شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
خريف "ثورة تشرين" العراقية... لا مكان للمجتمع المدني في "مخازن السلاح"

خريف "ثورة تشرين" العراقية... لا مكان للمجتمع المدني في "مخازن السلاح"

سياسة

الأربعاء 5 أكتوبر 202201:07 م

عُرفت احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر التي اجتاحت العراق عام 2019، منذ بدايتها، بمدنيتها، ورفضها للسياسات السابقة القائمة على قمع المجتمع وتحويل مؤسسات الدولة إلى شركات ربحية تخدم مصالح السياسيين والأحزاب الحاكمة، وخاضت في سبيل هذا المبدأ معركةً كبيرة.

وبالرغم من افتقار التحركات إلى الكثير من المقوّمات، إلا أنها جذبت أنظار العالم نحوها، ودفعت إلى استقالة رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، وتغيير نظام الانتخابات، ليتاح للمرة الأولى طرح شخصيات وكيانات سياسية جديدة، منبثقة من فكرها وبعيداً عن الإطارات الحزبية.

التسييس المرافق لصعود مرشحي ثورة تشرين الأول/ أكتوبر إلى الواجهة السياسية، كان سبباً في الانطفاء السريع لشعلة نتائجها كما يقول المتابعون، وهو أيضاً أبعد الكثير من جماهيرها عن المشاركة في إحياء ذكراها السنوية.

في الذكرى الثالثة

الاعتصامات التي قادها التيار الصدري من داخل المنطقة الخضراء في الفترة الماضية، وانتهاؤها إلى مواجهات مسلحة أدت إلى انسحابهم تالياً، لم تنهيا مشهد الأزمة، خاصةً بعد وعود العودة التي أطلقها ناشطون في التيار الصدري، وحددوا الأول من تشرين الأول/ أكتوبر موعداً لها.

التسييس المرافق لصعود مرشحي ثورة تشرين الأول/ أكتوبر إلى الواجهة السياسية، كان سبباً في الانطفاء السريع لشعلة نتائجها

سارعت الحكومة العراقية التي يرأسها مصطفى الكاظمي، إلى عزل المنطقة الخضراء بحواجز إسمنتية تفصلها عن محيطها من أجل تلافي تكرار سيناريو الاقتحام، ولكن هذه الحواجز كانت الهدف الأول للمحتجين، فبعد تمكنهم من اجتيازها عبر استخدام العجلات الثقيلة والجهود البدنية، أصبح جسر الجمهورية الفاصل بين ساحة التحرير والمنطقة الخضراء، منقسماً إلى جانبين، أحدهما بيد المحتجين والآخر تسيطر عليه قوات مكافحة الشغب، وتالياً كان لا بد من الاحتكاك.

اتهم المتظاهرون القوات الأمنية برمي القنابل الصوتية والغازية لتفريق المحتجين، فيما صرحت خلية الإعلام الأمني عن اعتقال مندسين اثنين في حوزتهما أدوات زجاجية حارقة، ووثقت مقاطع الفيديو قيام بعض العناصر الأمنية برمي قنابل المولوتوف أيضاً في اتجاه الجماهير المتجمعة.

مساءً، صرحت الحكومة بوجود محاولات للإضرار ببنية جسر الجمهورية، وعلى الإثر اقتحمت قوات مكافحة الشغب، برفقة عناصر من الحشد الشعبي محيط ساحة التحرير، من أجل تفريق المحتجين، وملاحقتهم عبر ساحة الجيلاني المجاورة لساحة التحرير.

الفوضى لم تقتصر على بغداد، فمحافظتا ذي قار وواسط نالتا حظهما من الاحتجاج، وكذلك بالنسبة إلى محافظات النجف وكربلاء والبصرة، ولا تزال مظاهر الفوضى موجودةً في بعض هذه المناطق، لكنها لم تصل إلى مستوى الفوضى التي شهدها عام 2019. وبالإضافة إلى ذلك، وثّقت بعض المنظمات الحقوقية اختفاء ناشطين على خلفية مشاركتهم في الاحتجاجات.

هل فشلت؟

عمليات القمع التي شهدتها ساحة التحرير، لم تكن السبب الرئيسي خلف إحباط استمرار التحركات، لا سيما وأن هذه العمليات لم تصل إلى المستوى الذي واجهته ثورة تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، ويذهب البعض إلى إلقاء اللوم على اعتزال الكثير من ناشطيها وجماهيرها، المشاركة فيها ودعمها.

يقول الباحث السياسي غانم العابد، إن "عدم المشاركة القوية في الوقفة الاستذكارية يرجع إلى محاولات تسييس ثورة تشرين الأول/ أكتوبر، خاصةً أن هناك أطرافاً سياسيةً متصارعةً ترغب في توظيفها لمصلحتها، وأخرى لا تمانع العودة إلى عمليات القتل والخطف، إذا ما حصل أي تقارب بينها وبين التيار الصدري".

وبالرغم من معارضة الغانم في تصريحه لرصيف22، وصف ما حصل بتظاهرة بقدر كونها وقفةً استذكاريةً، إلا أنه يؤكد أنها تمكنت من حشد زخم جماهيري، نسبةً إلى الأوضاع الصعبة التي يشهدها العراق، وتالياً هي "نجحت كوقفة احتجاجية".

أعدائي ثلاثة؛ ميليشيا الإطار الإيراني الذين قتلوا متظاهري تشرين، والتيار الصدري وقبعاتهم الذين قتلوا الشباب وأنهوا تظاهرات تشرين، والذين يحرّضون الشباب على الخروج للتظاهر من دون قيادة مسؤولة لغرض قتلهم

موقف فائق الشيخ علي، وهو شخصية سياسية تحظى باحترام كبير بين فئة واسعة من التشرينيين، واعتكافه عن دعم التظاهرات، جعلاه هدفاً للاتهام بإفشال التظاهرة، ويستند معتنقو هذا الرأي، إلى أن الشيخ علي، تجنب دعم التظاهرة، بسبب مشاركة التيار الصدري الذي يعاديه، ولكنه أرجع سبب موقفه إلى عدم وجود قيادة موحدة للتظاهرات.

السياسي العراقي، عبّر عن رأيه في تغريدة نشرها على صفحته الشخصية في تويتر، وقال فيها: "ليكن في علم الجميع أن أعدائي وليس خصومي ثلاثة؛ ميليشيا الإطار الإيراني الذين قتلوا متظاهري تشرين، والتيار الصدري وقبعاتهم الذين قتلوا الشباب وأنهوا تظاهرات تشرين وجاؤوا بالكاظمي، والذين يحرّضون الشباب على الخروج للتظاهر من دون قيادة مسؤولة لغرض قتلهم".

فقدان القيادة المدنية

وفي الحقيقة، فإن الشيخ علي لم يكن مخطئاً على وجه الخصوص، فرأيه يعبّر عن اعتقاد الكثير من الناشطين، وعُبرَ عنه في الانقسام الذي شهدته الاحتجاجات الأخيرة، إذ قاد أحد شقّيها التيار الصدري من ساحة التحرير وسط بغداد، فيما قاد الآخر، الناشط المدني ضرغام ماجد، من ساحة النسور في منطقة المنصور، وساهمت فيه شريحة من المعارضين للتيار الصدري والإطار التنسيقي في آن واحد.

ولكن ماجد سرعان ما انسحب من الاعتصامات، من دون استشارة رفاقه، وأعلن عن اعتزامه قيادة تظاهرات أخرى، يوم 25 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، لاستذكار انطلاقة ثورة تشرين الأول/أكتوبر، وهو الانسحاب الذي دفع بعضاً من المشاركين إلى التوجه نحو ساحة التحرير والمساهمة في تظاهرات التيار الصدري.

مساهمة أتباع ماجد مع التيار الصدري بالرغم من عدم توافقهم فكرياً ومبدئياً، يفسرها مصدر مقرب من الحراك التشريني، بأنها تعبير عن اليأس الذي طال المدنيين من إيجاد قيادة حقيقية، تقودهم إلى بر الوطن.

مشهد طرد النائب علاء الركابي، من احتجاجات ساحة النسور، كان أحد أشكال الخوف الشعبي من استغلال القيادات

ويرى في حديثه إلى رصيف22، أن "هذا اليأس عزز منهجية عقلية القطيع بين المتظاهرين، وجعل منهم مجرد أدوات سياسية تقودها الحماسة واليأس في آن واحد، بعيداً عن فكرة الاحتجاج الجوهرية، وتالياً فإن نفوذ التشرينيين بدأ يتراجع فعلياً، وحل محله مفهوم الفوضى".

لا يتفق الباحث السياسي جبار المشهداني، مع هذا الرأي، إذ يرى أن حراك تشرين الأول/ أكتوبر لا يزال يحظى بتأييد شعبي ضخم، بسبب قرب جوهره من مبادئ المدنية والعدالة التي يرجوها الشعب العراقي. ولكنه يستدرك في تصريحه لرصيف22، أن "هذا الأمر جعل من تشرين الأول/ أكتوبر هدفاً لبعض النفعيين ومدّعي الارتباط بها، بالرغم من ابتعادهم عن شعاراتها ومبادئها، وهم في ذلك يرغبون في ركوب موجتها وتحقيق مكاسب شخصية".

وتندرج هذه المحاولات ضمن أسباب تجنّب الناشطين أو الجماهير بشكل عام، دعم شخصيات معينة، خوفاً من استغلال جهودها مرةً أخرى. 

رفض المدنيين للقيادات

مشهد طرد النائب علاء الركابي، من احتجاجات ساحة النسور، كان أحد أشكال هذا الخوف الشعبي، فالركابي الذي ساهم في قيادة الاحتجاجات التشرينية عام 2019، وأسس برفقة آخرين على إثرها واحداً من أوائل الكيانات المدنية المنبثقة عنها، لكنه سرعان ما ابتعد عن مبادئها وفق الرأي العام، وتوافق مع الصدريين أولاً، وعمد إلى استبعاد المعارضين له من حركته، وسبّب بذلك فضيحةً أدت إلى إبعاده من الحركة لاحقاً.

عاد الركابي لاحقاً إلى القائمة ليقود بعد انسحاب التيار الصدري مفاوضات مع خصمه في الإطار التنسيقي، "بحسب تأكيدات سياسية"، وهو ما زاد النقمة الشعبية عليه.

الرفض الشعبي لم يقتصر على الركابي، بل طال النائب المستقل عن محافظة النجف، محمد عنوز، الذي طرده المحتجون من ساحة الصدريين في النجف الأشرف، في أثناء محاولته المشاركة في التظاهرة، ولكن الفارق بحسب تصريح مصدر سياسي لرصيف22، أن الأخير طُرد من قبل جماهير التيار وليس من قبل التشرينيين.

وبذلك فإن الجماهير المدنية أصبحت ترفض أي قيادة تبرز على الساحة، خوفاً من تكرار سيناريوهات سابقة، واستغلال جهودهم في تحقيق بعض المصالح الشخصية على المستوى السياسي.

الدور الخارجي

تتدخّل الدول الإقليمية المجاورة في كل صغيرة وكبيرة في العراق، وتحاول تحريك أذرعها في سبيل تحقيق مصالحها، وتالياً فإن التيار المدني سيشكل خطراً على هذه المصالح، يدفعها إلى مواجهته في سبيل الحفاظ على وجودها في البلاد.

خطورة التيار المدني على هذه المصالح، لا تتوقف عند الجوانب السياسية والاقتصادية، ولكن تزايد نفوذه قد يعكر الطموحات الإقليمية والإستراتيجية لهذه الدول، خاصةً أن العراق حالياً يشكّل ممراً أمناً لمرور بضائع هذه القوى عبر حدوده في اتجاه دول أخرى، فضلاً عن الطموحات التوسعية في المنطقة ككل.

نصر الله، تناسى حين انتقد الاحتجاجات في العراق، دفع العراق لكافة رواتب المتطوعين الإيرانيين، بالإضافة إلى دفعه قيمة الجهد العسكري الإيراني بأضعاف سعره الحقيقي، وفق صفقة فساد وُقّعت بين بغداد وطهران

وتعمل هذه الدول من أجل هدم فكرة التيار المدني، على استيعاب القيادات المستقبلية وجذبها والزج بها ضمن مخططاتها أو تسقيطها عبر أذرعها في حال فشلها أو الاعتماد على الإيعازات الطائفية. فإيران على سبيل المثال، تتخذ من شعار حماية الشيعة سبيلاً إلى التحشيد الشعبي لها، ولكن تأثيرات تدخلاتها المستمرة أتت بنتائج عكسية، زادت من النقمة الشعبية تجاهها.

هذه النقمة وصلت إلى محافظتي النجف وكربلاء، اللتين تُعدّان مهد الحوزة الدينية الشيعية في العالم، حيث أحرق متظاهرو هاتين المحافظتين صوراً ولافتات ذات صلة بإيران، ولكن الأخيرة لم تصرّح بهذا الخصوص، خاصةً في ظل انشغالها بأوضاعها الداخلية، ولكن ذلك لم يمنع أذرعها في المنطقة من الرد نيابةً عنها.

زعيم حزب الله اللبناني، الذي يعرّف عن نفسه بأنه جندي في جيش ولاية الفقيه، حسن نصر الله، انتقد مثل هذه التصرفات، واتهم العراقيين بنكران جميل إيران في أثناء عمليات التحرير من داعش.

ولكن نصر الله، تناسى بحسب ما يقول مراقبون، دفع العراق لكافة رواتب المتطوعين الإيرانيين، بالإضافة إلى دفعه قيمة كافة الجهد العسكري الإيراني بأضعاف سعره الحقيقي، وفق صفقة فساد وُقّعت بين بغداد وطهران وقتها. ويندرج موقف نصر الله ضمن محاولات الفصائل الولائية في المنطقة، الدفاع عن إيران في ظل انشغالها الحالي في اضطراباتها الداخلية.

حراك تشرين الأول/ أكتوبر وبالرغم من امتلاكه القاعدة الشعبية، يفتقر إلى قيادة جماهيرية واضحة

ما تبقّى من المدنية

المواقف المتباينة للقوى المدنية سياسياً واجتماعياً وعدم اجتماعها على أرضية واحدة، بالرغم من التقارب المبدئي، يجعل من الصعب حالياً تأسيس تيار مدني حقيقي في العراق.

حراك تشرين الأول/ أكتوبر وبالرغم من امتلاكه القاعدة الشعبية، يفتقر إلى قيادة جماهيرية واضحة، وبذلك فإنه لا يزال بعيداً عن البروز، وتزيده بعداً صعوبة استعادة ثقة الجماهير بأي شخصية مرشحة، نظراً إلى السوابق التي طالت قياداته سابقاً.

ويزيد كل ذلك صعوبةً، الوعي الجماهيري الذي تشهده المنطقة، وتصاعد وتيرة طموحات الشباب، وتالياً فإن من المستحيل حالياً إيجاد أي تيار مدني حقيقي في البلاد، كما يُستبعد إيجاده في الفترة القادمة.

وبذلك، فإن التناقض الحاصل ينبع من رغبة الجماهير في المدنية، التي في ظل عدم وجودها، وصعوبة إيجادها، وفي دائرة يصعب التنبؤ بمستقبلها، لن ترى الضوء قريباً، فيما تزداد مشكلات البلد تصاعداً ويزداد معها حلم المدنية ابتعاداً، إلى حين التوافق على حلول جذرية قد تنهي مشكلات البلد التي فاقت قدرة العراقيين على الاحتمال.

Website by WhiteBeard