شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"هاي صبحة تُكتل الزلم... الله ما يكدر عليها"

"هاي صبحة تُكتل الزلم... الله ما يكدر عليها"

مجاز نحن والنساء

الاثنين 17 أكتوبر 202211:10 ص


تندرج القصة في ملف "فصل الدين عن القبيلة" من إعداد وتحرير جمانة مصطفى

دارت أحداث القصة التالية في مطلع الستينيات في قرية "ذيل العِرج" البدوية المسلوبة الاعتراف في شمال فلسطين. تم هدم القرية في بدء التسعينيات.

النِصاب الأول... سيارة النقل

توقفت سيارة النقل الكبيرة بجانب الشارع في انتظار نزول الفتيات العاملات من الخيام المنتشرة على سفح جبل الكرمل. ينزلن ركضاً قسرياً يفرضه انحدار طبيعي يوهم بحماسة ما سرعان ما تتبخر حينما تستوي الأرض قريباً من الشارع، فتتثاقل الخطوات وتجر صاحباتها جراً.
يدفعن الواحدة الأخرى إلى المقاعد الخلفية المعتمة في سباق نحو المقاعد الأمامية حيث النوافذ التي تطل على مساحات الطريق وتسمح بالهواء وضوء أول النهار.
يضغط "زيف" رب العمل اليهودي وسائق السيارة على الـ"زمور" ليستعجل آخر الفتيات. تمر الدقائق حتى تظهر صبحة من بعيد تنزل هي ونعاسها لا ينقصها سوى فرشتها.
يضغط "زيف" رب العمل اليهودي وسائق السيارة على الـ"زمور" ليستعجل آخر الفتيات، تمر الدقائق حتى تظهر صبحة من بعيد تنزل هي ونعاسها لا ينقصها سوى فرشتها

في طريقها تنحني بحثاً عن الحجر الذي تخبئ علبة سجائرها تحته، غالباً تنسى أين خبأتها بالأمس، فحجارة المنحدر كثيرة ومتشابهة، تقلب معظمها حتى تظفر بسجائرها، تسحبها من مكانها وتكمل نزولها.
لوّح لها منصور بيده من مكانه بجانب السائق صارخاً:
"ولج يلعن دينج... إنت وسيجارتج ع هالصبح"
دخلت صبحة من باب السيارة المفتوح وجلست وراء مقعد منصور، وقبل أن تُحكم إغلاق الباب كانت السيارة قد تحركت نحو الحقول، أشعلت سيجارة الصباح، ثم مدت ذراعها المنتهية بسيجارتها إلى مقصورة السائق حتى كادت تحرق وجه منصور، وقالت وهي تلوح بها أمام أنفه:
"شفت السيجارة لي كاعد تسبها كديه طولها؟ ودك أكمل؟"
أسكتها قبل أن تفضحه:
"ولج إنت ما تستحي على حالج"

النِصاب الثاني... الصدريات

مشت السيارة بحملها، بعد دقائق أدركت صبحة أنها نسيت أن ترتدي الصدرية، لم تنتبه لذلك إلا وهي تدفع علبة سجائرها نحو مخبئها المعتاد في "عبها"، مالت إلى نصرة وهمست لها:
"نسيت ألبس الصدرية".
ضحكت نصرة وقالت بصوت سمعه كل من في السيارة:
"عادتج ولا نسيتيها"
فهمت الفتيات دون شرح كثير ورددن بصوت واحد:
"لا والله بعدني بيها"
بكلتا يديها فتحت كل واحدة منهن ياقة ثوبها موسعة مكاناً لعلبة سجائر صبحة داخل صدريتها، بعد تفكر ليس بطويل دفعت صبحة العلبة نحو المخبأ الأكثر أماناً؛ صدر فايزة، فهي الوحيدة التي لا تدخن ولا تنسى صدريتها أبداً، صدرها الذي يسبق جسدها كوسادة، إن لم تلجمه لا يسلم من أيدي الفتيات يقرصنه كلما سنحت لهن الفرصة.
وصلت السيارة إلى الحقل ونزلت الفتيات متكاسلات، ثم توزعن على أثلام الأرض يجمعن الفول الأخضر.
فتح "زيف" باب السيارة وأطلق صوت الراديو على محطة مصر التي كانت تذيع للمرة المئة أغنية فريد الأطرش الجديدة "يا بو ضحكة جنان"، حفظت الفتيات الأغنية غيباً، وبين انحناءة نحو الأرض واستقامة للظهر كن يغنين مع فريد. منصور الذي لا يفوت أية فرصة كي يثبت أنه حارس الفتيات الأمين في غيابهن عن عيون القبيلة، يصيح من مكانه تحت الشجرة:
"مين العرص يلي جننتجن ظحكته؟ آخ يا الكرباج"
ترفع الفتيات أصواتهن أكثر حتى يعلن منصور استسلامه فيسكت.
بكلتا يديها فتحت كل واحدة منهن ياقة ثوبها موسعة مكاناً لعلبة سجائر صبحة داخل صدريتها، بعد تفكر ليس بطويل دفعت صبحة العلبة نحو المخبأ الأكثر أماناً؛ صدر فايزة، فهي الوحيدة التي لا تدخن ولا تنسى صدريتها أبداً

مع ارتفاع شمس الظهيرة يتركن أماكنهن إلى الشجرة الوحيدة في الحقل، تحت ظلها يتشاركن الطعام والسجائر والأحاديث، ويقف منصور فوق رؤوسهن صامتاً تارةً ومقاطعاً تارةً، يثبت لصبحة ابنة ابن عمه، الموعود بها منذ سنوات أنه أهل للزواج بها في الصيف القريب، بينما هي لا تراه من مسافة بصقة.

تشعل صبحة سيجارتها وبين سحبة وأخرى يصدح صوتها بالغناء، تبطئ الشاحنات المارة من الشارع المحاذي، ويتلصص السائقون على الفتيات المجتمعات تحت الشجرة، بعضهم يوقف شاحنته لعل وعسى أن يحظى بالتفاتة من واحدة منهن.
ترفع صبحة صوتها أكثر فيجن جنون منصور، يسرع نحو الشارع ويقف قبالة السائق الوقح، ثم يفتح سحاب سرواله ويتبول، يهرب السائق وقد فهم الرسالة، ويعود منصور منتصراً.
ناداه "زيف" أن يرافقه إلى البلدة القريبة كي يساعده بحمل الصناديق الخشبية التي سينقل فيها الفول الأخضر إلى السوق. بين الخضوع لرب العمل وحراسة الفتيات، وخاصة صبحة، رجحت كفة ميزان رب العمل، سار معه متثاقلاً لكنه لم ينس أن يسألهن عن طلباتهن. دون أن ترفع رأسها عن الأرض أجابت صبحة:
"جيب لي صدرية بطريقك"
تتضاحك الفتيات ويؤكدن على طلب صبحة:
"تعرف كياسنا؟"
سيعرفه مهما كلفه الأمر، سيثبت لصبحة أنه قادر على كل تحد وبعدها سيكون أهلاً للزواج بها في الصيف المقبل، نادراً ما تطلب منه شيئاً رغم تودده أحياناً وشتائمه أحياناً أخرى.
غاب "زيف" ومنصور لساعتين. نزل منصور من السيارة وهو يضع صدريات ملونة على كتفيه. وقف قريباً من الفتيات وراح يرمي لكل واحدة صدريتها مؤكداً على لونها ومقاسها حتى انتهى بفايزة، التي وقفت مشدوهة خجلة، قال:
"هاي الحمرا ليج، بالكوة لاكيت وحدة على كد دِرتج"
ارتدت صبحة الصدرية فوق ثوبها وأثنت على قدرة منصور في تقدير مقاساتهن وذوقه، كاد من فرحته يطير، فختم متبجحاً:
"والله لو ودجن كلاسين غير أجيبلجن"

النِصاب الثالث... لعبة الشدة

في طريق العودة من العمل غفت جميع الفتيات، لم يتزاحمن على المقاعد الأمامية، ما يهم الآن هو الأكتاف التي ستسقط عليها رؤوسهن.
نزل منصور من السيارة وهو يضع صدريات ملونة على كتفيه. وقف قريباً من الفتيات وراح يرمي لكل واحدة صدريتها مؤكداً على لونها ومقاسها حتى انتهى بفايزة، التي وقفت مشدوهة خجلة

نزلن من السيارة وصعدن سفح الجبل نحو الخيام، المنحدر الآن يفهم ثقل خطواتهن فيتثاقل معها، صبحة تدخن آخر سيجارة لهذا اليوم، وتدفع بعدها العلبة تحت أحد الحجارة، ولكنها تعود لتحملها معها. ما زال نصر الأمس ونشوته يدغدغان قلبها، وحتماً ستحتاج أكثر من سيجارة لتحتفل بها في نصر آخر الليلة.
لم يكتمل نصاب لعبة الشدة في مجلس والدها بالأمس، فناداها أن تنضم شريكة له، أسرعت إليه بينما كان يطرد منصور من المجلس وقد خسره في دورتين متتاليتين من اللعبة.
"يلا كوم من هين، كوم واحد خايب"
صبحة لا تخيب أمل والدها، استجمعت كل ذكائها ولعبت شريكة له حتى انتصاف الليل، أكلت الأوراق كلها في ثلاث دورات متتالية، شمخ والدها وانفض اللاعبون متمتمين أنه ليس من العدل أن تكون صبحة بينهم.
"كَلت الأوراق كلها، الله بس يكدر عليها".

النصاب الرابع... لم يكتمل

في الصيف التالي، في يوم زفاف صبحة ومنصور حضر الجميع إلا منصور، هرب قبل عقد القران واختفى يومين. قال لجميع الذين لاموه على التخلف عن زفافه:
"هاي صبحة تكتل الزلم... الله ما يكدر عليها".

قصص النساء جديرة بأن تُروى كلها من دون استثناء. من المهم أن تُوثَّق وأن تُسمَع، لعلها تُحدث فرقاً، ولو كان صغيراً في البداية. شاركينا في أن نكون النسخ التي نسعى إلى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً؟ غيّروا، ولا تتأقلموا!.

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard