شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
تحت لثام الطوارق... وجه ليبيا الأجمل

تحت لثام الطوارق... وجه ليبيا الأجمل

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والتنوّع

الاثنين 17 أكتوبر 202201:01 م

يندرج المقال في ملف "فصل الدين عن القبيلة" من إعداد وتحرير جمانة مصطفى

ليبيا أرض تمتد جغرافيا على مساحة شاسعة من شمال أفريقيا وتتوغل في الداخل الأفريقي وصولا إلى عمق الصحراء الكبرى القبر العظيم لأسرار الأولين وحكاياتهم. على هذه المساحة الجغرافية تعيش كثير من قبائل البدو التي احتفظت بإرثها الثقافي وعاداتها التي سبقت ظهور الدين وانتشاره بين سكانها اليوم وفق المذهبين المالكي والإباضي. 

ليبيا غنية بالعادات والطقوس التي لم يأت بها دين ولم تفرضها تعاليم كتب سماوية لكنها رافقت الليبيين وملأت خواء الظروف التي لم تعودهم على جلب السعادة بكميات تكفي الجميع، ولأن البلاد قارّة كبيرة فإن هذه العادات اختلفت من الشرق إلى الغرب إلى الجنوب وحتى بشكل أكثر تفصيلاً في المنطقة الواحدة.

في مقالته "هل هناك صراع بين الحضر والبدو في ليبيا" والمنشورة على موقع الحوار المتمدن، يشير د. هشام القروي إلى خصوصية ليبيا في هذا الجانب، فيقول: "يضحكني كثيراً تقسيم الليبيين اليوم إلى بدو وحضر... واقع الحال ليس لهذا التقسيم حقيقة ملموسة اليوم، ربما كان هذا التصنيف موجوداً بالفعل قبل فترة السبعينيات، أما اليوم فلا وجود للبدو الحقيقيين ولا الحضر الحقيقيين، فالليبيون اليوم جميعاً من الناحية الشكلية هم من الحضر قطعاً، ولكن من الناحية الموضوعية الفعلية كلهم بدو".

الطوارق... وأسرار الصحراء الليبية

الصحراء الليبية هي كنز ليبيا وسرها، منذ أن لفّ الأسلاف جسد الطفل الليبي "وان موهي جاج" بجلد الحيوان والأوراق قبل آلاف السنين، ليقض أعماراً طويلة في حضن جبال أكاكوس قبل أن يُنقل إلى متحف السرايا الحمراء في طرابلس، ومنذ أن صنع الجرمنت عرباتهم وسلموها للخيول تكمل مهمة الذهاب بعيداً سلماً وحرباً، منذ ذلك الوقت والصحراء هي السر الأكبر الذي رسم الروائي الليبي التارقي إبراهيم الكوني بعض متاهاته في صفحات رواياته.

هشام القروي... لا وجود للبدو الحقيقيين ولا الحضر الحقيقيين، فالليبيون اليوم جميعاً من الناحية الشكلية هم من الحضر قطعاً، ولكن من الناحية الموضوعية الفعلية كلهم بدو

لسكان الصحراء قوانينهم وطقوسهم التي فرضتها طبيعة الحياة رفقة الرمال، وعلى أمل واحة صغيرة تبزغ في الأفق قد تكون مجرد سراب، لذلك فإن حياتهم خاضعة لنواميس الطبيعة قبل أي تعاليم سماوية لدين يعتنقونه أو قوانين وضعية لسلطة يخضعون لها ظاهرياً.

 عند الطوارق يكون اللثام فرضاً على الرجل التارقي دون المرأة، والرجل هو من يغطي كامل وجهه دون عينيه وله لفّات وألوان وأحجام للعمامة فوق الرأس حسب مركز الرجل ومكانته. المرأة التارقية بدورها لا تكتفي بالمكوث في البيت وحجب وجهها وصوتها، فهي جزء مهم من المجتمع التارقي تشارك في الحياة بكل تفاصيلها.

رقصات المرأة التارقية

تقول رهف وهو اسم مستعار لطالبة جامعية لرصيف22: "اللثام عند الرجل التارقي من الأشياء التي تميزه ويقدسها، في غدامس الرجل لا يزيل اللثام أبداً، لكنه قد لا يلبسه عند مغادرته المدينة".

وتضيف: "النساء التارقيات يشاركن في أداء الطقوس المختلفة مثل رقصة المهاري التي يؤديها الرجال على ظهور المهاري، حيث تتوسط المكان مجموعة من النساء ممن يقرعن الطبول ويغنين أهازيجهن المعروفة، وأيضاً هناك رقصات (تهمت) و(سبيبا) التي تعتمد على النساء وغنائهن وعزفهن على الطبول، فيما يؤدي الرجال المرافقة ببعض الحركات الراقصة".

النساء التارقيات يشاركن في أداء الطقوس المختلفة مثل رقصة المهاري التي يؤديها الرجال على ظهور المهاري، حيث تتوسط المكان مجموعة من النساء ممن يقرعن الطبول ويغنين أهازيجهن

بالإضافة إلى طقوس الفرح والاحتفال التي يترجمها الرقص كما يترجم عدة مشاعر أخرى لدى الطوارق، هناك بعض التفاصيل الصغيرة التي تخص الفتيات ولا تستند على أي أساس ديني أو وضعي، هي فقط نتيجة طبيعية لانصهار الطبيعة البشرية في بوتقة المحيط الذي ينفذ أحكامه دون الالتفات إلى غيرها.

تقول خديجة لرصيف22، وهو اسم مستعار لفتاة من مدينة غدامس: "لا تنسى الفتاة لدينا المرة الأولى التي تزورها الدورة الشهرية، ليس لشعورها بالخجل أو بالغرابة، لكن لأن أسرتها تقيم بعض الطقوس التي تدخلها في هذه المرحلة العمرية من حياتها وهي تشعر بالفخر، فكأنها حققت إنجازاً كبيراً لا علاقة له بطبيعة الأنثى".

في هذا الحفل البهيج تصبح للفتاة غرفتها الخاصة وخزانتها الخاصة المليئة عن آخرها بكل ما قد تتمناه طفلة من حلويات وزينة وملابس جديدة باهية، وأيضاً بكل ما قد تحتاجه أنثى ناضجة. 

الـ"لاقبي"... خمر جذوع النخل

بعض مناطق غريان على قمم جبل نفوسة في الغرب الليبي كانت تشتهر بزراعة التبغ حتى وقت قريب، يقول الحاج محمد لرصيف22: "صحتي لم تعد تسمح بالاستمرار في هذا العمل المرهق". وعندما سألناه هل توقفت لأن زراعة الدخان حرام؟ قال "لا... عشنا من دخله وكنت أصلي وأصوم وحتى ذهبت للحج وأنا أغرسه من قال إنه حرام؟".

وفي قرية مجاورة كان يُصنع نوع فاخر من الخمر المحلي المعروف بالـ"لاقبي" والمعصور من جذع النخلة بطريقة محترفة تمنع النخلة من الموت بعد أن يستخرج منها السائل الأبيض الذي تعيش به ومعه، ورغم المد الديني لا زالت هذه الصناعة قائمة ولو على استحياء، ربما لأن هذا العصير لا يعد مسكراً إلا إذا خُمّر بعيداً عن وسائل التبريد، لذلك يباع حتى الآن وبأسعار جيدة مقارنة بأنواع أخرى من الخمر المحلي التي تصنع من العنب الجيد وحتى من مكونات أخرى غريبة. 

لا تنسى الفتاة في الطوارق المرة الأولى التي تزورها الدورة الشهرية، ليس لشعورها بالخجل أو بالغرابة، لكن لأن أسرتها تقيم بعض الطقوس التي تدخلها في هذه المرحلة العمرية من حياتها وهي تشعر بالفخر، فكأنها حققت إنجازاً كبيراً لا علاقة له بطبيعة الأنثى

في هذا النطاق الجغرافي أيضاً من مدن وبلدات جبل نفوسة تنتشر الـ"زكرة" وهي فرقة موسيقية محلية تعتمد على مزمار وقربة للنفخ تصنع من جلد الماعز وعازفَين آخرَين يدقان على نوع من الطبول يُسمى محليا الـ"دنقا" وقد ترك كثيرون هذه العادة لأنها تقع تحت بند "مزامير الشيطان" لكنها لم تندثر رغم اختفاء الـ"نخاخات" وهن الراقصات اللواتي يركعن على ركبهن ويلوحن بشعورهن الطويلة وهن يؤدين رقصات خاصة تعتمد على إخفاء الوجه بهالة من الشعر الطويل المسترسل على وجوه الفتيات وأكتافهن وصدورهن، وكل هذا بحضور الرجال والفتيان قبل أن يزج بالنساء في خيمات خاصة أو حتى صالات فخمة بعيداً عن عيون الجنس الآخر.

التصفيح... "أنا حيط وولد الناس خيط" 

في بعض المناطق تقوم النساء وبالأخص الأمهات والجدات، بالاستعانة النساء في بعض مناطق ليبيا بـ"قوى خفية" لحماية بناتهن من الاعتداء على أجسادهن أو ما يعرف بـ"التصفيح"، قبل أن يعتبر البعض أن في الأمر استعانة بالجن وبالتالي فالتصفيح يدخل في خانة السحر والشعوذة.

تقول منى وهو اسم مستعار لرصيف22: "أذكر جيداً عندما طلبت مني جدتي بحضور أمي وعماتي أن أقفز من المسداة مقطوعة الخيوط ذهاباً وإياباً قبل أن تطعمني قطعاً من الحلوى ومن التمر، في كل مرة مع ترديد عبارة لا تغادر ذاكرتي: "أنا حيط وولد الناس خيط". 

تعتبر هذه العادة بمثابة التعويذة التي تحمي بكارة البنت وتحافظ على عذريتها وقد كان الإيمان بها مطلقاً حتى أن الـ"تصفيح" يجب أن يُفك قبل زواج البنت وتحديداً ليلة عرسها فتجهز لها إحدى العجائز خليطا من رُبّ التمر ورماد خيط محروق وغيرها من طرق فك هذه التعويذة.

الوشم والوسم

أما الوشم فهو ختم الأصالة، عندما أراه على ذقن جدتي وجبينها أشعر بأن وطناً صغيراً يتجسد في تلك المساحة الصغيرة من وجهها، إنه البركة التي ترتسم على الملامح العتيقة.

يقول الكاتب محمد أحمد أبوخريص لرصيف22: "الوشم قرين الوسم وكلاهما إضافة إلى كونه زينة هو أيضاً في كثير من المجتمعات إثبات هوية وتمييز لأبناء القبيلة عن غيرها، فالخطوط والإشارات لها دلالات رمزية وتختلف من المرأة إلى الرجل، فهي لدى المرأة أداة زينة بنقوشها الدقيقة الرقيقة وكذلك بصمة تُعرف من خلالها مرجعيتها الاجتماعية، بينما نجدها في الرجال تحمل معنى آخر غير الزينة من خلال نقوشها الحادة المعبرة عن القوة وإثبات الشجاعة والنزعة القتالية وإن كانت تتفق لدى الرجال والنساء في كونها الوسم الاجتماعي لأبناء القبيلة الواحدة المميزة لها عن غيرها".

الوشم قرين الوسم وكلاهما إضافة إلى كونه زينة هو أيضاً  إثبات هوية وتمييز لأبناء القبيلة عن غيرها، فالخطوط والإشارات لها دلالات رمزية وتختلف من المرأة إلى الرجل

ويضيف: "الغريب أن قلب السين شيناً أعطى المعنى أفقاً أكثر اتساعاً بتحوله إلى وسم، وهنا تدخل فيه حتى أرزاق القبيلة من الأنعام لتثبت ملكيتها وعزلها عن أرزاق غيرها، وفي اللغة العربية اتخذ لفظ الوسامة الدال على الجمال وحسن الخلقة لدى الرجال أصله ومعناه من لفظ الوسم/ الوشم، فكلاهما تزيين للصورة وإثبات للذات وإن استعمل الأول الإبرة واللون واتخذ الثاني من النار أداة لإثباته وكما تفعل كثير من قبائل أفريقيا وأميركا اللاتينية". 

"بيت الجلاس"... لا النظرة الشرعية

لم تكن "النظرة الشرعية" والتي تطلق على لقاء الفتاة بالشاب في مرحلة ما قبل الخطوبة هي السائدة في عرف القبائل الليبية، بل تقليد "بيت الجُلاس" الذي كان متبعاً في أجزاء كبيرة من شرق البلاد منح الفتاة ثقة عمياء، فكانت تلتقي مع الفتيان والفتيات للتباري في "صوب خليل" فتُطرح ألغاز بالشعر والغناوي.

يقول الكاتب والباحث أحمد يوسف عقيلة عن بيت الجلاس: "إذا عجز الشاب عن حل لغز تأخذ الفتاة شيئا من ملابسه كالجرد أو اللثام أو الفرملة ولا يسترجعه إلا بعد أن يجد الحل، ويكون البيت مفتوحاً  على الملأ... فهي ليست خلوة بقدر ما هي مسألة إثبات ذات ونضج".

هذه الفتاة التي تمنح الحق في اختيار رفيقها المستقبلي يجب أن تتعلم أشياء أخرى لا ترتبط فقط بإتقانها الطبخ ومهمات البيت الكثيرة، لكنها أيضا تتعلم أن ترفع صوتها وتزغرد".

في كتابه (الجراب) يقول عقيلة: "عندما تكبر الفتاة تبدأ النساء تعليمها أصول الزغردة.. يطلبن منها أن تلحس لسان جرانة، والجرانة هي الضفدعة باللهجة الليبية، فتلك أفضل وسيلة لإتقان الزغرودة.. ويقال للمرأة التي تتقن الزغرودة: فلانة تقول لاحسة جرانة".

كان يُصنع نوع فاخر من الخمر المحلي المعروف بالـ"لاقبي" والمعصور من جذع النخلة بطريقة محترفة تمنع النخلة من الموت بعد أن يستخرج منها السائل الأبيض الذي تعيش به ومعه، ورغم المد الديني لا زالت هذه الصناعة قائمة ولو على استحياء

هناك أيضا "الحجّالات" أو الراقصات وسط حشد من الرجال والصبيان، يقول الصحفي سالم الحريك لرصيف22: "لازالت الحجالات موجودات حتى الآن رغم اعتبارهن من قبل البعض متجاوزات لخطوط المجتمع الحمراء، كن سابقا من الفئات الضعيفة اجتماعيا مثل الأرامل والمطلقات لكن هذا لم يمنع من وجود حجالات من بنات العائلات إذا كن أصغر سنا أو في مناسبات تخص فقط عائلاتهم وكبار القبيلة". 

مهاجاة الرحى... امرأتان وأغنية

ينتشر فن الكشك في المنطقة الممتدة من سرت غرباً إلى امتداد الصحراء حتى الحدود المصرية شرقاً، ويظل هذا الفن منظومة واحدة "شَتّاي" و"حجالة" وصف من المصفقين والمغنين الذين يلتقطون الشتّاوة من فم الشاعر ويخيطون كلامها على إيقاع تصفيقهم. 

يقول الباحث في التراث الليبي محمد نائل: "مهاجاة الرحى أو أغاني الرحى هي أهم أنواع المهاجاة ويقال مهجاية رحى أو غناوة رحى ولازالت تتداول ويستدل بأشعارها في سياق الأحاديث، وذلك لما فيها من حكم وأقوال مأثورة، تؤديها المرأة أو المرأتان مجتمعتان على صوت الرحى أثناء طحن الحبوب ليلاً في معظم الأحيان، وقد نالت الحظ الأوفر من الذيوع والانتشار والصمود في وجه التطور وهي من حيث الغرض تجمع في معانيها جميع الأغراض دون استثناء ففيها الرثاء والفخر والعاطفة والحكمة".

 في إهداء كتابة (الجِراب) كتب عقيلة:


"إلى الذين عبّدوا الطرق بأقدامهم..
في سفوح الجبال..
وقيعان الأودية..
وهم يتغنّون (عز البوادي كل يوم رحيل)
وإلى المرأة الليبية..
يوم كانت مؤسسة كاملة..
تستيقظ قبل الغربان..
تبدع كل شيء..
تصنع البيت بما فيه.. وبمن فيه".
 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard