شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
عودة الدراسة... موسم جديد لصغار المتحرشين

عودة الدراسة... موسم جديد لصغار المتحرشين

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحقوق الأساسية

الخميس 29 سبتمبر 202206:12 م

تعمل ياسمين سليم وسط الأطفال، تقضي وسطهم نحو ربع نهارها في المدرسة التي تعمل فيها كمعلمة، وتهرب من الشوارع التي يتواجدون فيها بمجرد انتهاء ساعات العمل الرسمية، بعد أن صار السير وسط من سعت للعمل بينهم لتنهل من براءتهم مصدراً لتهديد أمانها الشخصي.

تقول ياسمين: "تعرضت للتحرش عدة مرات من أطفال مما زادمن خوفي من السير في الشوارع، بت اختبئ لحين وصول سيارة الأوبر".

لا تنسى ياسمين التي تبلغ من العمر 33 عاماً المرة الأولى التي تعرضت فيها للتحرش على يد طفل. كان ذلك في بدايات عملها قبل عشر سنوات، ومثل صدمتها الأولى: "كنت أسير في حي المعادي الراقي، حي كنت استبعد فيه أن أتعرض لمضايقات على يد الكبار، ففوجئت بطفل في الثامنة من العمر يلاحقني ويسير خلفي ظننته تائهاً، لكنه سارع الخطى حتى لمسني من الخلف، فزعت وسارعت الخطى أنا الأخرى، لكنه استمر في ملاحقتي، وعندما توقفت ربما أستطيع ان أوقفه لفارق الحجم بيننا وجدته يواجهني (ببجاحة) ويقول لي: «لو اتكلمتي هطلع دين أمك»".

تضيف ياسمين: "خفت منه رغم أنه طفل وأنا شابة، لم أرَ بجاحة بتلك الصورة من قبل. حينذاك شعرت بالعجز ولم أعرف ماذا يجب علي أن أفعل؟".

ما تحكيه ياسمين يتكرر مع عشرات الشابات والسيدات في شوارع مصر، وبعد أن كانت النساء قد تعلمت الخوف من عصابات المراهقين والشباب ثم كبار السن ومتوسطي العمر من الرجال الذين لا يردعهم القانون أو المجتمع عن التحرش، باتت ظاهرة انضمام الأطفال الذين لم يصلوا بعد إلى سن المراهقة إلى كتائب التحرش، مصدر تهديد جديد، يعد باتساع مساحة الجحيم الذي تلاقيه النساء في الشوارع المصرية خاصة خلال فترة العام الدراسي.

تعمل ياسمين سليم وسط الأطفال، تقضي وسطهم نحو ربع نهارها في المدرسة التي تعمل فيها كمعلمة، وتهرب من الشوارع التي يتواجدون فيها بمجرد انتهاء ساعات العمل الرسمية، بعد أن صار السير وسط من سعت للعمل بينهم لتنهل من براءتهم مصدراً لتهديد أمانها الشخصي

مطواه في المدرسة

لاحظت ياسمن أن فترة خروج الاطفال من المدارس هي الفترة التي تتكرر فيها تلك الحوادث معها ومع غيرها من الصديقات والزميلات في مناطق مختلفة من القاهرة، لا فارق في كونها مناطق شعبية أم راقية: " لكِ أن تتخيلي أن يتحرش بى طفل عمره 8 سنوات على الاكثر، خرج من مدرسته الابتدائية برفقة أصدقائه، حينها كنت أعبر الشارع فإذا به يمسكني من الخلف، نظرت له لإيقافه وجدته يرفع عليا مطواه، آه والله متحرش بسلاح كمان" . تضيف ياسمين: "الموقف حدث أمام حشد كبير من الأطفال، خشيت من اتخاذ موقف ضده لأن مفيش حد هيشهد معايا، كلهم زملائه وممكن كان يتعدى عليا بالسلاح لو حاولت أتكلم" .

غير معترف به

عند البحث بالعربية عن "تحرش الأطفال" ستظهر معظم النتائج حول قيام الكبار بالتحرش بالأطفال، فيما تظهر تقارير صحافية متفرقة عن صدور قرارات قضائية ضد أطفال "أحداث" في وقائع تحرش بآخرين.

أما البحث بالإنجليزية، سواء كان عاماً أو مخصصاً للمراجع الأكاديمية، فتعود نتائجه مركزة على قيام الأطفال بالتحرش جنسياً بأطفال آخرين من نفس العمر أو أعمار أصغر، ولا تدعو كثير من المصادر الأكاديمية هذا النوع من الاعتداء البدني بـ"التحرش الجنسي" وإنما تدعوه "التنمر الجنسي"، وتعرفه بأنه محاولة لإظهار القوة والسيطرة والنضج عبر استخدام التهديد ذو الصبغة الجنسية ضد الآخرين، وهو مؤشر على تعرض الطفل القائم بالتنمر الجنسي إلى التحرش أو الاعتداء الجنسي على يد من هم أكبر منه عمراً، ويعد "التنمر الجنسي" من أهم وأبرز المؤشرات على تعرض الأطفال القائمين به إلى الاعتداء.

لا تدعو كثير من المصادر الأكاديمية هذا النوع من الاعتداء البدني بـ"التحرش الجنسي" وإنما تدعوه "التنمر الجنسي"، وتعرفه بأنه محاولة لإظهار القوة والنضج عبر استخدام التهديد ذو الصبغة الجنسية ضد الآخرين، وهو مؤشر على تعرض الطفل القائم بالتنمر الجنسي إلى التحرش أو الاعتداء الجنسي على يد من هم أكبر منه عمراً

ويبدأ التنمر الجنسي، من استخدام الألفاظ الجنسية في مخاطبة الآخرين، وخاصة الأغراب أوالأطفال الأقل عمراً، أو إطلاق النكات الجنسية، أو استخدام ألفاظ وقحة ذات صبغة جنسية في مناداة الآخرين، وتتضمن عرض أو طلب صور ذات صبغة جنسية، وتصل إلى التعرض لأجساد الآخرين رغماً عنهم باللمس او الإمساك بطريقة جنسية. وذلك حسب تصنيف المنظمة الدولية لصحة الأطفال.

ووجد استطلاع أجري في الولايات المتحدة، أن أغلب وقائع ممارسة الأطفال والمراهقين للتنمر الجنسي تكون في الوقت الفاصل بين الخروج من المدرسة بعد اليوم الدراسي وموعد العودة إلى البيت بالنسبة لهم.

صعوبة الإثبات

تقول هبة عادل رئيسة مجلس أمناء منظمة محاميات مصريات لحقوق المرأة، أن ما تشهده من واقع خبراتها في المحاكم، يشهد أن نسبة غير قليلة من قضايا التحرش، التي تصل إلى ساحة القضاء، يكون مرتكبوها من القُصَّر (أعمارهم أقل من 18 عاماً).

وتوضح: "يعاقب هؤلاء أمام محكمة الطفل كأحداث، وتحدد العقوبة وفقاً للواقعة وحجم الجرم المرتكب. ولكن في الواقع؛ أغلب الوقائع صعبة الإثبات، فالركن المادي للجريمة المبنى على الإرادة والعلم ينتفي حال كان مرتكبها طفل، لذا يصعب إثباته. وتحفظ المحكمة للأطفال المتهمين ضمانات كاخصائي نفسي واجتماعي. وفي حالة الحكم عليهم يتلقون عقوبات مخففة، وأحيانا تقتصر على تدابير احتياطية بإيداع الطفل مرتكب الواقعة في أحد دور الرعاية".

وينقل رضا عثمان الباحث الاجتماعي عن دراسة أجرتها شبكة الباروميتر العربي، أن 26% من مرتكبي وقائع التحرش في العالم العربي، هم أطفال تقل أعمارهم عن 18 عاماً.

 وجد استطلاع أجري في الولايات المتحدة، أن أغلب وقائع ممارسة الأطفال والمراهقين للتنمر الجنسي تكون في الوقت الفاصل بين الخروج من المدرسة بعد اليوم الدراسي وموعد العودة إلى البيت، وهو ما يتفق مع ملاحظات المتعرضات للاعتداء على أيدي الأطفال ممن تحدثن إلى رصيف22 

التعاطف المجتمعي

تشير عادل إلى دلالة أخرى تتصل بانتشار قيام الاطفال بالتحرش في محيط المدارس "يظنون أنها تكفل لهم أماناً من العقاب، كون وقائع التحرش تحدث وسط الزحام ويصعب رصد القائم بالفعل من بين مئات أو آلاف الأطفال المحتشدين في مساحة صغيرة حول بوابات المدارس".

و تعتبر عادل التعاطف المجتمعي مع مرتكبي تلك الاعتداءات، هو أحد أكبر الأزمات التي تواجه جرائم العنف الجنسي، وتؤدى لضعف نسب الإبلاغ، حيث يرى الكثيرون أن وقائع التحرش ليست جرائم تستحق العقاب، ويميلون للوم الضحايا حل اتخذاهن إجراءات قانونية، ويزداد الميل للوم الضحايا حال اللجوء للقانون؛ إن كان التحرك ضد طفل، إذ يزداد التعاطف معه.

تدعو المحامية المهتمة بحقوق النساء إلى تغليظ العقوبة ضد الأطفال وتطالب بسرعة إصدار قانون موحد للعنف ضد المرأة، وإنشاء مفوضية التمييز وفتح حوار مجتمعي حول الظاهرة، واللجوء للإعلانات التلفزيونية والبرامج التي تتناول مخاطر هذه الجرائم .

ويختلف معها الدكتور هاني هلال، خبير قانون الطفل ورئيس المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة، ويوضح لرصيف22، إن هناك تفرقة قانونية في التعامل مع مرتكبي وقائع التحرش والتنمر الجنسي من الأطفال وغيرهم من الكبار، " وذلك لاعتبارات أهمها أن الطفل إنسان لم يكتمل نموه العقلي والبدني والنفسي، وهو ما يجعله غير مسؤول بشكل كامل عن تصرفاته المُنتَهِكة للقانون، قد تكون البيئة المحيطة هي المسؤولة عن انتهاكه للقانون، ويرتب هذا مسؤولية واقعة على والديه، أو القائمين على تربيته، فقانون الطفل أباح للقائمين على تربية الأطفال إبلاغ الجهات المختصة بأن القائم بالتربية غير قادر على الطفل، أو أن الطفل (مارد على سلطته)، بحيث يصبح الطفل مسؤولية الدولة إن أرتكب مخالفة قانونية، كي لا يلام ولي الأمر وتحرك ضده دعوى قضائية".

ويوضح القانوني المعني بحقوق الطفل أن الطفل في المرحلة العمرية من 15 إلى 18 عاماً "يعتبره القانون حال ارتكابه جريمة التحرش؛ طفلاً معرضاً للخطر، فيعاقب بالحبس مدة 6 أشهر، أي تخفف عقوبته عن العقوبة المنصوص عليها قانوناً درجة أو اثنتين".

انتباه متأخر

طالبة في الصف الثالث الثانوي في مدرسة النيل الخاصة بالهرم، كانت شاهدة على واقعة التحرش الجماعي التي قام بها عدد من الأطفال والمراهقين في حق طالبات المدرسة في 12 مايو/ أيار الماضي، أثناء امتحانات نهاية الفصل الدراسي الثاني، الطالبة التي يتحفظ رصيف22 على ذكر بياناتها لأسباب قانونية، قالت في شهادتها لمراسلة رصيف22: "تحرشوا بصديقاتي واعتدوا على أتوبيسات المدرسة".

واقعة التحرش الجماعي بطالبات مدرسة النيل الثانوية على يد زملائهن أثناء تادية الامتحان، شهدت للمرة الأولى تحركاً من وزارة التربية والتعليم تجاه تحرش طلاب المدارس بزميلاتهم والمارة. إلا أن ذلك التحرك اقتصر على التعامل مع تلك الواقعة ولم يتجاوزها

الواقعة التي أثارت فزعاً مجتمعياً قبل أشهر قليلة، جرت أثناء نقل الطالبات لأداء الامتحانات بمدرسة أحمد لطفي السيد الثانوية العسكرية بنين، لتعذر قيامهن بالامتحان الإلكتروني في مدرستهن الأصلية.

تضيف الطالبة التي تحدثت لرصيف22: "بمجرد دخول الطالبات للمدرسة تعرضن للتحرش اللفظي والإيحاءات الجنسية، وتم تصويرهن من قبل الطلاب الذين هجموا على أتوبيسات المدرسة، كما حاولوا الاعتداء عليهن لولا تدخل المدرسين، حيث تم تكسير زجاج الأتوبيسات وإلقاء الطوب عليهن من النوافذ".

تلك الواقعة شهدت للمرة الأولى تحركاً من وزارة التربية والتعليم تجاه تحرش طلاب المدارس بزميلاتهن والمارة، إذ تدخلت مديرية التربية والتعليم بالجيزة برئاسة أشرف سلومة، وتم تأمين محيط المدرسة ودخلت الفتيات في اليوم التالي في مأمن، حيث تواجد مسؤولي المديرية بالمكان لتأمين الطالبات.

المنسق الإعلامي لوزارة التربية والتعليم: "الوزارة لديها خطة توعوية لطلابها بالعديد من القضايا ذات الخطورة على مجتمعنا كالتحرش والعديد من القضايا الأخرى"، موضحأ أن هناك إجراءات معمول بها في "تأديب الطلاب المخالفين".

ترتب على هذه الواقعة انتباه الوزارة للظاهرة وضرورة التعامل معها، بحسب تصريحات محمود حسونة المنسق الإعلامي لوزارة التربية والتعليم، الذي يقول لرصيف22: "الوزارة لديها خطة توعوية لطلابها بالعديد من القضايا ذات الخطورة على مجتمعنا كالتحرش والعديد من القضايا الأخرى"، موضحاأ أن هناك إجراءات معمول بها في "تأديب الطلاب المخالفين" حال قيامهم بارتكاب تلك الوقائع داخل المنشآت التعليمية.

فماذا عن ارتكاب الوقائع في محيط المنشآت التعليمية؟... لا يوجد رد لدى الوزارة على هذا السؤال.

دوافع نفسية

الدكتورة هبة عيسوى أستاذ الطب النفسي في كلية الطب جامعة عين شمس وإخصائية معتمدة لعلاج اضطرابات الغذاء النفسية، تقول لـرصيف22 إن هناك أسباب عدة تدفع المراهقين لارتكاب جريمة التحرش "أبرزها التقليد في سن البلوغ، إذ يرغب هؤلاء في إثبات أنهم كبار لأنفسهم. وذلك من خلال محاولات تقليد سلوكيات الكبار، إضافة إلى إثبات الرجولة والنضج عبر الاندفاع والدخول في المخاطر".

وترى عيسوى أن "السبب الرئيسى في إرتكاب الأطفال والمراهقين للتحرش الجنسي: "غياب الثقافة الجنسية في مجتمعاتنا، فلا يوجد دليل للمراهق كي يخرج رغباته بطريقة صحية".

وتعتقد عيسوى أن الأطفال ممن هم أقل من 10 سنوات مرتكبى تلك الوقائع، لا يفهمون ما هو التحرش، ولكنهم يقدمون على ارتكاب الأفعال المحسوبة عليه لدوافع "التقليد والتغليس على النساء، وعدم الوعي بوجود أماكن خاصة بجسد الأنثى لا يجوز الاقتراب منها. وقد يكون هو ذاته تعرض للتحرش من شخص كبير سواء من المقربين أو غيرهم لكنه لا يعي ما جرى له" .

تواصل رصيف22 مع هشام بدوي، المستشار الإعلامي للمجلس القومي للأمومة والطفولة عدة مرات، للتعرف على وجود خطة لدراسة الظاهرة أو وضع برامج للتعامل معها من خلال المؤسسات التربوية المعنية في الدولة ولمنوظة بهذا الدور التربوي دستورياً (وزارة التربية واتعليم - الإعلام- المؤسسات الدينية - النوادي الرياضية)، على اعتبار أن المجلس القومي للأمومة والطفولة هو الجهة الرسمية المنوط بها رصد ودراسة الظواهر المؤثرة سلباً بصحة الأطفال خاصة النفسية، والمساعدة في وضع البرامج القومية لللتغلب عليها. إلا أننا لم نتلق رداَ على إجاباتنا لمدة 10 أيام تلت بداية التواصل وحتى موعد نشر هذا التحقيق.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard