شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
الانهزامية تورِّط السوريين في السفر إلى المجهول... "جنسيتنا ذنب لم نقترفه"

الانهزامية تورِّط السوريين في السفر إلى المجهول... "جنسيتنا ذنب لم نقترفه"

حياة

الثلاثاء 11 أكتوبر 202201:11 م

عندما بدأتُ بالتفكير في السفر إلى الهند، بغرض الدراسة، تعرّضت لوعكة صحية شديدة. وبعد الفحص الأولي اشتُبه بإصابتي بالتهاب الكبد، وعليه توجّب إجراء تحليلات طبية عدة، وكانت المفاجأة أن جميع نتائج تلك التحليلات سليمة. احتار الأطباء ووصفوا لي بعض المسكّنات، إلى حين سألتني إحدى الطبيبات في مشفى تشرين الجامعي في اللاذقية، عما إذا كنت أعاني من عارض نفسي شديد. عندها، أيقنتُ سبب ما أعانيه. وما إن حُسِمَ الأمر، وزال الشك حول اتخاذ قرار السفر، زالت أعراض المرض بشكل كلّي.

كان القلق من قرار الرحيل سبباً في ألمي لأكثر من أسبوع. الرحيل عن بلاد لم أصِفها يوماً إلا بـ"العزيزة"، بالرغم من كل جورِها، بعد رفض العديد من عروض العمل في الخارج كصحافي، ومنح دراسية عدة كخرّيج هندسة زراعية. لماذا رفضت؟ لا أعلم. كان هناك شيء يقيّدني بشكل غريب، أو ربّما كنت غارقاً في كومة قش، أبحث عن إبرة أمل. وسط متابعة الأخبار العاجلة، وكتابة المحلية منها، خاصةً أن الجميع يعانون من عجز في جميع القطاعات الخدمية، فضلاً عن أخبار الحرب التي لم تتوقف للحظة، كانت البلاد تشبه الدوامة، وأنا في محاولات مستمرة لإنقاذ نفسي من الانجراف.

كان القلق من قرار الرحيل سبباً في ألمي لأكثر من أسبوع. الرحيل عن بلاد لم أصِفها يوماً إلا بـ"العزيزة"، بالرغم من كل جورِها

بعد نقاش طويل حول صوابية قراري السفر، مع صديق سافر عام 2018، لدراسة الماجستير في الهند، ختم حديثه بالجملة التالية: "اللي بيدوِّر ع ربّه بلاقيه". وكان -مجازاً- يقصد: "تستطيع إيجاد ما تبحث عنه في الحياة، إذا عرفت ما تريد بالضبط وآمنت به". ثم سأل: "ما هو هدفك من السفر؟"، مردفاً: "عليك معرفته جيداً، وإلا ستكون في دوامة جديدة تصعب النجاة منها".

كان جوابي أنَّي أرغب في الابتعاد عن كل مسبِّبات الجلطة القلبية، خاصةً بعد أن خانتني ركبتي اليسرى في حمل جسدي مع حقيبتي للخروج إلى العمل الذي لا يعود عليّ براتب يمنحني حياةً مقبولةً على الأقل، وسط ارتفاع جنوني في الأسعار. ردَّ صديقي بالصمت، لأنّه قد عانى من الأمر ذاته.

الهروب من الواقع

قابلت بعدها براءة المنصور، بهدف الاستفسار عن الحياة في الهند، وكانت قد أنهت للتو دراسة الدكتوراه في مدينة بنغالور وعادت إلى سوريا بعد خمس سنوات. سألتُها: "هل الهند بلاد جيدة؟". ردت مبتسمةً: "سل نفسك أولاً: هل أنا شخص جيّد؟"، مضيفةً: "عليك أن تعلم أن في كل البلدان فرصاً ثمينةً، والسر يكمن فيك، وفي كيف تغتنم تلك الفرص لتطوير ذاتك واكتساب أفكار جديدة"، وأعقبت: "احذر من الانهزامية التي تسري في عروق معظم السوريين الذين يسافرون فقط ليهربوا من واقع إلى آخر، من دون التخطيط لشيء، فيكون الفشل في انتظارهم".

كنت أعلم بأن الانهزامية لدى الشباب السوري أمر واقع وأسبابه كثيرة؛ آمال محطمة، ومستقبل غامض وسنوات تمضي من عمر الجميع من دون أن يتقدموا سوى خطوات في طوابير الغاز والخبز والوقود، مع انعدام أي أمل بتحسّن الأوضاع، لذلك كان قرار السفر مسألة وقت بالنسبة لمعظمنا، ولو كانت الوجهة مجهولةً.

لا أدري الآن كيف ستفيدني شهادتي في إدارة أعمالي في الهروب إلى بلد جديد. شرّ البلية ما يُضحك

أنهيت دراسة الماجستير بعد سنتين بمعدل ممتاز، مستهلكاً كل الصبر الذي تتوَّج بحصولي على منحة لدراسة الدكتوراه، ولو أنّها ضعيفة مادياً، لكنها كافية لأستمر في تحصيلي العلمي من دون العودة إلى "دوّامتي العزيزة". ومثلي أيضاً العديد من الطلاب. لكن هناك مئات آخرين سيتخرَّجون في غضون أشهر، ولم ينجزوا شيئاً سوى أنّهم أمضوا سنوات عدة بعيداً عن "شبه الحياة" في سوريا، واليوم هم أمام شاشات هواتفهم يتفقدون أسعار رحلات العودة، لأنهم لا يملكون أدنى مقومات التقدم لعمل مناسب أو منحة دراسية أخرى. كانت الانهزامية التي حملوها معهم من سوريا، قد رافقتهم طوال تلك الأيام واستهلكت أهم سنوات أعمارهم.

شرّ البلية

يقول محمّد (اسم مستعار): "كان سفري إلى الهند بهدف التملّص من أداء الخدمة العسكرية، بعد استنفاد كل سنوات التأجيل في سوريا. اليوم أحمل شهادة البكالوريوس في إدارة الإعمال. ساعدني في الحصول عليها أنني طالب أجنبي في الجامعة، وكان الجميع يتعاطفون مع ضعف لغتي الإنكليزية وسط صدمتهم من أن المناهج الجامعية تدرَّس باللغة العربية حتى اللحظة في سوريا". يضيف ضاحكاً: "لا أدري الآن كيف ستفيدني شهادتي في إدارة أعمالي في الهروب إلى بلد جديد. شرّ البلية ما يُضحك".

باتت الهند مقصداً لطلاب من جنسيات مختلفة تعاني بلدانهم من حروب أو أزمات اقتصادية خانقة، منها اليمن وأوغندا وإثيوبيا وفلسطين والسودان ونيبال وغيرها، بسبب تقديمها منحاً دراسيةً وفق برامج تعليمية محددة، فضلاً عن رخص المعيشة مقارنةً بغيرها من البلدان الأوروبية التي تقدّم المنح ذاتها. جميع هؤلاء الطلاب متعطشون لتحقيق أنفسهم، ونيل أعلى الدرجات بهدف تأمين منح دراسية أفضل، أو فرص عمل جيدة لتحسين مستوى معيشتهم ومساعدة عائلاتهم. ومع الكثافة السكانية الهائلة في الهند، وعدد الطلاب الكبير، يتوجب على الطالب السوري بذل جهود مضاعفة للظفَر بمرتبة متميزة.

فإذا أردت السفر اليوم، عليك أن تتجرد من انهزاميتك، وتعلم إلى أين ستسافر وكيف، وأن تواجه نفسك بسؤال: "ماذا سأفعل في كل يوم في اغترابي؟"، لتحقق تقدماً يؤهلك لمستقبل تحلم به مهما امتلكت من مال. فماذا إن كنت في الأصل لا تملك سوى سعر تذكرة السفر؟ طبعاً هذا في حالة الهند التي مناهجها باللغة الإنكليزية التي تُعدّ مألوفةً لجميع الطلاب السوريين، لا بالألمانية أو الروسية أو غيرهما.

التأقلم الصعب

عام 2012، ودّع طارق (27 عاماً)، أهله في قريته كفرتخاريم في ريف إدلب متوجهاً إلى تركيا، آملاً بالعودة يوماً حين تستقر الأوضاع الأمنية، فالوطن هنا ليس فندقاً تغادره عند عدم الشعور بالراحة، بل هو مكان آمن للمستقبل حسب رأيه. بعدها، قرر الهجرة على متن قارب مطاطي إلى اليونان، ثم عبر أكثر من بلد أوروبي حتى وصل إلى وجهته النهائية في مدينة بريمن الألمانية.

يقول: "كان قرار السفر صفعةً حقيقيةً، ليس لي فقط بل لعائلتي أيضاً، إذ باع والدي الأرض الزراعية التي تُعدّ بحكم المحرَّم بيعها في أعراف المجتمع الريفي السوري، كونها مصدر الرزق الأول، فضلاً عن كونها موروثةً من الأسلاف وستوَّرث إلى الأحفاد، وكان بيعها لتوفير مصاريف السفر مع إخوتي، بشرط العمل في الخارج وشراء الأرض مجدداً لإعادة ملكيتها".

الحياة في سوريا باتت شبه معدومة، لكن يستحق كل سوري ألا يقضي سنوات أكثر في جحيمٍ آخر غير جحيم بلده.

استطاع طارق شراءها مجدداً، بعد أن اضطر إلى العمل لساعات طويلة يومياً، واعتاد بسببها على النمط الألماني في العمل، فوجد نفسه بعد سبع سنوات في المكان نفسه، يعمل لساعات طويلة من دون القدرة على الدراسة في الجامعة أو الاندماج في المجتمع. يقول: "يظن البعض أن ألمانيا بلد الأحلام. نعم هي متطورة وعالية الجودة، لكن لا توجد فيها حياة اجتماعية كما في سوريا، وهذا صعب جداً مع الوقت. اليوم أفكر في الرحيل إلى بلد آخر. لم يعد هناك أمل بالعودة إلى سوريا. الأوضاع هناك تزداد كوارثها كل يوم".

ذنب الجنسية

بالرغم من أنها موفدة إلى روسيا لدراسة الدكتوراه في الهندسة المدنية، إذ تغطّي وزارة التعليم العالي كافة مصاريفها، إلا أن ريم (اسم مستعار)، تعيش كابوساً حقيقياً مع اقتراب انتهاء مدة وفادتها، فهي لا تريد العودة إلى سوريا، ولو أن حلمها بالتدريس في الجامعة سيكون في انتظارها، لكن براتب لا يزيد عن 50 دولاراً أمريكياً، وهذا ما يفسد كل سنوات التفوّق، حسب رأيها.

وفي حال عدم العودة، ستكون أمام مساءلة قانونية وغرامة مالية ضخمة. تقول ريم: "بعد التعود على نمط حياة يتوفر فيه كل شيء، لا أستطيع تخيل الحياة مجدداً بلا المقومات الأساسية. لا أعلم ما إذا باتت الجنسية السورية ذنباً علينا تحمّل وزره طوال حياتنا، بالرغم من أننا لم نقترفه".

السفر ليس "تراند"، أو حلّاً لمن يختاره من دون خطة واضحة. اليوم، نصادف عشرات المناشدات على وسائل التواصل الاجتماعي لتأمين أي فرصة عمل لشبان لم يتبقَّ لهم سوى الشارع، إذ يعمد المئات إلى السفر إلى بلدان تمنح "الفِيَز" للسوريين، كالإمارات وأربيل، ظنّاً منهم أن مجرد السفر إلى مدن نشاطها الاقتصادي عالٍ، سيوفر لهم فرص عمل ذهبيةً، والنتيجة خسارة أموالهم.

الحياة في سوريا باتت شبه معدومة، لكن يستحق كل سوري ألا يقضي سنوات أكثر في جحيمٍ آخر غير جحيم بلده.

Website by WhiteBeard