عن مريم (14 سنةً)... ضحية الاغتصاب والإجهاض السري ونفاق المجتمع

الأربعاء 21 سبتمبر 202202:30 م

عوضاً عن أن تعيش مريم، طفلة كان عمرها 14 سنةً، مرحلة تحرّر الطفولة من قيود مجتمع محافظ، أصبحت ضحيته وقتيلته. إذ تعرضت الطفلة التي تعيش في بلدة بومية المغربية للاغتصاب في علاقة جنسية خارج إطار الزواج، ولم تجد عائلتها حلّاً حين علمت بحملها نتيجة الاعتداء الجنسي عليها، إلاّ "الإجهاض السرّي" غير الآمن داخل بيت "جلّادها". توفّيت الطفلة، وثار غضب كثيرين رأوا أنها ضحيّة عنف مضاعف من طرف المعتدي عليها، ومن طرف مجتمع يدير ظهره للضحايا.

عنف مضاعف

ما تعرضت له الطفلة مريم، عنفٌ مضاعف من طرف المغتصب ومن طرف المجتمع وعائلتها. فهي حسب ما نقلت الجهات الرسمية في محافظة ميدلت الواقعة في الجنوب الشرقي للمغرب، قد تعرضت للاغتصاب في قريتها "بومية"، من طرف شاب من مواليد 1997، غرّر بها واتخذها عشيقةً له بالرغم من أنها قاصر، وظلت تتردد على منزله باستمرار إلى أن نجم عن هذه العلاقة غير الشرعية حمل، ما دفع الشاب العشريني إلى تدبير عملية إجهاض سرّي في منزله، قامت بها ممرضة في المستشفى الإقليمي في ميدلت، بمساعدة تقنيّ انتحل صفة ممرض، لكن عمليّة الإجهاض نتج عنها نزيف حاد أدى إلى وفاة الطفلة.

الغريب في هذه الحادثة، كما كشفت عن ذلك سلطات المنطقة والجمعيات الحقوقية، هو أن أمّ الضحية كانت على علم بالاغتصاب الذي تعرضت له طفلتها مريم، وبالعلاقة التي تربط ابنتها بالشاب العشريني، والتي نجم عنها حمل، وأنها هي من رتّبت لعملية التخلص من الجنين مع مغتصب طفلتها، التي قضت نحبها جراء هذا الإجهاض السري.

حسب وكالة المغرب العربي للأنباء (حكومية)، تم توقيف أربعة أشخاص مشتبه بهم في القضية، من بينهم والدة الضحية، إذ ما زال المحقّقون ينظرون في هذا الملفّ الذي يمكن أن يسفر عن مفاجآت أخرى.

حداد على الشبكات

تفاعل الناشطون على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، مع دعوة "ائتلاف خارجات عن القانون 490" الحقوقي لتخصيص يوم الثلاثاء 20 أيلول/ سبتمبر، كيوم حداد على الطفلة مريم البالغة من العمر 14 سنةً، والتي توفيت ليلة السابع من أيلول/ سبتمبر الجاري، جراء عملية إجهاض سرّي نتج عنها نزيف حاد، تنديداً بالقوانين "غير العادلة" و"الرجعيّة" التي ما زالت ترزح تحت نيرها النساء والفتيات في المملكة.

غصّت مواقع التواصل الاجتماعي بتدوينات وتغريدات ووسمي "#حتى_لا_ننسى_مريم"، و"#مريم"، نشرها العديد من الفنانين والفاعلين الحقوقيين والإعلاميين، الذين تجاوبوا مع نداء "ائتلاف 490" الحقوقي الذي برز في الساحة بدفاعه عن ضرورة إلغاء القوانين التي تجرّم الحقوق الفردية، وتنديده المستمر بالعنف والاغتصاب اللذين كانت آخر مشاهدهما المُعلنة ما تعرضت له الطفلة مريم، والموت الناتج عن الإجهاض السرّي الذي خضعت له في ظروف غير صحية.

ماتت الطفلة مريم (14 سنة) نتيجة نزيف حاد بعد عملية إجهاض سرّي ترتب عن حمل من علاقة غير شرعية. مريم ضحيّة عنف المجتمع والقانون

طالب الائتلاف بتعديل القانون الجنائي المغربي، وعدم تجريم الإجهاض الطبي، وذلك حتى يوضع حد للإجهاض السرّي الذي يتسبب في وفاة العديد من الطفلات والنساء.


جاء في نداء "ائتلاف 490"، الذي طالب المتفاعلين معه بكتابة كلمات للترحم على الطفلة مريم، واستخدام وسم "#مريم" أو إعادة نشر صورةٍ وضعها على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وممّا كُتب عنها: "سنتذكّرك دائماً #مريم، وسنناضل بكل ما أوتينا من قوة من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة من بنات هذا الوطن وأبنائه".

تجدد النقاش حول الإجهاض

وفاة الطفلة مريم ضحية الاغتصاب والإجهاض السري، أعادت إلى الواجهة في المغرب النقاش الدائر والمرافعات الحقوقية المطالبة برفع التجريم عن الإجهاض الطبي، والسماح به للنساء حفاظاً على حيواتهن، مع ضرورة تغيير العديد من الفصول في القانون الجنائي المغربي وعلى رأسها الفصل 490 الذي يجرّم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، ووضع قانون واضح وشامل يخص الإجهاض، الذي يجرّمه القانون المغربي ويعاقب المرأة التي تخضع للإجهاض ومن يقوم بالعملية والوسيط، "بالسجن بين 6 أشهر و5 سنوات"، ولا يبيحه إلا في فصل وحيد هو الفصل 453 الذي يسمح به إذا كانت صحة الأم البدنيّة في خطر، إذ أبيح الإجهاض في أربع حالات فقط: "عندما يشكل الحمل خطراً على حياة الأم أو على صحتها، وفي حالات الحمل الناتج عن اغتصاب أو زنا المحارم، والتشوهات الخلقية الخطيرة والأمراض الصعبة التي قد يصاب بها الجنين"، ضارباً بعرض الحائط الصحة النفسية والعقلية للمرأة أو الفتاة.  

"سنتذكّرك دائماً #مريم، وسنناضل بكل ما أوتينا من قوة من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة من بنات هذا الوطن وأبنائه"

يضاف إلى هذا أن القانون المغربي لا يجرّم العلاقات الجنسية مع القاصرين، ويعدّها اغتصاباً، كما هو الحال في قوانين البلدان المتقدّمة في المجال القانوني.

تحميل الدولة المسؤولية

بمجرد إعلان وفاة الطفلة مريم، ندّد المكتب التنفيذي لـ"اتحاد العمال النسائي"، بالنهاية المأساوية لهذه الطفلة، وأكد في بيان له أنه "تابع بحزن عميق واستنكار شديد فاجعة وفاتها في منطقة بومية، جراء عملية إجهاض سرّي في منزل مغتصبها، وفي غياب أية شروط للسلامة الصحية".

حمّل الاتحادُ الدولةَ المسؤولية عن هذه المأساة بسبب تقييدها المتشدد للإيقاف الإرادي للحمل من دون أي اعتبار لظروف وقوعه، وهو ما يتعارض مع واجبها المتمثل في حماية النساء، وطالب البيان "بالتغيير الجذري والشامل للقانون الجنائي المغربي من حيث فلسفته وبنيته ولغته ومقتضياته بما يتلاءم مع الدستور والمواثيق الدولية، ورفع التجريم عن الإجهاض الطبي وتنظيمه ضمن مدوّنة للصحة العمومية حسب المعايير المحددة من قبل منظمة الصحة العالمية، وجعله خدمةً عموميةً تستفيد منها النساء متى شكّل لديهن الحمل خطراً على صحتهن البدنية أو النفسية أو العقلية أو الاجتماعية".

كما ناشد الاتحاد الجهات المسؤولة بـضرورة إلغاء المقتضيات المتعلقة بالإجهاض في القانون الجنائي الحالي، ووضع "خطةً للوقاية من الحمل غير المرغوب فيه وتمكين الفتيات والنساء من التثقيف والتربية الجنسية، ومن الحصول على المعلومات وعلى الوسائل الكفيلة التي تمكّن المرأة من الولوج إلى ممارسة حقوقها تلك وتوفير خدمات الولادة من دون مخاطر".

المطالبة بتشريعات تحمي النساء

من جهته، أصدر تحالف "ربيع الكرامة"، بياناً يشجب فيه هذا الفعل الشنيع والعنف المزدوج الذي تعرضت له هذه الطفلة ويندد بهما، ويحمّل المسؤولية التامة للدولة التي تدفع النساء والفتيات إلى اللجوء للإجهاض السريّ غير الآمن بغض النظر عن الظروف التي تم فيها الحمل، ومن دون الأخذ في عين الاعتبار معاناة النساء والفتيات في حالة وقوعهن في حمل غير مرغوب فيه.

طالب هذا التحالف الحقوقي الذي يعمل لأجل تحقيق المساواة بين النساء والرجال وحمايتهن من العنف، الدولة بتنزيل تشريعات تحمي النساء من العنف وتناهض التمييز بسبب الجنس، ورفع التجريم عن الإجهاض الطبي وتنظيمه ضمن مدوّنة للصحة العمومية حسب المعايير المحددة من قبل منظمة الصحة العالمية.

تجدر الإشارة إلى أن المغرب صُنّف قبل سنتين من طرف موقع "فاكت سلايدس" الأمريكي، الأوّل عربياً في عمليات الإجهاض والثامن على المستوى العالمي، على الرغم من أنه مجرّم قانونياً، كما أعلنت الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة عن وجود 80 ألف حالة إجهاض في السنة في المغرب، بينما حددت الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السري من خلال دراسة علمية عدد الحالات، بين 600 و800 حالة إجهاض سري يومياً، وذلك في غياب أي معطيات رسمية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard