء التيارات سياسات توازن بهلوانية معظمها سارٍ إلى اليوم.

وانشق عن "أمل"، وعن راعيها الشيخ شمس الدين، فريقٌ كان "اهتدى" إلى الولاية الخمينية وفقهها قبل 1982 بأعوام ترقى إلى محاضرات الفقيه الإيراني في "الحكومة الإسلامية أو ولاية الفقيه" (1969). وقام هذا الفريق، ومعظمه انضوى في جناح "أمل الإسلامية"، على شراكة الفريق الصدري الأول في وزارة إنقاذ جمعت الأضداد، وندد بالدخول في الدولة "المنافقة" (إنْ لم يكن "الكافرة") والصادرة عن الاجتياح الإسرائيلي، وطعن في فك التحالف "الوجودي" مع الفلسطينيين المسلحين وقضيتهم المقدسة، إلخ.

أي فلسطين؟

وخلاف الثلاثة، وتطلعاتهم وخططهم، ونظرهم إلى علاقات المسلمين (الشيعة) بدولهم وكياناتهم السياسية والوطنية على الخصوص، كان عميقاً. وأطوار خططهم وتصوراتهم للعلاقات بالدول تباينت تبايناً كبيراً. فغلّب موسى الصدر، تدريجاً، انخراط الجماعة الشيعية اللبنانية الواحدة، بعد قلب موازين القوى داخلها لمصلحة عامتها ("المحرومة" أو "المستضعفة") وقيادة طاقمه، في الأبنية السياسية والاجتماعية والإدارية المحلية. واقترب من مثال "ديموقراطي- إسلامي" يستثمر الموارد الاجتماعية المتعاظمة (المتعلمين، والفاعلين الاقتصاديين، والمهاجرين والعدد...) في المفاوضة السياسية على مكانة "الطائفة" ودورها في "النظام" العام وتوجهاته في الداخل والخارج.

"جمع الخط السوري والإيراني (الحزب اللهي) بين ضرورات متباينة ومختلفة: فعمل على حشد ‘الطائفة’ الشيعية معنوياً وسياسياً وراء الكتلة المقاتلة والمتطرفة، وهي أقلية ‘غريبة’ يومها، وأوكل رعايتها وحضانتها، أي تمويلها وتسليحها وتدريبها، إلى الولي الإيراني"

فلا عجب إذاً ذرّ خلاف حاد بين الصدر وبين الفصائل الفلسطينية المسلحة، تولت المصالح السياسية السورية (الأسدية) صوغ صوره في مراحله المتوالية، وبعد خسارة اللبنانيين، قبل الحروب الملبننة على أرضهم، قوامهم السياسي والوطني المتماسك جزئياً. وسبقت مظاهر الخلاف، البالغ حد الاقتتال، ومناسباته، 1982 وتلتها.

فجرّدت "منظمة التحرير الفلسطينية"، أوائل 1976، الصدريين اللبنانيين والناصريين والبعثيين "الشاميين" من سلاحهم ومكاتبهم. وحاصر الصدريون، بعد 1978 والاحتلال الإسرائيلي الأول لـ"الشريط" الجنوبي الضيق، شركاء السلاح الفلسطيني "اليساريين" المحليين، في بعض الأحياء والبلدات، وأخرجوا معظمهم بالقوة منها.

وكان إسهام الصدريين، بعد الصدر ومحطته الليبية الغامضة والقاتلة، في تصفية مخلفات العمل العسكري الفلسطيني في لبنان- وهي كانت وازنة، واقتضت تصفيتها خمسة أعوام (1985- 1990) من "حرب مخيمات" شرسة- راجحة. وولدت، في الأثناء، حرباً شيعية أهلية، في 1987- 1988، مسرحها ضواحي جنوب بيروت. وأعمل فيها الحزبان الاغتيال والخطف والقصف. واتهم الواحد الآخر بشن حرب "خوارج بفضل الله" عليه، معرضاً بالعنف والأحلاف. ورد الآخر فنسب خصمه إلى "اليزيدية" وقتلة الحسين بن علي وضباط الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.

فعندما يكتب الشيخ المؤرخ أن "بيئة أهلنا العامة"، أي شيعة الجنوب والضواحي أولاً، لم "تتقبل" الأعمال العسكرية "الإسلامية" "في البداية"، ويعزو الأمر إلى "إشكالات" مع "بعض جهات المقاومة الفلسطينية"، فهو يختصر القول والتأريخ في أحسن الأحوال، وينقاد للسهو، آفة المحدثين الثقات والعدول، على قول أهل الجرح والتعديل.

ورد الإسلاميون الخمينيون على دعوة الشيخ شمس الدين- وأقام الشيخ "نائباً" لرئيس المجلس الإسلامي الشيعي، وليس رئيساً أصيلاً، قرابة العقد من السنين- إلى "مقاومة مدنية شاملة" بالسخرية. وحملوا دعوته هذه على طلبه أن "يشمل نفسه بالمقاومة"، وهو ليس منها وهي ليست منه، على قول إحدى وسائط النشر الحزب اللهية يومها.

وبينما انصرف محمد حسين فضل الله إلى مساواة "الإسلام"، القرآني على قوله، بـ"الثورة"، وتمييز إسلام "ضعيف"، نأى بنفسه عن "منطقة القوة"، من إسلام ثوري، ولم يعلن أخذه بولاية الفقيه، وتصدى للمرجعية العظمى بعد وفاة المرشد الأول، ورفع بعض أنصاره لواء "الحاكمية" المودودية (نسبة إلى أبو الأعلى المودودي الباكستاني 1903- 1979)، والقطبية (نسبة إلى سيد قطب المصري 1906- 1966)، أفتى محمد مهدي شمس الدين بولاية الأمة على نفسها، ودعا الجماعات الشيعية الإمامية إلى الولاء لأوطانها، ومشاركة مواطنيها في دولهم إجماعاتهم وخلافاتهم على حد سواء.

متى؟ في 1982

ورواية نائب الأمين العام لبدايات حزبه رواية "برهانية"، تقيم البرهان- على قول عمار البصري، أسقف البصرة النسطوري في عهد المأمون العباسي، وكاتب "كتاب البرهان" على صدق ملته- أو الدليل على اشتقاق التاريخ الحزبي، الجزئي والظرفي والمتدافع والمتقطّع، من فكرة متعالية "من عند الخالق الواحد الأحد"، على قول الشيخ مفتتحاً مقالته "المجددة والمعاصرة". ويقتضي اشتقاق المحدث، الدنيوي والزمني والفاسد بعد كونه، من المتعالي، على ما خَبِر تاريخ طويل من المقالات في الإلهيات، أو الميتافيزيقا في رطانة أهل الكلام، الإغضاء الحيي والخجول والكريم عن نقائص الدنيا.

وهذا ما لا يحجم عنه الشيخ نعيم قاسم في مقالته، فيشرف على ماضيه من آنٍ أو وقت، هو حاضر حزبه في ذكرى انقضاء أربعين عاماً مفترضة على ولادته، يراه "أشبه بالمعجزة" تارة و"نصراً تاريخياً كبيراً"، تارة ثانية، و"أسطورياً" ثالثة و"مضرب مثل" رابعة... ويحسبه ثابتاً إلى قيام الساعة أو قريباً منه (على غرار "رايخ الألف عام"، أو "بشارة" أبو العباس إلى أهل الكوفة في خطبة الخلافة العباسية الأولى: "أيها الناس إن هذا الأمر فينا إلى ألف عام")، ولا يرى موجباً لتناول وقائع أو حوادث، إذا صدقت تسميتها، تشي بما يخالف معاني الاحتفال اللازمة.

"حزب الله يشتري السيطرة من طريق الحرب والاستتباع... وذلك على النحو الذي تشتري فيه إيران الخمينية والخامنئية حصانة طبقتها الحاكمة بواسطة برنامج وسلاح نوويين باهظين، يرخيان بثقلهما الساحق على الدولة والمجتمع الإيرانيين"

فاحتساب وقائع أخرى قد تخالف الهداية، ووحدة العلماء الثلاثة، والقيادة الملهمة، ودوام الكتلة المتراصة بمنأى من "الفتنة"، واقتصار المرجعية الخمينية على استجابة استفتائها، وتلحظ (الوقائع) الحرب العراقية- الإيرانية، وانتقال إيران من مرحلة دفاعية أولى إلى مرحلة هجومية في 1982، استعادت في أثنائها معظم أراضيها المحتلة ودخلت أراضي عراقية، فبعث خلافاً اثني عشرياً قديماً على جواز الحرب الهجومية في زمن الغيبة، وتعلّلت إيران بمرور طريق طهران- القدس بالنجف وبغداد والبصرة، وانتبهت إلى مكانة مسألة فلسطين، ومصادفة الأمر الغزو الإسرائيلي لبنان... احتساب هذه وغيرها يستدعي وجوباً، على قول المحامين والإداريين، السؤال عن عوامل أخرى في الانتصارات، وعن تكلفتها، وآثارها في حوادث ووقائع متفرّقة ومختلفة، معاصرة ولاحقة، وعن حقيقة الانتصارات وصفائها.

فتوقيت سفر التسعة إلى طهران يتردّد تردّداً طفيفاً بين وقتين: 1982، على العموم ومن غير تخصيص، وفي سياقٍ ينسب الموفدين إلى "التربية" الجليلة، ثم "النصف الثاني من 1982" أي غداة ابتداء الحملة والاحتلال الإسرائيليين، وفي سياقٍ فلسطيني خالص: المقاومة الفلسطينية داخل فلسطين هي "الأصل" و"المقاومة اللبنانية... مقاومة مساندة وعاملة للتحرير".

والتردّد الطفيف صدى واضح، رغم خفوته، لترجّح التشيّع الخميني- وهو "رؤية تجديدية غير تقليدية" أو فرقة-، في طهران وبيروت وحيث يحط رحاله، بين شطر "روحي"، صوفي وعرفاني تأمّلي، وبين شطر إداري وتقني يحمل السياسة والاجتماع على فنون الحرب المباشرة والتعبئة العامة والمزمنة. ويتولى الشطر الأول إدراج الفرقة الإسلامية "الجديدة" في التراث الحكمي، و"فتوحاته" القمية والمشهدية الشيرازية والمقدسية أولاً، بينما يتعامل الشطر الآخر (فعلاً) ويشيح النظر (قولاً) بتقنية المكائد والخدع، على مثال "الحرب خدعة".

وجها الحرب

وصدارة الحرب الأهلية والخارجية معاً، في المعتقد والعمل الخمينيين (الحزب اللهيين) قضية لا مراء فيها ولا جدال. ولا ينفك الحزب، وخطباؤه الكثر، يعلنونها، ويهلجون بها، على خلاف خصومه المقيمين على الغفلة عنها وعن توقع نتائجها واحتسابها، وعلى اعتبارها خرقاً "للعيش المشترك" ودستوره وميثاقه. والشيخ النائب يروي حروب حزبه الإسرائيلية بالفم الملآن: 1992 و1996 والـ2000 و2006، ويعد بحروب كثيرة مثلها على طريق القدس و"يومها".

وسكت الفقيه السياسي عن حوادث داخلية وأهلية بارزة مهّدت الطريق إلى هذه الحروب، أو هو يمر بها مرور الكرام، على نحو تناوله "حرب المخيمات" وملحقاتها، من بعيد وبحياء. فيغضّ الطرف عن أعوام 1982- 1985، وقتال "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" القوات الإسرائيلية المحتلة، وحملها على الانسحاب الأول إلى ما وراء نهر الليطاني.

ويُغفل "انتفاضة 6 شباط" (فبراير) 1984، وإرساءها- بعد عقد وبعض العقد على تصديع الاقتتال الأهلي، و"الضيافة" الفلسطينية، و"التحكيم" السوري، أبنية الدولة المشتركة-، من داخل ومن باب التوازن الوطني، صيغة "الساحة" و"أرض السيبة" المتنازعتين والمعلقتين. وكانت الحرب العراقية- الإيرانية (1980- 1988)، وهي حرب "عربية"- إيرانية من وجوه كثيرة، غداة كامب ديفيد، المشهد الخلفي للعلاقات الإقليمية الأوسطية، بينما يتقلص النفوذ السوفياتي الدولي. وتطول سلسلة الإغفال: الطائف، الحريرية (الاغتيال)، غزو أميركا العراق، الحراكات العربية...

وأبرزت "6 شباط" دور السياسة السورية، على رغم انكفاء عسكري موقت عوضته عودة قوات حافظ الأسد في شتاء 1987، الحاسم على الجبهات "الداخلية" كلها: الفلسطينية "العرفاتية"، و"الوطنية" الحزبية، والإسلامية الطرابلسية والصيداوية، والمسيحية المتناحرة، والحدودية الجنوبية. وفي ركابها، برزت "أمل" قطباً محلياً وشيعياً، يَعمل ويُعمل في بناء الكتل وموازينها وبرامجها، وخصماً يتهدد الحركة الخمينية المحلية والناشئة بالخنق والموت.

وجمع الخط السوري والإيراني (الحزب اللهي) بين ضرورات متباينة ومختلفة: فعمل على حشد "الطائفة" الشيعية معنوياً وسياسياً وراء الكتلة المقاتلة والمتطرفة، وهي أقلية "غريبة" يومها، وأوكل رعايتها وحضانتها، أي تمويلها وتسليحها وتدريبها، إلى الولي الإيراني، وحرص على إبقاء "أمل" كتلة جماهيرية غالبة، وناط تمويلها بـ"الدولة" اللبنانية، وأقامها جسراً بين الطليعة الخمينية المقاتلة والغالية وبين سواد الشيعة "العاديين"، الوسطيين والمتلبننين.

وانتهى المسار المعقّد هذا، مع انشقاق الكتلة الشيعية المتماسكة، وتفكك الحلف السوري- الحريري الظرفي، وتصدّع هياكل الدولة والاجتماع اللبنانيين، إلى استتباع "حزب الله" الجماعات الأخرى، وأولها الجماعة الشيعية.

واستثمار العنف في جهتي الحرب الأهلية والخارجية، وتوظيف الشبكة الاجتماعية الواسعة والبالغة التكلفة والقاصرة في تقوية لحمة "المذهب" وأهله وعزلهم في شرنقة ضيقة، بعد إنهاك الجماعات المختلفة عسكرياً ومعنوياً واجتماعياً، هما (الاستثمار والتوظيف) ما تتستر عليه رواية الشيخ المؤرخ وزينتها الملحمية والروحية. وهو يجدد الكرَّة في شأن حلف حزبه بالحزب العوني الباسيلي.

والحلف هذا استتباع في صيغة قريبة من استتباع "أمل"، في ظروف أكثر مؤاتاة للقطب الشيعي وأقل مؤاتاة للقطب المسيحي. فهو يقايض تخلي الجماعة المسيحية المتعاهدة عن السياسة كلها، أي عن رأيها المفترض في أبنية الدولة الجامعة، لقاء استحواذ أجزائها وكتلها على مناصب وحصص وجوائز. وهذا تلفيق مضطرب وقلق. وينجم عنه تعليق كيان الدولة، الإداري العملي والمعنوي التاريخي، إلى أجل غير مسمى ولا معلوم.

ويغفل الكلام على "سيطرة" حزب "الشيخ" على لبنان هذا الوجه من سياسته. فحزبه يشتري السيطرة التي تتيحها الحرب على وجهيها. ويشتريها من طريق الحرب والاستتباع. ولا يريد سيطرة تتوج علاقات سياسية واجتماعية وثقافية فاعلة ومشتركة وعامة. وذلك على النحو الذي تشتري فيه إيران الخمينية والخامنئية حصانة طبقتها الحاكمة بواسطة برنامج وسلاح نوويين باهظين، ويرخيان بثقلهما الساحق على الدولة والمجتمع الإيرانيين، وينصبان كيم جونغ- أون وفلاديمير بوتين مثالين لا يتخطيان للمدينة الفاضلة و"منهجها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard