شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
ثورة المكياتا الكبرى

ثورة المكياتا الكبرى

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والتنوّع

الأربعاء 12 أكتوبر 202202:45 م

 لجسدي قدرة عجيبة على ردع الإدمان، وهو ما يجعلني أثمن الملذات. ما زالت القهوة العربية تأسرني، لكنني ما عدت أعيرها الاهتمام ذاته، اهتمام حاصل قبل إدماني الوحيد: الكافيين. أقول إدمان لشح التعبيرات المقاربة لحالتي، فلا شيء يُذهِبُ تثاقل اليقظة ما عدا الإسبريسو أو ما يعادله. غابت اللذة لكن الرضا حاضر، أي لا أبحث عن علاج. ومن غير الوارد أن يصير محب للقهوة منعزلاً عن المقاهي وثقافتها. أتحدث بصفتي شاباً ليبياً كان يعتقد يوماً ما أن آلة الإسبريسو اختُرِعَت مطلع الألفية الثانية. ليس على الليبي حرج، فأغلبنا كان يعتقد أن غسالات الملابس والأواني الآلية من اختراعات الألفية الجديدة، وكذا من بعض المواد المنزلية التي حولتنا إلى مستهلكي الجماهيرية الجديدة. إذاً، ثقافة المقاهي هذه ثقافة جديدة.

تخرج القهوة من اليمن، مروراً بشمال إفريقيا ومنها إلى أوروبا، يستهلكها الليبيون لقرونٍ من البكرج في المنازل والمقاهي – مصحوبة بالنرجيلة – فيعود المستورِد الإيطالي ببكرجٍ من نوعٍ آخر

مكياتا وليس مكياطا

     دائماً ما يستجلِب المستعمِر الهدايا، فيغدق على الهمج الأصليين من حضارته أطيب الأكلات والمشارب والملابس. ها هنا رست الإمبراطورية الإيطالية الصغيرة عند شاطئها الرابع، محملة بالقهوة في صورة القرن العشرين. كان ذلك في 1911، حين باتت شويرعات العاصمة طرابلس تحتضن بعضاً من الإرث العثماني، فالقهوة ليست بالشيء الجديد؛ أوليس العرب هم أول زارعيها وحاصديها؟ فمثلاً، تحولت "الجذوة" إلى Cezve بالتركي (ولنعذر مؤقتاً المفارقة التاريخية، فلم تتبن تركيا بعد الرسم اللاتيني للغتها) وتحولت الأخيرة إلى "البكرج" في صورته الليبية – وكم هي عديدة وغريبة تسميات العرب لهذا الإناء. تخرج القهوة من اليمن، مروراً بشمال إفريقيا ومنها إلى أوروبا، يستهلكها الليبيون لقرونٍ من البكرج في المنازل والمقاهي – مصحوبة بالنرجيلة – فيعود المستورِد الإيطالي ببكرجٍ من نوعٍ آخر.

 المكياطا، في الدارجة الليبية، تعني caffè macchiato، القهوة "المتسخة"، كما يترجمها تلاميذ مدرسة "تبا لك = fuck you". مربط الفرس ليس ألسنياً، فنجتاز المسألة وننوه إلى الاصطلاح الدارج: التحوير/التعريب للكلمة شائع، فالليبيون يحولون كل تاء إيطالية إلى طاء. من أين جاءت "مكياتا"؟ لا وجود لها، وإن كانت هي الأقرب إلى المصطلح الأصلي. مخترع التعبير قريب لي، أتحفظ عن ذكر اسمه، يذكر المصطلح في كل مناسبة يتهكم فيها على شباب العاصمة طرابلس، فكما يرى، خنوعهم للسلطة كامن في تقاعسهم وشربهم المكياتا.

لا ضير من الإشارة إلى مرونة المكياتا الاقتصادية. هذا الكوب العجيب لم يتأثر بالانهيار المخزي للدينار الليبي. فمنذ دخول المقاهي إلى السوق في مدينة البيضاء، لم يتجاوز سعر الكوب ديناراً ونصف

 نُصِبَت معسكرات الاعتقال واُبيدَ الكثير، وآلة الإسبريسو مزدهرة حتى الأربعينيات. ستظل مزدهرةً حتى سقوط المملكة في شوارع العاصمة والمدن الكبرى. بعد ذلك، سيتبين لمن تجرّأ على قراءة التاريخ الحديث للبلد أن الجماهيرية لم تكن من مشجعي هذه البدعة، إلى أن انفتحت ذهنية الأخ القائد الفذة على العالم في أواسط العقد الأول من الألفية الثانية. إنه عصر الانفتاح على شاشات البلازما والمواد المنزلية والمقاهي والهواتف المحمولة. المقاهي عادت إلى الكهل والهرِم في صورة نوستالجيا هائمة في أسطورة "الزمن الجميل"، وعادت إلى الشباب ليس في صورة العودة، بل في صورة الحداثة المادية: ها نحن نواكب العصر.

    لن أنافق وأنكر بعضاً من تهكمٍ في خطابي أيضاً، ولكنني أعترفُ بنفاقي لأنني أظل شاباً ليبياً، عاجزاً عن الإتيان بمقترحات مغايرة لهذا التقاعس المزعوم. بيدَ أن التفكر يحيلني إلى أصالةٍ – بالمعنى الوجودي – أمارسها على الدوام، وهي أنني مؤمن أن الناقدَ ليس معنياً بالإصلاح. "إن لم يكن لديك حل، فلا تنتقد"، هذا رأي شائع أعارضه بشدة. الورطة كامنة في أن خلفيتي الثقافية لا تسمح لي بالنقد، ولا مزاجي يبيح لي بالإصلاح. مزاجي هذا منبثق من استرخاء أبدي في كنفِ السينما ودائرة الأصدقاء الضيقة. أما الناشطون الليبيون في صورتهم الأصيلة فمهددون بالانقراض: اُغتيل الكثير واُغتيلت الكثيرات، ومن بقيَ فهو يجاهد بقلبه وراء شاشات التلفزيون، وبلسانه في المنفى. نرى ناشطين هنا وهناك في اتجاهين: النجومية أو البحث عن الشهادة، وهذا حقهم.

المكياتا في زمن الكورونا

    يعيش عبد المجيد الجربي في حي غرائبي في العاصمة طرابلس. يحيط بمنزله ومنازل جيرانه جدار عازل، ليس لردع الإرهابيين، بل لقضاء حاجة في نفس مطار معيتيقة، شرق العاصمة. فهو ليس من أهل العاصمة تحديداً (سوق الجمعة)، وليس بالضرورة من أهل تاجوراء. هذه الفذلكات الجغرافية لا تهم إلا من على شاكلتي، لأن عبد المجيد طرابلسي الهوية والهوى، كما يقولون.

سيتبين لمن تجرّأ على قراءة التاريخ الحديث للبلد أن الجماهيرية لم تكن من مشجعي هذه البدعة، إلى أن انفتحت ذهنية الأخ القائد الفذة على العالم في أواسط العقد الأول من الألفية الثانية

    في مطلع الكورونا (كوفيد-19)، اُقفِلَت المقاهي بطبائع الأحوال. "لما سكروا القهاوي، ديما يتكرر سؤال في الصفحات وحتى في الشارع: وين نلقى قهوة مفتوحة؟"، يكاتبني عبد المجيد. و"الصفحات" هنا معنية بحسابات المتسائلين في فيسبوك. يتابع، "ونتذكر حتى صحاب خوي نعرفهم، يمشوا مع بعض كمجموعة يدوروا في قهوة أو لو يعرفوا قهوة مفتوحة." أمست المقاهي مهجورة لثلاثة أشهر حينها والتوتر على أشده، لكن هذا لا يمنع السخرية والضحك على الابتلاء، فحجاج المقاهي "يديروا في ميمز عالأشخاص الي يعرفوا قهوة أو الي فاتحيين قهوة. غير أن فيه ناس غاضبة في التعليقات ومن الناس لنعرفهم". لم تخلُ مغامرات البحث عن مقاهي مفتوحة من المخالفات القاسية – لا سيما في الوقت الذي بلغت فيه الأزمة الاقتصادية مرحلة ذعر كوكبي – فعبد المجيد يقر أن "فيه فترات المشية للقهوة كانت مغامرة لأن مرات يخالفوك وكانت ضريبة الطلوع 500 أو أقل."

     لا ضير من الإشارة إلى مرونة المكياتا الاقتصادية. هذا الكوب العجيب لم يتأثر بانهيار الدينار المخزي. فمنذ دخول المقاهي إلى السوق في مدينة البيضاء، لم يتجاوز سعر الكوب ديناراً ونصف. ربما لأن من أدخل ثقافة المكياتا إلى معقل البدو في شرق البلاد كانوا ولا يزالون من دول المغرب العربي، فلا أجندة استعمارية ولا رأسمالية (لم تنجح بعد ستاربكس في احتكار السوق) تقصي "المواطن البسيط" من "احتساء" هذا المشروب المستجد.

مكياتا... حرية... عدالة اجتماعية

     هل نحن مؤمنون فعلاً بالثورة كرد فعل ضروري ضد فترة حكم هزلية في تجهيلها وخرابها كجماهيرية القذافي؟ ربما السؤال ليس ضرورياً للغالبية. في اعتقادي، لا يجوز لأحدٍ، حتى وإن كان عالم اجتماع، أن يشخص شعباً بالنظر إلى استطلاعات رأيٍ يزعم بأنها ستفك شفرة السمة الأخلاقية لهذا الشعب. قد يؤمن الليبيون اليوم بعدم نجاعة الثورة بل وبدمارها المتأصل. محتمل استنباط هذا في بلادة التقاعس المكياتي، ومحتمل رؤية من أضناه السعي إلى التحرر.

     لا يجوز لأحد أن يتفلسف على من يترحم على إرث القذافي لأن المشتكي يحن إلى الخبز الرخيص و"الأمن والأمان"، لأن هذا هو ما يراه كمجتمع ليبي في أفضل حالاته. في هذا الطرح تفضل فكري على مناصري العهد السابق، لكنه يظل تفضلاً عقلانياً، لأن المجتمعات لا تُبنى بوفرة الخبز والأمان (وهو في الواقع ترهيب وليس أماناً).

    المقهى مهم. يقيناً، هو مساحة للاسترخاء والتسامر، لكنه أيضاً إحدى بواتق السمة الأخلاقية للشعب. هنا يصبغ هذه السمة حضور ذكوري طاغٍ، وهذا ليس بالسيىء في حد ذاته، فالذكوري على الأقل لا يشمل الطبقي. في المقهى الليبي، ترى المثقف وناشط/ة المجتمع المدني، ومدخن الشيشة، ومحب المكياتا الأصيل الرافض قطعاً أن يؤدلَج، وإن كان بعض من الأيديولوجية مستحباً في هذا التصحر الثقافي.

    خط الدفاع الأخير لمحب المكياتا هو المقهى. قد يغدو إغلاقها سبباً في ثورة فعلية. شح المساحات العامة للـ "تنفيس" ليس سبباً في هذه البلادة، فدول المنطقة الغنية تعج بالحدائق والنوادي الليلية ودور العرض وجبال التزلج على الجليد الاصطناعية، ولهم بلادتهم الخاصة بهم.

    للمراقب المستجد، ثمة خط رفيع بين الرواقية و"الكلبية"، فتقبلنا لأهوال الوضع البشري قد يزيغ إلى اللامبالاة وادعاء المعرفة. أقر إذاً أن الحديث عن مجتمعٍ قدوة باطل. إن أفضل المجتمعات تلك التي تقر بأخطائها وتستكشفها وتناقشها. في ليبيا، لم نصل بعد إلى مرحلة العيش، دع عنك الدعوة إلى الحوار (بمعناه الواسع). 

   يفكر عبد المجيد، كونه صانعَ أفلامٍ، أن يصور سكيتشاً على فرضية ثورة شباب العاصمة ضد حبس آلات الإسبريسو. إنها ثورة المكياتا الكبرى، فجرها شبان بمشاعر صادقة وأصيلة كما فعلوا في 2011، بعد مرور قرن على قدوم الآلة إلى أرض آكلي اللوتس، أولئك "الدراويش" الذين نسوا ماضيهم وعاشوا مخدرين بثمار اللوتس – المكياتا الأولى – والذين حدد هيرودوت موطنهم في الساحل الليبي، أما بوليبيوس فوضع سبابته على جزيرة جربة التونسية، موطن أسلاف عبد المجيد. لعل هذه الثورة تحدث قريباً، فنشترك أنا والجربي في النبوءة، ويذكرنا ناقدو المستقبل بوصفنا من آكلي اللوتس، حيث تنبأنا بثورةٍ باركناها وتندرنا عليها معاً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard