"إحنا بنموت بالبطيء"... متى تتخلى مصر عن استخدام الفحم كمصدر للطاقة؟

الثلاثاء 10 مايو 202204:48 م

في منتصف تسعينيات القرن الماضي، انتقل أحمد أمين مع زوجته إلى مدينة الإسكندرية بحثاً عن فرصة عمل، بعدما أُغلقت جميع الأبواب في وجهه في محافظة قنا في أقصى جنوب صعيد مصر، واختار وقتها السكن في منطقة دخيلة الجبل، في حي العجمي، أملاً بالحصول على عمل في ميناء الدخيلة.

مذ تطأ قدماك هذه المنطقة، تستقبلك أدخنة على هيئة سحاب أسود، وبيوت عشوائية تلونت حجارتها بالرمادي، وشوارع ضيقة لا تسمح بمرور سيارة نقل، ونوافذ متهالكة لا تفيد في منع دخول الهواء الملوث إلى المنازل، وأشجار تحول لونها من الأخضر الزاهي إلى الأصفر الباهت.

يقول أحمد لرصيف22: "عندما انتقلنا، أرشدني صديق لاستئجار شقة في هذه المنطقة، وهي الأرخص، نظراً إلى أنها عشوائية وتستقبل الآلاف من محافظات الوجهين القبلي والبحري، واستأجرت شقةً ضيقةً مقابل 150 جنيهاً شهرياً، واشتغلت عاملاً في الميناء مقابل 600 جنيه حينها".

دفعنا ضريبة موافقة الحكومة المصرية على استخدام الفحم من صحتنا وصحة أولادنا.

لم تمر سبعة أعوام حتى شعر أمين بآلام في الصدر ونوبات ضيق في التنفس، واكتشف إصابته بالتحجر الرئوي، ونصحه الطبيب بضرورة ترك عمله ومكان سكنه والبحث عن عمل وسكن آخرين. بهذا خسر عمله من دون الحصول على مستحقاته المادية لأن المصنع لم يؤمّن على قطاع كبير من العمال، ويشتغل حالياً موظف أمن، وما زال يسدد ثمن خسارة صحته حتى الآن.

مشكلة في كل بيت

جولة داخل المناطق المحيطة بحي العجمي، تكشف المأساة التي يعيشها الأهالي، بسبب مداخن مصانع فحم الكوك الموجودة داخل ميناء الدخيلة، إذ يعاني أغلبهم من أمراض الربو وحساسية الصدر والعين، ولم تفلح محاولاتهم في الاعتصام أكثر من مرة تعبيراً عن اعتراضهم على وجود المصنع داخل الكتلة السكنية.

لم تكن منطقة الدخيلة التي تقع على امتداد حي العجمي، بهذه الصورة القبيحة التي أصبحت عليها الآن، حسب رواية إيمان ضاحي، التي انتقلت للسكن في المنطقة منذ طفولتها، وإنما كانت أرض مطار حربي قديم، وتحولت إلى ما هي عليه بعد بناء رجل الأعمال أحمد عز، مصنع الدخيلة للحديد والصلب، وحوّل المنطقة إلى كتلة من الفحم على حد وصفها.

تلوث المناطق السكنية بسبب الفحم - خاص رصيف22

تقول إيمان لرصيف22: "انتقلنا إلى منطقة الدخيلة قبل 20 عاماً، وكانت هادئةً وجميع العقارات فيها لا تتجاوز الثلاثة أدوار، وكنا نستمتع بنسمات الهواء الباردة القادمة من البحر خلال الصيف، حتى بُني مصنع الحديد والصلب ورأينا الفحم القادم عبر المراكب، وكان يتراصّ بشكل عشوائي في المنطقة الواسعة المحيطة بالمصنع، ويتطاير علينا الرماد بالرغم من إغلاقنا النوافذ، وأصبحت حياتنا بالقرب من البحر نقمةً بسبب تيارات الهواء التي تساعد على تطاير رماد الفحم".

لم تفلح محاولات أهالي الدخيلة في إرسال الشكاوى إلى وزارة البيئة لغلق مصنع الحديد والصلب، ولم يحصل تطور سوى بقيام إدارة المصنع بشراء "كونتينر" لجمع الفحم في داخله، ورشه بالمياه منعاً لتطاير الرماد.

لا يخلو أي بيت في منطقة الدخيلة من الأدوية الموسِّعة للشعب الهوائية والأعشاب التي تُستنشق لعلاج نوبات ضيق التنفس، وأوضحت إيمان أن الأهالي الذين حاولوا الهروب من المنطقة الموبوءة لم يستطيعوا بيع عقاراتهم، لأن أحداً لن يقبل بالمجيء إلى هنا.

بدورها، تروي صفاء سالم، وهي من سكان منطقة وادي القمر المجاورة، عن معاناتها من شراء علاج الحساسية لأطفالها الثلاثة، بسبب الأدخنة المتصاعدة من مداخن شركات الإسمنت طوال اليوم.

تقول لرصيف22: "يعيش أهالي وادي القمر مأساةً حقيقيةً بسبب مصانع الإسمنت التي تستخدم الفحم، ودفعنا ضريبة موافقة الحكومة المصرية على استخدام الفحم من صحتنا وصحة أولادنا، من دون أن نجد علاجاً لهم. ويعاني أطفالي الثلاثة من حساسية الصدر، ويكلفني علاجهم شهرياً 600 جنيه (35 دولاراً)، وإحنا ناس غلابة معظمنا شغّال باليومية، مفيش لنا دخل ثابت. إحنا بالشكل ده بنموت بالبطيء".

الاعتماد على الفحم لتوليد الطاقة في مصانع الإسمنت بمصر - خاص رصيف22

هل الفحم أرخص مصادر الطاقة؟

أصدر مجلس الوزراء المصري عام 2014، قراراً يسمح باستخدام الفحم في صناعة الإسمنت وتوليد الطاقة، وذلك بعد تخفيض إمدادات الغاز الطبيعي للمصانع. وفي عام 2015، صدرت الشروط الخاصة باستخدام الفحم وتخزينه والتداول به، أهمها إلزام شركات الإسمنت بإجراء تحليل انبعاثات المداخن كل ثلاثة أشهر للمعادن الثقيلة. وقد استقبل ميناء الدخيلة في مدينة الإسكندرية خلال شهر آذار/ مارس الماضي، 214 ألف طن من الفحم.

في الوقت ذاته، حذرت دراسة صادرة عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من التوسع في الاعتماد على الفحم لتوليد الطاقة، وأشارت إلى أنه في حال تمكنت الحكومة المصرية من استنساخ المعايير الأوروبية باستخدام الفحم في القانون المصري، فإنها ستظل تسمح بتلوث يزيد كثيراً عن توصيات منظمة الصحة العالمية.

جولة داخل المناطق المحيطة بحي العجمي، تكشف المأساة التي يعيشها الأهالي، بسبب مداخن مصانع فحم الكوك، إذ يعاني أغلبهم من أمراض الربو وحساسية الصدر والعين، ولم تفلح محاولاتهم في الاعتصام تعبيراً عن اعتراضهم على وجود المصنع داخل الكتلة السكنية

وفي حديثها إلى رصيف22، نفت الدكتورة راجية الجرزاوي، الناشطة الحقوقية والباحثة في مجال البيئة، كون الفحم أرخص مصادر الطاقة، لافتةً إلى أنه ربما كان الفحم رخيصاً في الماضي إذا استبعدنا تكلفته على البيئة وصحة المواطن، لكن الآن ارتفع سعره بعد قرار إضافة ضريبة الكربون، بجانب مطالب بعض الدول بعدم استخراجه من باطن الأرض في محاولة للحد من تلوث البيئة.

ونوّهت الجرزاوي بتجارب بعض الدول التي سبق واستخدمت الفحم، إلا أنها استغنت عنه بحرق خليط من النفايات بديلاً منه كمصدر للطاقة، مؤكدةً إمكانية تطبيق ذلك في مصر.

وأوضحت الجرزاوي أن جميع الدول تسعى إلى ضمان توفير الطاقة بسعر معقول وباستدامة، وهناك بدائل لاستخدام الفحم مثل الغاز، الذي قد يكون أعلى تكلفةً، لكن بإضافة الأضرار الصحية على المواطن والدولة التي تتحمل تكلفة العلاج، نجد أنه الأرخص، وتضيف: "في الوقت الذي يتجه العلم نحو استخدام مصادر الطاقة المتجددة، ما زالت مصانع الإسمنت تمنح التراخيص حتى هذه اللحظة، ضاربةً بعرض الحائط ما تسببه من تلوث بيئي".

صدمتنا الحكومة المصرية بقرار استيراد خام الفحم لصالح شركات الإسمنت.

وانتقدت الجرزاوي إنشاء مصانع للإسمنت داخل الكتل السكنية، وقالت: "لا يقتصر سوء إدارة ملف الفحم في مصر على منح التراخيص لإقامة مصانع الصناعات الثقيلة القائمة على استخدام الفحم فقط، وإنما تجدها وسط الكتلة السكانية، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على صحة البشر، وهو ما أشار إليه تقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي كشف أن التلوث من استخدام الفحم يؤدي سنوياً إلى وفاة نحو 24 ألف شخص، وإصابة 19 ألف شخص بالتهاب مزمن في الشعب الهوائية، ونحو 30 مليون إصابة بالتهاب حاد في الجهاز التنفسي وخسارة نحو 4 ملايين يوم عمل".

وأشارت الجرزاوي إلى أن مصر كانت على أبواب كارثة بيئية عندما فكرت في استخدام الفحم لتوليد الكهرباء، إلا أنها تراجعت عن هذا القرار ولجأت إلى استخدام الطاقة الشمسية.

الاعتماد على الفحم لتوليد الطاقة في مصانع الإسمنت بمصر - خاص رصيف22

وفي هذا السياق يقول محمود القيسوني، المستشار الأسبق لوزارة السياحة للشؤون البيئية: "قبل سنوات صدمتنا الحكومة المصرية بقرار استيراد خام الفحم لصالح شركات الإسمنت من دون الالتفات إلى الضرر الذي يسببه، إذ يؤدي حرق الوقود الأحفوري إلى إطلاق غازات ضارة مثل أول ثاني أكسيد الكربون وأكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت، ويزيد من درجات حرارة الغلاف الجوي للأرض".

وأشار القيسوني إلى أن استخدام الفحم يضر بموقف مصر التفاوضي في اتفاقية التغيرات المناخية، كما يعرّضها لعدم الحصول على التعويض الذي تستحقه، لأنها من أكثر الدول تأثراً بالتغيرات المناخية، بالرغم من أنها الأقل إصداراً لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بجانب أن استخدام الفحم كوقود سيؤثر سلباً على فرص الحصول على دعم من مؤسسات التمويل التي ترفض تمويل مشروعات لا تستخدم مصادر طاقة غير ملوثة للبيئة.

لا بد من مصادر جديدة

من جانبه، انتقد وليد منصور، الباحث في مجال البيئة والتنمية المستدامة، عدم وضع إستراتيجية توضح الزمن المحدد لمنع استخدام الفحم كأحد مصادر الطاقة في مصر، منبّهاً إلى أن استضافة مصر لمؤتمر قمة المناخ نهاية العام الجاري فرصة عظيمة من الممكن أن تعطيها الشرعية والضمانات الكافية لتحقيق علامة فارقة في الملف البيئي دولياً، لكن بشرط وضع تاريخ محدد للانتهاء من استخدام الفحم.

لا يقتصر سوء إدارة ملف الفحم في مصر على منح التراخيص لإقامة مصانع الصناعات الثقيلة القائمة على استخدام الفحم فقط، وإنما تجدها وسط الكتلة السكانية، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على صحة البشر

وتابع منصور في حديثه إلى رصيف22: "إذا لم نوجد حلولاً وبدائل صادرةً من كوادر وطنية للاستغناء عن الفحم، سنظل طوال حياتنا في انتظار طرق التكيّف مع التغيرات المناخية، ولا بد من التفكير في بدائل صناعية تقوم على استخدام مصادر الطاقة المتجددة". ولفت إلى أنه حتى الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كان العالم يسير على نهج تعظيم العائد الاقتصادي والربح المادي، إلا أن الاتجاه الحالي هو نحو الحفاظ على البيئة والتنوع البيولوجي.

ومن جانبه، أوضح الدكتور مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب، أن هناك تحديات للتخلي عن الفحم في مصر، فبالرغم من أن الوقود الأحفوري أكثر المصادر تلويثاً للمناخ، إلا أنه يظل أكبر مصدر لتوليد الكهرباء في العالم نظراً لثمنه الرخيص وتوافره مقارنةً بمصادر الطاقة الأخرى، بجانب الدعم الحكومي له لاستخدامه بشكل أساسي في الصناعات الثقيلة مثل الحديد والصلب ومصانع الإسمنت، وصعوبة تصحيح المصانع لأوضاعها في الوقت الحالي، خاصةً أنه لا يوجد أي مصدر للطاقة يستطيع تشغيل فرن بحرارة 700 درجة.

الاعتماد على الفحم لتوليد الطاقة في مصانع الإسمنت بمصر - خاص رصيف22

معركة

يشير الدكتور أسامه إبراهيم، المدير الأسبق لمعمل جودة الهواء في مركز الحد من المخاطر البيئية في جامعة القاهرة، إلى أن قضية الفحم معركة تدور بين المؤيدين والمعارضين لاستخدامه، ليس فقط في مصر وإنما في الدول الصناعية العظمى، خاصةً أنها لا تستطيع تشغيل كامل مصانعها بمصادر الطاقة المتجددة.

وأوضح إبراهيم أن الأزمة في مصر تتلخص في البحث عن طرق تقلل من مخاطر استخدام الفحم، خاصةً أن معظم الموانئ التي تستقبل سفن الفحم تحيطها مجمعات سكانية تضم مئات آلاف السكان، ويتم ذلك من خلال استخدام أنظمة آمنة تشمل مداخن وفلاتر تمتص أغلب العوادم الصادرة عن حرق الفحم منعاً لنشرها إلى خارج المصنع.

وأشار إبراهيم إلى اتّباع الدول العظمى نظام مصادر الطاقة الهجينة، أي أنها لا تعتمد على مصدر طاقة واحد، وانما تلجأ إلى استخدام مصادر الطاقة المتعددة مثل البترول والغاز والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والفحم، ولا تستطيع أعظم دول العالم الاعتماد على الطاقة الشمسية فحسب.

وأكد إبراهيم دراية الحكومات بخطورة استخدام الفحم كمصدر للطاقة، لأنه يُعدّ من العوامل الرئيسية لتلوث الهواء والتسبب في الاحتباس الحراري، إلا أنه يحافظ على سير عجلة الاقتصاد في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها العالم كله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard