شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
حتى عنوانك سأكتبه بعد الرعشة... رسائل محمد شكري ومحمد برادة

حتى عنوانك سأكتبه بعد الرعشة... رسائل محمد شكري ومحمد برادة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الأربعاء 30 نوفمبر 202202:15 م

تندرج هذه المادة ضمن ملف الرسائل (أمّا بعد)، في قسم ثقافة، رصيف22.


يقول المفكر اللبناني علي حرب: "إن وجود الغنى الفاحش إلى جانب الفقر المدقع في مجتمع واحد يؤدي إلى الانفجار عاجلاً أم آجلاً". لعل هذه الثنائية التي تحدث عَنها علي حَرب وجَدت مكانَ انفجارها في المغرب أدباَ وإبداعاَ، بين قلم هرم في الكتابة الروائية محمد شُكري.

أطلق عليه النٌّقاد صعلوك الأدب، نسبة إلى الشُّعراء الصعاليك الذين خرجوا على نظام القبيلة وعاداتها، لكن، شُكري تمرّد على الكتابة، فكانت الكتابة بالنسبة له مطيةً للتمرد على المُجتمع، وقد قال شُكري قبلُ: "أنتظرُ الإفراج عن الأدب الذي لا يجترّ ولا يرواغ".

تحققت نبوءة شُكري حين تناسلت اليوم كتابات تحاول تناوُل الهامش، ولكن، يبقى شكري رائدَ هذا النمط من الكتابة، برُغم ما تكبّده من نَقد لاذع من مناصري "الأخلاقية والرومانسية الأدبية".

حَمل الكاتب أدب الواقعية على أكتافه، مُعتبراً الأدبَ "ورقة احتجاج" ضد الطبقية، وتصوير الاختلالات السوسيواقتصادية. وبذلك ظهر ما أضحى يُسمى بالأدب الجريء.

أما الكاتب محمد برادة فجمع بين التأليف الرواية والنَّقد، وله من الدرسات النقدية والمؤلفات الروائية ما يجعله مُتربعاً على المشهد الثقافي والأدبي العربي عامة، وحصوله على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية العريقة يُظهر المعدنَ الفكري للناقد فيه.

امتدت الرسائل بين شكري وبرادة لمدة أكثر من 20 عاماً بين عامي 1975 و1997. نُشرت عام 2006، عن منشورات "الجَمل" في ألمانيا بين دفتي كتاب، وهُناك عُنونت بـ"ورد ورماد/رسائل"

تميزت سيرةُ محمد برادة بالتنوع في الإبداع، بدايةً بالعمل القصصي والمقالات السياسية في الصحف والمجلات، أولها جريدة "العلم" المغربية. وتوسع برادة في قراءة الأدب والفلسفة من أجل بناء مشروعه الفكري، الذي بدأه بالكتابة النقدية والترجمة قبل أن ينتقل للتأليف الروائي. يُعتبر برادة رائداً من رواد التجريب، التيار الذي يؤمن بأن الراوية قابلة لاحتضان مُختلفِ الوسائل التعبيرية، ولا وجود لأيّ معرفة خارج نطاق التجربة والأحاسيس.

ورد ورماد: رسائل بين شكري وبرادة

امتدت الرسائل بين شكري وبرادة لمدة أكثر من 20 عاماً بين عامي 1975 و1997. نُشرت عام 2006، عن منشورات "الجَمل" في كولونيا (ألمانيا) بين دفتي كتاب، وهُناك عُنونت بـ"ورد ورماد/رسائل"، تبادل خلالها الرجلان عشراتِ الرسائل، لتكون بذلك نموذجاً من أهمّ نماذج الجنس الرسائلي.

أول لقاء جَمع بينهما كان عام 1972 بمدينة طنجة، فهُناك تشكلت الصورةُ الأولى لمحمد برادة عن شكري. كان قد شكل معجبو شكري صورة له بأنه رَجُل الجنون والابتذال؛ تلك الصورة بدّدها برادة في إشارة له ضمن الرسائل، يقول فيها: "ولفت نظري خلال محادثتنا التي امتدت إلى ساعة متأخرة من تلك الليلة، أن شكري أبعد ما يكون عن الصورة التي يرسمها له المُعجبون. كان رزيناً في حواره، عقلانياً في حججِه، جريئاً في طروحاته ونقده لما يقرأ. لم يكن مشدوداً إلى (أسطورة) ماضيه، بل كان منفتح العينين على حاضره، يعيش أقرب ما يكون إلى الواقع المعقد المُتسارع في تحولاته".

في تلك الفترة التي بدأت الرسائل بينهما كان شُكري قد بدأ النشر في مجلة "الأدب"، بادئاً بذلك مساره الأدبي، في حين كان برادة في خضمّ إنهاء رسالة الدكتوراه عن محمد مندور، وبدأ التدريس في كلية الآداب، وكان يشغل حينها منصب رئيس اتحاد كتاب المغرب. كانا يعيشان على طرفي النقيض؛ علاقة صداقة بين شخصين من وضعيات متبانية، واهتمامات مُختلفة. شُكري المُنغلق في طنجة والهائم فيها وفي كأسه، وبرادة السائح في رحلاته ونداوته بين بيروت وباريس وطشقند وواشنطن، يُراكم المجد.

"استيقظت منذ قليل، أكتب لك بيدٍ راعشة. ما زلتُ في كأسي الأولى. الصيف عفن. لا أستطيع الاستمرار في الكتابة. الدوخة والغثيان. هذا يكفي. حتى عنوانك سأكتبه بعد أن تزول الرعشة"... من شكري إلى برادة

"ورد ورماد" العنوان الذي اختاره برادة للمُراسلة، عُنوان يَحمل بين دفتيه استعاراتٍ قد نقرأ من خلالها حتى شخصية الرجلين؛ إشارة إلى الحياة والفناء، التدوين والطمس.

الوردُ قد تُحيلُ إلى الوجود، ذاك الذي نتلقفه بسعادة العطشى. أما الرماد فلا شيء سوى الزوال، التبدد لجميع أشكال الانبعاث أو الحياة. ولعله تلك اللااستجابة التي تشبث بها شُكري في حياته التي تحوي اللامعنى. نصائح نثرها برادة كالورد على رماد حياة شُكري. أراد برادة من شُكري أن يتحرر من خيباته، أن يُفكّر بالانبعاث من جديد. غير أن شُكري كان متشبثاً معانداً، مُراوغا لنصائح برادة. ويظهر ذلك في رسالته القائل فيها: "استيقظت منذ قليل، أكتب لك بيدٍ راعشة. ما زلتُ في كأسي الأولى. الصيف عفن. لا أستطيع الاستمرار في الكتابة. الدوخة والغثيان. هذا يكفي. حتى عنوانك سأكتبه بعد أن تزول الرعشة".

من جانب آخر، تُظهر الرسائلُ عن الطبيعة المتباينة للشخصيتين، فضمن نفس فلسفي سيكولوجي، إنها تسلط الضوء على الجانب الشخصي لكليهما: ردود الأفعال، العلاقات الاجتماعية، النظرة للحياة، العمل، ميولات الفن.

مُراسلات برادة وشُكري تَكشفُ ضمنياً عن مجموعة مفارقات بين برادة المثقف "العُضوي" الذي يبني حياته بين الفعل الثقافي والسياسي والكتابة النقدية، يسعى للتحرر من خلال العملية النقدية المُسائلة، وبين كاتب يعيش الإبداع بكل حواسّه، يفكك العالم تبعاً لحالات التقلب وذاكرته المثخنة بالمعاناة؛ كاتب يميل نحو الهوامش وتستهويه، وكاتب آخر عاش فيها وبها ومعها.

يظهر برادة في كثير من رسائله مشدداً على شكري بالكتابة؛ من ذلك قوله: "لذلك كنت ألحّ عليك دائماً أن تكتب، أن تتخذ من الكتابة أفيوناً؛ تكتب في الصباح وبعد الظهر وفي الليل. تتنفس كتابةً... تسجل كلّ ما يمرّ بخلدك من حبّ وكراهية، من تجاوب ونفور... أعتقد أن الكاتب الفرنسي ستندال حقّق ذلك؛ كان يكتب مذكراته ويكتب رحلاته، ويكتب الروايات، ويكتب بأسماء مستعارة، لكي يحقق التوازن في حياته من خلال الكتابة".

لم يكُن يقتصر برادة على حثّ شكري على الكتابة، بل وعلى السَّفر أيضاً، فكان شُكري ملازمَ طنجة. ونجد هذا التأكيد في رسالته: "لقد سعدت بسفرِك الأخير إلى برشلونة لأنني أعتقد –بيني وبين نفسي– أن السفر هو بلسمك، وهو الطريق الذي سيعيدك إلى نفسك الأصيلة، المُغامرة، المكتشفة، المقارنة، المتجددة عبر العلائق البشرية والفضاءات المغايرة لفضاء طنجة".

الظاهر من هذا التحريض المتجدد من برادة على الكتابة، يكشف عن شغفٍ كبير منه لشكري. جُرأة الكتابة، أو جنونها، تلك النزعة الأسلوبية الجريئة التي امتلكها شُكري، الكشفُ عن الواقع كما هو، وبلغتِه هو، ذاك ما غاب عن برادة. توزُّع الاهتمامات بين التعليم العالي، والزواج، والمحاضرات والأسفار، الشغف الروائي المكبوت الغائب عن برادة، رآه في محمد شكري، في نقيضه، وكأن برادة في إلحاحه على شكري بالكتابة إنما يحاول أن يؤسس سيرةً أخرى لشُكري، كوجهٍ آخر لبرادة.

"لقد سعدتُ بسفرِك الأخير إلى برشلونة لأنني أعتقد –بيني وبين نفسي– أن السفر هو بلسمك، وهو الطريق الذي سيعيدك إلى نفسك الأصيلة، المُغامرة، المكتشفة، المقارنة، المتجددة عبر العلائق البشرية والفضاءات المغايرة لفضاء طنجة"... من برادة إلى شكري

وقد نجدُ هذا التأسيس في اقتراحات برادة على شُكري إنجازَ أعمال مُشتركة بينهما تحاول تناول الواقعي والهامشي والتابوهات المجتمعية. يقول برادة في إحدى رسائله: "كما وعدتُك، سأحاول أن أنجز وإياك مشروعَ القصة المشتركة، انطلاقاً من حنان وما حكيته عنها. إن التفاصيل لا تهم، والوقائع تظل نسبيةً، ولكنها أيقظت في نفسي موامن تتصل بذلك الجانب الميثولوجي في نفس كلّ واحد عن المرأة –المدينة... المهم بالنسبة إلي، ألا تقطع الحبلَ عني لأنني أموت شوقاً إلى الكتابة. والمشاريع القصصية والروائية التي أنوي إنجازها، تتطلب نوعاً من التفرغ، وأنا لا أستطيع ذلك الآن... أعتمد، إذن، على كرمِك".

بالنظر في رسائل شكري نجد أنه وإن أصاب قسطاً من الشُّهرة، إلا أنها لم تشكل تلك النقطة التي ستُحدث التّحول في حياته. من حياة التسكع والتشرد، هُناك استقرار، بيدَ أن حياة اللامعنى لم تتغير. نجده في أغلب الرسائل، يتحدث عن النساء، والخَمرة، وروتينه اليومي، تارة يلقي اللوم على العامة والمحيط، وتارة أخرى على الأصدقاء. وثمة في سطوره شكوى وتذمر عن ناشري كتبه، وصانعي شهرته. يكتب عن صديقه اللدود الطاهر بنجلون: "كدتُ أنسى أن أخبرك أيضاً عن المقال الذي كتبه الطاهر بنجلون في لوموند عن الحياة الثقافية في المغرب. إنه يجهل الأدب المغربي المكتوب بالعربية. قال عني مثلاً: شكري روى حياتَه لباول بوولز وإنني مجرد حكواتي. كتبتُ توضيحاً وأرسلتُه إلى المُحرّر، لكنهم لم ينشروه".

مُنشرحاً مصادقاً الكأس التي لم تُفارقه، والنساء اللاتي تعرف عليهن، سواءً المغربيات أو الأجنبيات، في إحدى رسائله يقول: "اليومَ تغذيتُ مع مومس عريقة القحب في مطعم الدورادو. شخنا معاً. ربع قرن مضى. بعض النساء لا يصرن لطيفاتٍ حتى يشخن".

يبقى هذا المتنُ الرسائلي، شاهداً على طاقة إبداعية، في عملية تصوير المحسوسات واللامحسوسات؛ كمية هائلة من المشاعر، تبين عن نفسٍ فلسفي، بين ظاهرتين أدبيتين تعيشان على حافة النقيض.

محمد شكري وبرادة الصديقان قلباً، المفترقان طبيعة، يُظهران إلى حدّ كبير نموذجين للمثقف المغربي، العائش بين الهوامش، يمثله شكري وزفزاف وبنميلود وغيرهم، وبين مثقف الندوات والمحاضرات والسفر والذي يمثله برادة.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard