الحياة والسياسة نقيضان لبنانيان

الخميس 22 سبتمبر 202211:25 ص

لا ريب أن في الأمر شيئاً من التراث أو التقليد، ومن إحيائهما. فاللبنانيون، أو بعضهم، يلحّون في الجمع بينهم وبين رغد العيش الهانئ ومتع الطعام والشراب والمؤانسة أو المعاشرة وطيبها. فهم، على قولهم وزعمهم في أنفسهم وتعريفها للآخرين طبعاً وللنفس كذلك، أهل عيش، على معنى طلب التذوّق، واختيار ما يليق بالمتذوق وبضيوفه أو مجالسيه.

فالعَيْش الذي يعرّف أهله، "العيّيشين"، يعرفهم جماعةً، وإخواناً، على شاكلة "إخوان الصفا"، الجماعة العرفانية والإسماعيلية الباطنية المعروفة، و"أحباباً"، على قول بعض الفرق الإسلامية السلفية غالباً والمعاصرة، في أعضائها أو منتسبيها. وما تشترك فيه الجماعة هذه، وتخرجه من الانفراد إلى الجمع، ومن الحواس أشدّها التصاقاً بتجديد الجسم العضوي ودورته. حاسة الذوق وآلتها اللسان.

ومنزلة الطعام- أو المائدة اللبنانية التي تكني عن الطعام، أو المطبخ، في كناية تقنية وسياحية- من مديح اللبنانيين لـ"الحياة"، وحب الحياة، عالية وأثيرة. ويُمدح في "مائدة" اللبنانيين، من غير اعتبار مدى الشراكة في أطباقها وصحونها، اتصالها المباشر بمصادرها الطبيعية، وأمانتها للطبيعة الأم، وعلى هذا أصالتها وبداهتها ونكهتها، على نحو ما يمدح تنوّعها وغناها ومزيجها. والباب الواحد والجامع، "المطبخ اللبناني"، لا يقلل من فرادة المهارات البلدية أو المحلية، ولا يغمط المناطق اختصاصاتها التقليدية أو التراثية.

وربما تصدّرت مائدة جبل لبنان، وعنوانها الأول هو "المازة" (المقبلات الكثيرة والجامعة، في نحو أربعين صحناً، الأعشاب والخضار "البرية" إلى اللحوم والحبوب المطبوخة و"المصنوعة")، الموائد الأخرى، من غير أن تختصرها فعلاً، أو تدمج الأطباق المدينية الكبيرة، المتحدّرة من المطبخين الفارسي والتركي، في جملتها. وتفترض "المازة" وقت مؤاكلة مديداً ويملأ شطراً من اليوم، إما ظهراً، إلى ما بعد وقت العصر، وإما مساءً، إلى حين انتصاف الليل. ولا تستقيم، مذاقاً وأدباً (على معنى أدب المعاملة أو ثقافتها)، إلا بالشراب المحلي وتخلله تقديم الصحون المتدرّج، وتوقيعه، على نحو موسيقي، مراحل التقديم و"النزول". وتصل الكلمة الأخيرة الحد الجسماني والحيوي بالحد "الروحاني" والعُلوي على وجه يُعرب، أو يقصد الإعراب عن اشتباه أو التباس حال المائدة.

رواية المطبخ

وكان مديح "المائدة" اللبنانية، على رغم إلحاحه وشيوعه ورتابته، يمر مرور الكرام، ويُحمل على متمّم من متمّمات "أسطوانة" محلية مكرّرة، أو فقرة من فقراتها، على ما يقال في البرامج التلفزيونية المركّبة.

وربما فكّت غلبة سكن المدن، وفي مقدّمها بيروت، وتلازم هذا السكن مع العمل المتفرق لقاء أجر، وكثرة المواقيت (بحسب الانتقال والتعليم والزيارات والمهنة) وموجباتها في البيت الواحد وأجياله- المائدة من الحياة اليومية، وأخرجتها منها.

فأمست المائدة، على الشاكلة التي تُمدح عليها، شعيرة موسمية، تُحيى أو تُبعث "في المناسبات" والاحتفالات، وينسب إليها الجمع بين الأزمنة أو الأوقات المتعاقبة وبين نظام ثابت يرتّب البشر والأشياء على مراتب لا تحول. وهذا تعريف الأسطورة.

وعليه، "يروي" المطبخ، وطعامه ومائدته، على مثال الزجل، والقرادة، والمغناة (الرحبانية)، و"التاريخ" في صيغة سعيد عقل وفؤاد أفرام البستاني وأنطون سعادة، أدوار الطبيعة والنبات والاستـ(ـهلاك) والعمران والتأدّب والتداول والمؤانسة.

وفي فصول الصيف (اللبنانية) الثلاثة الأخيرة (يقتضي الجزم تدقيقاً، إضافياً)، وآخرها الفصل الذي بلغ ختامه في 21 أيلول/ سبتمبر الجاري، خرج مديح المآكل اللبنانية عن طوره السابق والمعتاد. فلم يقتصر على المنابر (عفواً، المنصات) التي تلزمها به وظيفتها الدعائية، بل الدعوية، والترويجية، شأن "مطويات" وزارة السياحة ومكاتب السفر ووكالات الرحلات المنظمة، وإعلانات المطاعم ومجمّعاتها في معاقلها القديمة والمعروفة.

فانتشر المديح وفشا على شاشات أقنية التلفزيون، وغدا جزءاً لا غنى عنه من نشراتها الإخبارية. وأُوقف عليه وقت قد لا يقلّ عن ثلث ثلاثة أرباع الساعة التي تدومها نشرة الأخبار المسائية (قبيل الساعة الثامنة، "الساعة العشرون" على قول الفرنسيين). وألزمت الأقنية المتنافسة، والمقلد بعضها بعضاً، نفسها ببث أخبار الأطعمة والموائد حيث لاح خبر، وبتكثير هذه الأخبار.

وهي قسمان عريضان. يتناول الأول المطاعم في أماكنها، ويدلّ عليها بالعنوان، والاسم، والاختصاص، والأوقات، وفئات المرتادين الطاعمين، ولا يُغفل وصفَ "الأجواء". وتحادث الكاميرا والميكرو (المذياع) أصحاب المطعم وبعض الآكلين.

ويتناول القسم الثاني احتفالات المدن، وأسواقها وبلدياتها، بالمآكل التي تختص بها (أو لا تختص). وهذه تحيي "أياماً" يعرض الأهالي المنتجون فيها نتاجهم الزراعي والمصنوع في سوق هي ساحة البلدة الكبيرة. وتدور العدسة- المذيعة (غالباً) على الخيم والبسطات. وتدعو أصحابها إلى الدلالة على نتاجهم. وإذا تلكأوا، أو خانتهم طلاقة اللسان، تصدّت المذيعة للإطناب في فضائل رُبّ الرمان أو رُبّ البندورة أو ماء الورد... والأنسجة التي انتهز أصحابها فرصة المعرض، وأدخلوها بين المآكل.

الحياة- السياسة

وتشترك "الأخبار" التلفزيونية هذه، والأرجح أن مصادرها الأولى هي المواقع على الإنترنت والمدوّنات والحيطان، والمقالات التي تصاحبها وتلابسها، في تأويل الصور والمشاهد والأقوال على مثال معياري واحد، هو "حب اللبناني للحياة"، وبحثه عن "فرص الاحتفال بها". وتعارض المقالات الحياةَ المحمومة والعنيدة والفرحة التي يفترض في أخبار المطاعم وأيام البلدات الدلالة عليها، بالمصائب اليومية والعامة الناجمة عن استقالة السياسيين وغفلتهم وفسادهم وتقصيرهم.

فيتذرّع مديح الحياة، وإعلان عشقها، باللازمة المكرّرة إلى ذمّ السياسة والسياسيين. وتُحمَل السياسة على الهدم والإفقار والعدوان على مصالح الناس، في مقابل تعلق الناس المتجدّد والمجدِّد بالفرح، وتحرّيهم عن سبل بعثه والاشتراك فيه. وتُوحَّد السياسة في السياسيين، ويوحّد هؤلاء في "الدولة"، العاجزة والمتخفّفة من تبعاتها ومسؤولياتها.

"يتذرّع مديح اللبنانيين للحياة، وإعلان عشقها، باللازمة المكرّرة إلى ذمّ السياسة والسياسيين. وتُحمَل السياسة على الهدم والإفقار والعدوان على مصالح الناس، في مقابل تعلق الناس المتجدّد والمجدِّد بالفرح، وتحرّيهم عن سبل بعثه والاشتراك فيه"

فينتصب الناس، أو الشعب، أو اللبنانيون، قطباً يبتكر "رغم كل شيء" (عنوان فقرة في نشرة أخبار الثامنة إلا ثلثاً على "أم تي في")، ويأكل ويشرب ويرقص ويغني، و"يقدّس" القداديس الكنسية، ويكثِّر فرص الصنع والاكتشاف والإعجاب والعرض والبيع والشراء، ويحيي التقاليد، ويحرز الانتصارات والجوائز بكدّه وعناده واتكائه على نفسه وصرفه النظر عن "مساعدة الدولة".

وما تكاد "تنجزه" الوقائع اللبنانية اليومية، أي انكفاء الإدارات والأجهزة، وتناثرها وقعودها عن غير حفظ رمقها الضئيل، تحسم مقالات الحياة أمره، وتجلوه في صورته الأخيرة، المخوفة والمرجوّة معاً. وعلى نحو ملتبس يشبه شبهاً قوياً تناوب السادية (التلذُّذ بعذاب الغير) والمازوشية (التلذُّذ بعذاب النفس) على مشاعر السادي- المازوشي،- وترجّحه بين قطب وآخر.

فمن وجه، يوهم ما يصوّر في صورة قيام "المجتمع" (دائرة الحاجات الحياتية والخاصة، على تعريف شهير) بنفسه وبأوده، بنزعة سياسية واجتماعية فوضوية، وبطلب الغنى عن الدولة، والاحتفال باضمحلالها، على ما كان يرطن بعض الماركسيين في زمن ولى. وتوهم الحملة على الدولة، وعلى أركانها و"أصحابها"، وحاملي ألقابها، من وجه آخر، بطلب "الشعب"، والإعلام بالوكالة عنه على جاري عادة تتأصّل، ولاية "الأمر" (السياسة والدولة) وتدبيره بواسطة التسيير الذاتي، الشعبي أو التحتي. فتلابس "الفوضوية" رغبات بورجوازية مريرة.

الشرف والوضاعة

والحق أن الظاهرة الجزئية والطارئة التي تقدّم وصفها هي عرض من أعراض أحوال وظروف محلية بلغت، في الأعوام الثلاثة أو الأربعة الماضية، بعض ذرى تأزّمها. فهي، على هذا، صدى من أصداء تصدّع عمود الدولة الفقري، وتفكك فقراته، وانتحاء الفقرة منها ناحية على حدة من البقية وكأن في وسعها "العمل" منفردة.

وحين يُقصر المجتمع على حياة أفراد، مجتمعين على تلبية نوازعهم الطبيعية، وعلى الحاجات التلقائية وتجديد سعيها في "طلب المتعة والهرب من الألم"، على قول الأحسوسيين ("سانسوياليست")- يُغفل عن أن المجتمع الخالص، أو المحض والمجرّد من أجهزة أو آلات التواصل والتبادل والتحكيم والترميز والتمثيل والقسر، هو "مسبعة"، على قول ابن المقفّع، تسرح فيها السباع والذئاب والثعالب، وتتفتت إقطاعاتِ أمر واقع، وديراتِ أسياد حرب وعبيدهم.

وعلى خلاف زعم يستخرج السياسة، أي تصريف وسائل التوحيد والجمع المستقرين والمتجدّدين، من المجتمع "المدني"، تقوم الحياة السياسية الوطنية على نزاع مقيم بين السياسة، ومعاييرها الصناعية أو الثقافية، وبين المجتمع وحاجاته ونوازعه. وتعود نُذُر الفصل القاطع بين القطبين، في تاريخ اللبنانيين المعاصر والقريب، إلى الانشقاق الأهلي الذي ولّده اغتيال رفيق الحريري في شباط/ فبراير 2005.

فيومها رفع خصوم الاغتيال والمندّدون به شعاراً (وهو صرخة الحرب عند الغارة): "نحب الحياة"، بحروف بيض تشعُّ نوراً وتحتها أو خلفها، على الملصق، أحمر غامر يميل إلى زهري أمومي وطفلي رحمي.

وحسبوا (حسبنا) أن انحيازهم إلى "الحياة"، هم أهل القتيل وعاقلته وأولياء دمه، يُلزم الخصوم الأعداء بالانحياز إلى "ثقافة الموت". وكان الخصوم الأعداء هؤلاء، وهم لبنانيون، يمدحون ما سمّاه مرشدوهم "ثقافة الدم"، وغنّاه شعراؤهم "الجنوبيون" في حداد قتلاهم.

"بينما كانت شاشات التلفزيون تذيع يومياً عدد العائدين إلى الاصطياف في لبنان وتتقصّى كمية الدولارات الأميركية التي صرفوها، تعمّد حزب الله أن ينذر الصيف نفسه إلى ‘معركة’ ترسيم الحدود البحرية، فملأ أيام الصيف بأخبار مسيّراته، وإنذاراته، ونصّب نفسه ‘أميراً’ ووصياً على الدولة"

وفي مطلع الحروب الملبننة- وهي حروب تتوسّل فيها جماعات الداخل بقوى الخارج، ويُعمل الخارج فيها حلفاء الداخل-، في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، كَتَب أحد أقلام "الجبهة (المسيحية) اللبنانية"، الأب يوسف مونّس، رسالة إلى المجتمع الدولي، الغربي، يناشده فيها حماية أهله من أعداء يبيّتون موتهم وقتلهم.

ويسوق الكاتب، في الحجج التي يسوقها، واحدة تشبّه أهله بنوع حيوان صائر إلى الانقراض، وتتداعى جمعيات الرفق بالحيوان إلى إنقاذه، على ما ينبغي للمجتمع الدولي الغربي أن يفعل. ولم يكن هذا الرأي الأول في بابه، ولكنه كان قرينة واضحة على تسلّط لغة الحياة البيولوجية أو مقالات الحياة، على ما مر القول، على المصطلح السياسي. ولعل "فتوى" روح الله الخميني: إسرائيل غدة سرطانية- يجب استئصالها"، من عيون هذه اللغة ومقالاتها.

القسمة

ورد الخصوم- الأعداء على "نحب الحياة" بمثلها تماماً: "نحب الحياة..."، وزادوا: "... بكرامة". وتضمر الزيادة أن الحياة التي تحبونها خلو من الكرامة. وتأويل هذا، في ضوء علاقات الأضداد والأشباه والتوريات والظروف بعضها ببعض، أن حياة من غير استشراف الموت، ومن غير هَجْس به، وربما في نهاية المطاف من غير رغبة فيه ("اقتلونا فالموت لنا عادة"، "اقتلونا فشعبنا سيعي أكثر"، من مبادئ الفقه السياسي الخميني والحزب اللهي)، لا تليق بـ"شرف" المجاهدين.

ومديح رعيّة الولي الفقيه الخميني، أو "أمة حزب الله"، على ما سمّيت في أعوام الثورة الإيرانية الأولى، بـ"الشرف"، وحمل الشرف والكرامة على الموقف من الموت- "وأوقفني في موقف الموت"، من "مواقف" محمد بن عبد الجبار النِّفَّري المفترضة- مديح أرستقراطي وهو يكال لنسل (عترة) المقاتلين الذين تعرِّفهم منازلتهم الموت. ويزيد الفقه السياسي: واشتهاؤهم الموت.

ويجتمع من هذه الأركان: التعالي على الحياة ("الذليلة")، وترجيح القتال دون "الله" وشريعته أو "خطه" ("خط الإمام")، وإرساء انقسام المجتمع (الأمة) طبقتين بل أمتين (الأشراف والعامة) على توارث "بركة" حب الشهادة وسريانها في الدم- مذهب سياسي و"وجودي" تعتقده فروع إقليمية شرق أوسطية تملأ أخبارها الصحف والمواقع والجدران والشاشات.

وسيامة جبران باسيل، السياسي العوني اللبناني و"سلطان" كتلة الجنرال الرئيس عمه، "مقاوماً"، على ما حصل في صيف 2019، وافتراضه متعالياً على الحياة العضوية...، هو من قبيل انتهاج سياسة الحياة وضروراتها وإباحاتها.

فقسمة المجتمع (الحاجات)/ السياسة (الولاية)، القريبة في بعض الأحوال والظروف من القسمة الطائفية "المثالية" (المسيحية/ الإسلام)، لا تنفي الخليط أو المزيج. فيتولى حزب الولاية، وتوحيد الدين في السياسة والسياسة في الدين في ظل الكلاشنيكوف على الراية الصفراء، رعاية أهل شيعته وتلبية أشد احتياجاتهم عضوية وطبيعية من "بيت مال المسلمين". ويذيع خبر هبة المحروقات الإيرانية على كل الأشهاد.

وتخوض أحزاب مسيحية (أحزاب مسيحيين، على وجه الدقة)، وهي عرّفت هوية اللبنانيين الوطنية بـ"مدنيّتهم"، أو "تحضّرهم" و"ازدهارهم" و"اقتصادهم الحر"، حروب السيادة والصلاحيات ووحدة السلاح والعروبة، من غير أن تتخلى عن الاحتفاء بالحياة الدنيا وزيناتها واحتياجاتها الكثيرة.

ولا يدعو هذا إلى إنكار القسمة وعمق جذورها في تربتنا التاريخية والاجتماعية، فبينما كانت شاشات التلفزيون ومواقع الشبكة تدعو في صيف 2022 إلى السياحة الداخلية، وتروّج لمواقعها ومطاعمها وأيامها، وتذيع يوماً بعد يوم عدد العائدين إلى الاصطياف في لبنان وتتقصّى كمية الدولارات الأميركية التي صرفوها، تعمّد الحزب الخميني والحرسي المحلي، وإعلامه، أن ينذر الصيف نفسه إلى "معركة" ترسيم الحدود البحرية. وهي حدود حقول الغاز واستخراجه.

فملأ أيام الصيف بأخبار مسيّراته، وإنذاراته، وسابقاته، واحتفالاته بتاريخه الأربعيني "المركّب" والمنحول. ونصّب نفسه دولة على الدولة، و"أميراً" ووصياً عليها، من وجه، ومفضّلاً ومنعماً على اللبنانيين بخيرات النفط الموعود، وعسلها ولبنها، وكأنه وحده مؤتمن عليها، أو هو مَن استودعها في جيوب البحر وديعة خالصة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard