هل تنجح أشجار المانغروف في القضاء على الرواسب والملوثات البحرية في مصر؟

الأربعاء 21 سبتمبر 202203:20 م

تُعدّ مصر واحدةً من أكثر الدول التي تتلوث بيئتها البحرية بالمخلّفات الصلبة، وتشير بيانات أممية إلى أن مصر من أكثر الدول تسبباً في تلويث البحر المتوسط بالفضلات البلاستيكية التي تشكل 95% من مسببات التلوث، ويأتي ذلك في وقت كشفت فيه مستندات رسمية صادرة عن هيئة الثروة السمكية في مصر، عن تراجع الإنتاج السمكي في مصر بمعدل قُدِّر بـ1.4% خلال عام 2020، ووفقاً للمستندات هناك تراجع في حجم الإنتاج السمكي في المصائد الطبيعية في البحرين الأحمر والمتوسط، بمعدل 5.5% بين عامي 2019 و2018.

ووفقاً لمتخصصين في مجال البيئة وعلوم البحار، فإن معدلات التلوث في البيئة البحرية تُعدّ من أهم أسباب تراجع المخزون السمكي في مصائد مصر الطبيعية، فضلاً عن عوامل أخرى مثل صيد الزريعة (الأسماك الصغيرة)، واستخدام الصعق الكهربائي في عمليات الصيد. ويدفع ذلك العاملين في قطاع الصيد في البلاد، والبالغ عددهم نحو مليون صياد، للسفر إلى دول الجوار بحثاً عن رزقهم، مما يعرّضهم لمشكلات منها الغرق أو الاعتقال بدعوى خرق المياه الإقليمية.

انتبه العلماء إلى أهمية أشجار المانغروف في تنقية المياه من الملوثات.

لكن بالتوازي مع ذلك، وكأحد الحلول لتلك المعضلة، انتبه العلماء إلى أهمية أشجار المانغروف في تنقية المياه من الملوثات، لكونها مورداً طبيعياً مهماً في منطقة خليج العقبة وأماكن متفرقة في ساحل البحر الأحمر، فهذه الأشجار تشكّل موئلاً للكائنات والحيوانات المائية والبرية النادرة، ولها فوائد عدة، إذ تعمل على الحد من تلوث البحار بتنقية المياه من المعادن الثقيلة، وهي واحدة من أهم ملوثات البيئة البحرية.

ولا تقف فوائد أشجار المانغروف عند هذا الحد، فقد انتبه العلماء إلى أهميتها في مواجهة آثار التغيرات المناخية، كما أنها تعمل على حماية الشواطئ من عوامل التعرية، وقد أعلنت وزيرة البيئة في تصريحات صحافية لها قبل أشهر، اعتزام مصر التوسع في زراعة أشجار المانغروف بهدف مواجهة آثار التغيرات المناخية.

والمانغروف شجرة فريدة دائمة الخضرة تنمو في مناطق عدة حول العالم، وتتميز بجذورها المتشعبة وقدرتها على النمو في بيئات صعبة مثل المياه المالحة والأماكن ذات الرطوبة ودرجات الحرارة العالية. لهذه الشجرة عشرات الأنواع، وفي البلدان العربية توجد أربعة أنواع منها، على سواحل البحر الأحمر وخليج العقبة والخليج العربي، وتُعرف أحياناً باسم "الأيكة" أو "القرم".

فوائد بيئية جمّة

تقول الدكتورة آمال محسب، أستاذة اقتصاديات الأسماك في المعهد القومي لعلوم البحار في مصر، لرصيف22: "تُعدّ المعادن الثقيلة والكيماويات والمبيدات الموجودة في الصرف الزراعي، أخطر أنواع التلوث في البحار، ويأتي الصرف الصحي في المرتبة الثانية من حيث الخطورة على الأسماك"، مشيرةً إلى تعدد مصادر التلوث كالزراعي والصناعي والصحي، إلى جانب مخلّفات المراكب التجارية التي تعبر الموانئ وتصرف بعض مخلفاتها كالزيوت والشحوم بالقرب من الشواطئ، وأحياناً غرق بعض السفن المستخدمة في نقل مواد بترولية والذي يُعدّ أمراً خطيراً للغاية.

وعن أهمية أشجار المانغروف، يقول خبير البيئة البحرية الدكتور المتولي شبانة، لرصيف22: "تعمل نباتات المانغروف الساحلية على إنتاج الأوكسجين، وامتصاص غازات الكربون والغازات السامة، ما يساعد بشكل كبير في الحد من الاحتباس الحراري، كما تُعدّ من أهم النظم البيئية في تخليص الجو من الغبار والمعلقات الضارّة في الهواء، إلى جانب ذلك تحافظ نباتات المانغروف على درجة الحرارة المناسبة للحياة الشاطئية، وتلعب دوراً في تقليص الفوارق الحرارية بين النهار والليل".

ويضيف: "على الرغم من أن أشجار المانغروف ومروج الحشائش البحرية والمستنقعات المالحة المد جزرية تمثّل مساحةً أصغر بكثير من الغابات الأرضية، فإن مساهمتها الإجمالية في تخزين الكربون الناتج عن الملوثات باختلاف أنواعها، سواء كانت بلاستيكيةً أم ثقيلةً، مهمة للغاية، فإجمالي دفن الكربون العالمي في أشجار المانغروف يتراوح بين 31 و34 تيراغرام كربون/ سنة (تيرا غرام=1012 غراماً)، مقارنةً بمعدلات دفن الكربون العالمي في الغابات الأرضية، فهو في الغابات المعتدلة 53 تيراغراماً كربون/ سنة، و78.5 تيراغرامات كربون/ سنة في الغابات الاستوائية".

تعمل نباتات المانغروف الساحلية على إنتاج الأوكسجين، وامتصاص غازات الكربون والغازات السامة، ما يساعد بشكل كبير في الحد من الاحتباس الحراري، كما تُعدّ من أهم النظم البيئية في تخليص الجو من الغبار والمعلقات الضارّة في الهواء

بدوره، يتحدث مدير محميات البحر الأحمر الدكتور تامر كمال، عن أن هذا النوع من الأشجار ينمو بصورة طبيعية من دون تدخل الإنسان، وتُعدّ الأرض الخاصة به من أفضل الأماكن لتفريخ الأسماك. ويضيف لرصيف22: "تتواجد أشجار المانغروف في مصر بدءاً من خط عرض 22 حيث يوجد أكثر من 28 منصباً لها، وتمتد من جنوب البحر الأحمر حتى الشمال في منطقة الدير في محافظة القليوبية، وتتواجد تلك الأشجار في مناطق حلايب وشلاتين وسفاجا ومرسى علم والقصير وشمال الغردقة"، وتحتاج زراعتها وفقاً لشبانة إلى مناطق ذات طبيعة ومواصفات خاصة متمثلة في مناطق محدودة المساحة تتميز بامتداد منطقة ظهر الشعاب أمامها، مما يقلل من تعرّضها المباشر لحركة الأمواج.

وبحسب كمال، تلعب أشجار المانغروف دوراً مهماً في امتصاص الكربون الناتج عن النفايات البلاستيكية والهيدروكربونية، إذ تتمتع بقدرتها الهائلة على امتصاص الكربون وتخزينه في تربتها، وحبس الكربون الفائض الناتج عن الملوثات داخل التربة التي تتحول إلى خزان للمواد العضوية الحاملة للانبعاثات المترسبة فيها عبر ملايين السنين، وهذا التخزين داخل التربة يمنع انتشار الكربون وانتقاله إلى الغلاف الجوي أو مياه البحر، مما يعود بالفائدة على البيئة البحرية.

وسائل تدمير المانغروف

مع الأهمية الكبرى لأشجار المانغروف، فهي ليست في منأى بحد ذاتها عن مخاطر بيئية كثيرة. ووفق حديث شبانة، هناك أسباب قد تؤدي إلى تدمير الحياة الشاطئية للمانغروف، من بينها التدمير المباشر للمناطق الساحلية والتي تتخذها العديد من الكائنات الحية بيئةً للتكاثر أو مصدراً للطعام، والتلوث بالنفط الناتج عن نقل الأمواج الحاملة للنفط المهدور بسبب حوادث الناقلات، فيلتصق النفط بجذور وبراعم المانغروف ويقتلها.

إلى جانب ذلك، يرى شبانة أن التلوث بالنفايات والمهملات البشرية المختلفة، والإصابة بالأمراض والحشرات التي تتطفل على النباتات، وعدم إعادة زراعة هذه النباتات من جديد في المناطق المتضررة أو المنقرضة، هي من أسباب تدمير بيئة المانغروف، زيادةً على الرعي الجائر من قبل الحيوانات والاحتطاب الجائر لتلك النباتات من قبل الإنسان.

تستهدف مصر استغلال أشجار المانغروف بالشكل الأمثل، ومنع التعدّيات على أماكن الامتدادات الطبيعية لها.

وضمن السياق نفسه، يضيف كمال: "الملوثات البترولية في البيئة البحرية من أشد المواد المتسببة في ضرر بالغ لأشجار المانغروف التي تُعدّ حضانات تُستخدم كأماكن تعشيش وتكاثر للطيور والأسماك، لذا فإن كل المكونات البلاستيكية والهيدروكربونية تنتج عنها تأثيرات سلبية مما قد يؤدي إلى تقليل إنتاجية الأشجار أو ضمورها تماماً".

حماية الشواطئ

من جهة أخرى، تُعدّ مصر من أكثر الدول التي تعاني من الشح المائي وفقاً لما ذكره وزير الموارد المائية والري محمد عبد العاطي، الذي طالب البنك الدولي بتمويل إضافي لمواجهة الشح المائي.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور شاكر أبو المعاطي، أستاذ المناخ الزراعي، إن أشجار المانغروف تتناسب إلى حد كبير مع البلدان التي تعاني من ندرة في المياه كمصر، ففي حالة زراعة هذا النوع من الأشجار يمكن استغلالها كرئة جديدة لضخ الأوكسجين لتمتص غاز ثاني أكسيد الكربون الملوث للجو والمسبب لظاهرة الاحتباس الحراري، وتالياً نستطيع تحويل المناخ المملوء بالملوثات إلى مناخ نظيف نقي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المانغروف يُعدّ وسيلةً مهمةً لمواجهة نحر الشواطئ، وهي ظاهرة تعاني منها مصر، إذ يقاوم تآكل الشريط الساحلي، وقد أثبتت الدراسات أهمية تجمعات نبات المانغروف كأحد الأنظمة الطبيعية التي تساعد على حماية الشواطئ والمناطق الساحلية من عوامل التعرية والعواصف وتيارات المد، والمحافظة على رطوبة ودورة المياه في التربة، وتثبيتها عن طريق تجميع الرواسب الطينية والعضوية حول الجذور.

ويردف شبانة ضمن هذا السياق: "تعمل أشجار المانغروف كمناطق تحضين طبيعية وأماكن تبويض وتزاوج للعديد من الكائنات البحرية والطيور، كما تدعم مصايد الأسماك في المياه الساحلية، وتعمل الأوراق المتناثرة من الأشجار كمصدر غذائي للحيوانات في مصبات الأنهار والمياه الساحلية، كما يؤدي تحلل هذه الأوراق في التربة إلى تكوين عناصر مغذية للكائنات الحية الموجودة في المحيط الحيوي للنبات".

يعد المانغروف وسيلةً مهمةً لمواجهة نحر الشواطئ، وهي ظاهرة تعاني منها مصر، إذ يقاوم تآكل الشريط الساحلي، وقد أثبتت الدراسات أهمية تجمعات نبات المانغروف كأحد الأنظمة الطبيعية التي تساعد على حماية الشواطئ والمناطق الساحلية من عوامل التعرية والعواصف

إجراءات حكومية

تستهدف مصر استغلال أشجار المانغروف بالشكل الأمثل، وتعمل على منع التعدّيات على أماكن الامتدادات الطبيعية لها. ويقول كمال ضمن هذا السياق: "نعمل على توعية السكان المحليين بمدى أهميتها كمورد طبيعي مهم، وننفذ حملات تنظيف مستمرةً لأماكن تواجدها بالتعاون مع الجهات المعنية".

إلى جانب ذلك، أدرجت مصر أشجار المانغروف ضمن المناطق المعلنة كمحميات طبيعية، وبذلك خضعت لحماية القانون المصري، ويقول كمال: "عملنا نحن مسؤولي محميات البحر الأحمر، على توجيه القطاعات الأهلية والمجتمعية لحماية الأشجار، ومنعنا أعمال الرعي والتحطيب المتمثلة في تكسير الأشجار لاستخدامها كحطب أو كوقود، هذا إلى جانب تعاون وزارتي البيئة والزراعة المصرية لإكثار شتلات المانغروف وإعادة استخدامها، وزيادة رقعة زراعته، ففي منطقة الجونة في محافظة الغردقة، زرعت نحو 500 شتلة، إلى جانب ذلك نعمل على إعادة تأهيل المناطق التي تعرضت للأضرار لتستمر في الإنتاج والحفاظ على البيئة، ونهدف في نهاية المطاف لتحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن البيئي بالاستفادة من هذه الشجرة الفريدة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard