شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
من

من "حاجة تانية خالص" لـ"حبّك سفّاح"… فنانات عربيات يضلّلن النساء باسم الرومانسية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والنساء

الاثنين 10 أكتوبر 202201:07 م

احتفى جمهور "ملكة البوب العربي" نانسي عجرم بإطلاق أحدث أغنية مصوّرة لها بعنوان "علشانك" التي اشتُهِرت فور تداولها باسم "حبك سفّاح".

استرسل عشّاق الفنانة اللبنانية في التعبير عن إعجابهم بالكليب الذي صُبِغ بصبغة هندية تجسدت في الملابس ذات الألوان الصارخة والموسيقى الحماسية والبهارات والرقصات. قلة منهم ركزت على الكلمات التي رآها معنيون بحقوق المرأة غير موفقة وربما كارثية.

تقول نانسي في أغنيتها باللهجة العاميّة المصرية: 

علشانك ممكن أخبّط أو أزعق أو أكسّر
علشانك أهد الدنيا حبيبي بس إنت تأشّر (تطلب)
علشانك آه، آه، آه
علشانك ممكن أعيش أسبوع ما باكلش ولا أشرب
علشانك ممكن أسافر وأتشحطط وأتغرّب
علعشانك ممكن أنام في الثلج عشان تدّفا
حبك سفاح، مجرم وماسك لي سلاح

الترويج للحب العنيف على أنه "أكثر رومانسية" من الحب الهادئ ليس جديداً على أغنياتنا العربية. لكن توقيت إطلاق الكليب، بعد حالات متكررة من قتل وذبح الفتيات على أيدي شركائهن العاطفيين الحاليين والسابقين في مصر، جعل البعض يتوقف عند الكلمات التي غنّتها نانسي بـ"دلعها" المعهود، وينتقدونها.

عبارات مثل "أنا ملكك" و"تأمر أمر" و"عايشة عشانك" و"غيرك مليش" إلخ، تتكرر في عشرات الأغاني الحديثة على اختلاف اللهجات المحكية العربية، وجميعها يروّج للانسحاق التام للمرأة وطمس كيانها في شخص شريكها العاطفي

عبودية وانعدام شخصية

لست بحاجة لشرح أثر الأغاني علينا كشعوب عربية، خاصة الفتيات والسيدات، وفي التلاعب بأمزجتنا ومشاعرنا، وقدرتها على التحليق بالكثيرين منا من شعور حالة حب إلى تجربة ألم الفراق، وإن لم نكن نعيش قصة حب حقيقية. 

أما عن أثر الأغاني وأهميتها في تشكيل الوعي الجمعي، وأفكار الفتيات الصغيرات على نحو خاص، فهناك الكثير ليقال. سأكتفي منه بالاستشهاد بما كتبته وقالته الرائدة النسويّة الراحلة نوال السعداوي. في مؤلَّفها "أوراقي… حياتي"، ص70، كتبت في إشارة إلى الانفصال عن الواقع في الأغاني العاطفية وقدرتها على التأثير على وعي الفتيات:

"كنت أسمع الموسيقى والأغاني في الراديو، كلها أغاني الحب، حب الرجل للمرأة، أو حب المرأة للرجل، لم يكن حولي رجل واحد يَخفق له قلبي. كان يكفي أن أمشي في الشارع لأكره كل الرجال وكل الصبيان. يَرمقون جسدي بتلك النظرة المُحملقة مثل السهم ينطلق ويُصيب صدري. النهدان الصغيران أخفيهما تحت الحقيبة. أنطلق إلى المدرسة أجري، عيونهم تُطاردني من أبواب المقاهي والحوانيت أو فتحات الأزقة والحواري".

في لقاء آخر مع المذيع مفيد فوزي، انتقدت السعداوي "ثقافة العبيد" و"انعدام الشخصية والكرامة" التي كانت تلوح في بعض كلمات أغاني كوكب الشرق أم كلثوم.

أحياناً، أشعر أنني -في داخلي- ألتمس العذر للأجيال السابقة من النساء العربيات، وبينهن المطربات، التي عشّشت الأفكار الذكورية والانطباعات الدونية عن المرأة في أذهانهن، تبعاً لأنماط التربية السائدة آنذاك والبيئة المحيطة بهن والإطار المجتمعي الملزم لهن.

لنفس السبب، لا أتعاطف ولا أتقبّل أن تروّج فنانة معاصرة لمثل هذه الأفكار في أغانيها بعد كل ما خاضته النساء من معارك لانتزاع حقوقهن وما أنجزن من تغيير في الوعي وإن لم يكن جذرياً أو كافياً لإحلال المساواة بين الجنسين بعد.

هذا ناهيك بما تتعرض له النساء العربيات من عنف وتمييز وتهميش لا تتطلب معرفته أن تتحول الفنانات المعاصرات لناشطات نسويات، بقدر ما يحتاج منهن الانفتاح على مجتمعاتهن ووضع النساء فيها ومتابعة الأخبار والسوشال ميديا وهذا كله من صميم متطلبات عملهن.

عبارات مثل "أنا ملكك" و"تأمر أمر" و"عايشة عشانك" و"غيرك مليش" إلخ، تتكرر في عشرات الأغاني الحديثة على اختلاف اللهجات المحكية العربية، وجميعها يروّج للانسحاق التام للمرأة وطمس كيانها في شخص شريكها العاطفي.

الترويج لحب التملك من الرجل وفرض السيطرة الذكورية من باب "الرومانسية المفرطة" باعتبارها "خوف وحب زائد وغيرة مطلوبة"، وتمرير العلاقات المسيئة كأنها "الطبيعي" في الحب. إقناع الفتيات بأنه ليس عيباً أن يلغين شخصياتهن أمام الشريك العاطفي… 

كلها شائعة في الأغاني الحديثة وكلها منفصلة عن الواقع لأن الحقيقة إذا فعلت/ قبلت الفتاة ما تدعو إليه هذه الأغاني، فلن تعيش سعيدةً، كما في السيناريو المزعوم، بل ستتعرض للتهميش والتجاهل والخيانة والتعنيف وعلى الأرجح ستنتهي هذه العلاقة بعد أذى بالغ تتعرض للفتاة/ السيدة.

نوال السعداوي: كنت أسمع الموسيقى والأغاني في الراديو، كلها أغاني الحب، حب الرجل للمرأة، أو حب المرأة للرجل، لم يكن حولي رجل واحد يَخفق له قلبي. كان يكفي أن أمشي في الشارع لأكره كل الرجال وكل الصبيان

تزعجني هذه العبارات في أغنيات المطربين لكن وقعها يكون أسوأ عليّ حين تنطق بها فنانات. أؤمن أنه بنفس القدر الذي يجب أن نستنكر به الأغاني المسيئة للنساء من المطربين، ومنها "الراجل" لرامي صبري، و"سي السيد" لتامر حسني، و"سالمونيلا" لتميم يونس، و"دولا مجانين" لأبو الليف، و"جمهورية قلبي" لمحمد إسكندر، بل وأكثر علينا أن نُدين الأغنيات التي تكرّس الأفكار النمطية وتهدد أمن النساء وكبريائهن واستقلاليتهن حين تتغنى بها سيدات.

فإذا لم تنحَز الفنانات العربيات - كشخصيات مؤثّرة- لقضايا بنات جنسهن، من قد يتصدى لها إذاً؟

"هسمع كلامه وتحت أمره"

العام الماضي، في ديو "حطالي روج" بين مايا دياب ومحمود الليثي، غنّت الفنانة اللبنانية مايا دياب: "عاكسني آه بس تعاكس بالراحة، أنا عايزة أكون مرتاحة"، لم تشرح كيف تكون المرأة "مرتاحة" وهي تتعرض "للمعاكسة" المرادف الأقل حدة للتحرش اللفظي. لا أعتقد أن هذا أمر يمكن شرحه. 

حتى مع الهجوم عليها وانتقادها، استمرت مايا في الاحتفال بـ"نجاح" أغنيتها وانتشارها، ما شكّل صدمة للكثيرات يمكنني القول إنني إحداهن. في مجتمعات تلوم الضحية التي تتعرض للتحرش وحتى الاعتداء، أسوأ ما يمكن الترويج له أن الفتيات يسعدن إذا تعرضن للمعاكسة.

نموذج أكثر كارثية ربما قدمته الممثلة والمغنية المصرية دنيا سمير غانم، في أغنيتها "واحدة تانية خالص" الصادرة عام 2013، والتي تقول كلماتها:

ده أنا بقيت بلبس على كيفه
مبقولش لأ على حاجة بيعوزها
وبقيت أشوف كل اللى بيشوفه
والتعليمات بالحرف أنفذها
ما هو خلاص سيطر على حياتى
ومفيش ولاد غيره بكلمهم
لأ وكمان بينقى صحباتي
طب هعمل إيه؟ مش عاجبه معظمهم
أنا معاه تلميذة فى سنة أولى
بس الغريب أنا مبسوطة كده
وبكون معاه على طول هادية وخجولة
مع إنى أنا في حياتي مش كده

تلقين الفتاة أن "الحب" هو أن تُلغي شخصيتها تماماً وتتلقى تعليمات الطرف الآخر وتنفذها بينما يعمل هو على عزلها تماماً عن محيطها الآمن هو جريمة تزييف وعي واسترقاق أبوي لا ينبغي السكوت عنه.  

أؤمن أنه بنفس القدر الذي يجب أن نستنكر به الأغاني المسيئة للنساء من المطربين الذكور، بل أكثر علينا أن نُدين الأغنيات التي تكرّس الأفكار النمطية وتهدد أمن النساء وكبرياءهن واستقلاليتهن حين تتغنى بها سيدات

ومن الأغاني التي حققت نجاحاً واسعاً للفنانة يارا أغنية "بيت حبيبي"، إصدار عام 2014، وفيها تقول:

هسمع كلامه وتحت أمره في اللي يقولي عليه
وبأي شكل هريّحه لو حتي يطلب إيه
وإن جبت منه بنت يارب تبقى شبهه
وإن كان ولد هدعيله يتربى بإيديه
بعد النهاردة محدش غيره ليه علي كلام

مرة أخرى يوضع الحب في كفّة موازية لإلغاء كيان المرأة وطمس إرادتها ودورها كـ"شريكة حياة".

وفي أغنيتها "لشحد حبك" من إصدار عام 2010، تقول نجوى كرم: 

أنا لشحد حبك من عند الله شحادة
أنا لعبد حبك من بعد الله عبادة
عيني يوم الفرحة يوم ألمح عيونك
لامشي ع دروبك حفى والله وأنادي

نجوى من المطربات الشهيرات بالتشبع بالأفكار الذكورية. هنا كانت جرعة الانسحاق التي عبّرت عنها بالغة.

في أغنية "لما تبقى حبيبي" من ألبوم العمر ماشي الصادر عام 2005، تقول الفنانة الأردنية ديانا كرزون التي اشتهرت بأغنية "إنساني ما بنساك": 

لما تبقى حبيبي، اللي بحلم بيه
يومها من حقك تقول لي
أعمل إيه ومعملش إيه

قد يراها البعض كلمات "عادية"، لكن في مجتمعات لا يزال يُنظر للارتباط/ الزواج فيها على أنه صك ملكية من الرجل للمرأة، من غير المقبول أن نمهّد المرأة لتقبل ذلك والخضوع أكثر عوضاً عن تعزيز ثقتها بنفسها واعتدادها بكرامتها.

هذه ليست سوى عينة بسيطة من الأغاني "الرومانسية" التي تقدمها فنانات عربيات للأجيال الجديدة التي يعوّل الحراك النسوي على أن تنشأ على مفهوم الحرية وتقدير المرأة، ولا ينبغي أن نتساهل معها أو على الأقل نسمح بمرورها وانتشارها دون موقف مضاد لإدانة ما تسعى لغرسه من أفكار دونيّة عن المرأة.

إجمالاً، علينا نقد هذا المحتوى الغنائي لما للأغاني من أثر علينا كمجتمعات عربية وتحديداً النساء، وبالنظر إلى شعبية هؤلاء الفنانات على الأجيال الجديدة، ولأن ما تروج له يُسهم في ترسيخ أفكار أبوية ذات حضور قوي في مجتمعاتنا، بما يضر بالمكتسبات التي يحققها الحراك المدافع عن حقوق المرأة، وأخيراً لأنه ينبغي لهؤلاء الفنانات استغلال حب الجمهور لهن لدعم القضايا العادلة للنساء لا تمهيدهن لتقبل القيود الذكورية بصدر رحب وقلب محبّ.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard