شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
تقرير صادم: السودان يدفع بثلث أطفاله إلى غول الأمية

تقرير صادم: السودان يدفع بثلث أطفاله إلى غول الأمية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحقوق الأساسية

الخميس 15 سبتمبر 202212:30 م
Read in English:

Shocking figures: Sudan pushing a third of its children into illiteracy

"تعتقد أسر كثيرة في المناطق النائية والفقيرة في شرق السودان، أنَّ ذهاب الأطفال على الحمير والإبل لجلب المياه من المنابع البعيدة، أنفع وأجدى لهم من ذهابهم إلى المدارس".

هذه العبارة الصادمة كانت من ضمن مرويات كثيرة حكتها المتطوعة في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف)، تسنيم الريح، عن تجربتها في شأن ظاهرة التسرب المدرسي، في عددٍ من أنحاء السودان.

ويأتي حديث تسنيم، إلى رصيف22، في أعقاب صدور تقرير صادم من منظمتي اليونسيف، وسيف ذا شيلدرن، يفيد بأن "واحداً من كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة في السودان لا يذهب إلى المدارس".

وقدّر التقرير المتسربين بنحو 6.9 ملايين طفل، فيما يعاني 12 مليون طفل من مشكلات عدم استقرار التعليم.

الحرب والفقر

السؤال الأبرز الذي يولّده التقرير، هو الخاص بوجود كل ذلك الكم من الأطفال خارج المدارس، ما يهدد بسقوطهم في فخ الأمية بتعريفها البدائي (عدم القدرة على القراءة والكتابة).

تقول تسنيم، من خلال تجربة عايشتها لعشرة أشهر، إن ظاهرة عدم التحاق الأطفال بالمدارس، أو تسربهم منها، ناتجة عن عاملين رئيسين هما الحرب والفقر.

وقالت إن جل الأطفال الذين ذكرهم التقرير، يتمركزون في إقليم دارفور الذي يعاني من تبعات حرب أهلية وصراعات قبلية، وفي شرق السودان الذي يعاني غالبية سكانه من الفقر المدقع، حد انتشار مرض السل الرئوي بصورة مخيفة.

"تعتقد أسر كثيرة في المناطق النائية والفقيرة في شرق السودان، أنَّ ذهاب الأطفال على الحمير والإبل لجلب المياه من المنابع البعيدة، أنفع وأجدى لهم من ذهابهم إلى المدارس"

وأضافت: في دارفور يستوطن الملايين داخل معسكرات النزوح، في وقتٍ فقد فيه الكثير من الأسر الأب العائل، ما يدفع النسوة والأطفال على حدٍ سواء إلى امتهان مهن هامشية وشاقة لتوفير لقمة العيش.

وفي شرق السودان، فإن غياب الخدمات، والفقر المدقع، وتوزع السكان على مناطق بعضها ناءٍ، يدفع الأسر إلى عدم إلحاق أطفالها بالتعليم، لأجل المساعدة في توفير مداخيل للعائلة، أو الاكتفاء حتى بدور استجلاب المياه من موارد بعيدة واستخدامها لأغراض السقاية، فيما يُعدّ الاستحمام بصورة يومية نوعاً من الترف.

وأشارت إلى أن بعض رحلات جلب المياه على ظهور الحمير والإبل تستغرق عادةً ما بين 4 و10 ساعات يومياً.

وبالرغم من وجود مدن كبيرة في شرق السودان، مثل بورتسودان وكسلا وسواكن، إلا أن جزءاً كبيراً من السكان يعيش في مناطق جبلية أو صحراوية في حياة بدائية شبيهة بالعصور الوسطى، في ظل شحّ كبير في المرافق الصحية والتعليمية التي تتمركز في مناطق بعيدة نسبياً عن مناطق السكن.

بين الانهيار والإغلاق

الخطر الأبرز الذي ستواجهه الحكومة السودانية، والمنظمات العاملة في مجالي الطفولة والتعليم، يكمن في تمدد رقعة الأزمات إلى مناطق لم تكن تشهد إلى وقت قريب مشكلات تتعلق بذهاب الأطفال إلى المدارس.

ومؤخراً، نزح ما يزيد عن 2،500 أسرة من إقليم النيل الأزرق، جنوب شرق البلاد، جراء أحداث عنف قبلي قضت على إثره العشرات.

وكشفت شرطة الدفاع المدني، عن انهيار 142 مدرسةً على الأقل، جرّاء السيول والفيضانات التي اجتاحت البلاد الشهر الفائت، فيما قدّرت سلطات ولاية الجزيرة في وسط البلاد، حجم المدارس المدمرة في الولاية بأنه يعادل 40% من العدد الكلي لمدارس الولاية.

مع نهاية العام 2018، دخلت البلاد في فترة اضطرابات سياسية عالية الوتيرة، أدت إلى إغلاق المدارس مرات عدة، ضفْ إلى ذلك عمليات التأجيل المعتادة التي تصاحب العام الدارسي، أسوةً بما جرى قبل أيام من تأجيل فتح المدارس جراء الفيضانات، وفي 2020، أغلقت المدارس أبوابها لأشهر عدة وذلك من جراء الآثار التي خلّفها وباء كورونا.

يقول المدير القطري لمنظمة اليونسيف في السودان، أرشد مالك: "إن عدم بذل التركيز الطموح لمعالجة هذه القضايا الحاسمة، سيجعل المزيد من الفتيات والفتيان يفقدون طفولتهم بسبب العمل والزواج وانتهاكات الحقوق الأخرى".

وتشكو الناشطة في منظمة "لا لقهر النساء"، أمل عثمان، من تنامي ظاهرة زواج الطفلات. وقالت لرصيف22، إن عمليات إغلاق المدارس لفترات طويلة، ورفض كثير من الآباء إلحاق بناتهم بمدارس القرى المجاورة جراء تأثر مدارسهم بالفيضانات؛ قادا في نهاية المطاف إلى زيادة التلميذات في سن الدراسة خارج الفصول، وتالياً تنامي ظواهر مثل زواج الطفلات والختان وهي عادات تمارَس رغم أنف القانون بدافع الحفاظ على شرف الفتيات.

الدولة الغائبة

في ظل هذه الأرقام الصادمة والمخيفة، توجَّه سبابات الاتهام عادةً إلى السلطات الحكومية، ما دفعنا في رصيف22، إلى مهاتفة مكي بشير، أحد قادة وزارة التربية والتعليم في الإقليم الشرقي، لنفهم منه سرّ تنامي ظاهرة وجود الأطفال خارج المدارس.

"عمليات إغلاق المدارس لفترات طويلة، ورفض كثير من الآباء إلحاق بناتهم بمدارس القرى المجاورة جراء تأثر مدارسهم بالفيضانات؛ قادا في نهاية المطاف إلى زيادة التلميذات في سن الدراسة خارج الفصول، وتالياً تنامي ظواهر مثل زواج الطفلات والختان وهي عادات تمارَس رغم أنف القانون بدافع الحفاظ على شرف الفتيات"

أقرَّ بشير بوجود قصور حكومي وأرجعه إلى قلة الموارد وضعف الإمكانات، ونقص الكادر المؤهل، زد على ذلك توزع القرى في مناطق نائية يصعب الوصول إليها، خاصةً في موسم الأمطار.

بيد أنه عاد وأشار إلى أن السلطات المحلية تبذل قصارى جهدها في وضع خطط سنوية تستهدف تشييد مزيد من المدارس في الإقليم، وتوظيف المئات من المعلمين الجدد، وتحفيزهم للعمل في المناطق البعيدة.

في ظل هذه الصورة البائسة، ومخاوف الانحدار إلى مزيد من التردي، تطل الحاجة الماسة إلى الحلول الآنية وتلك البعيدة المدى.

ويعتقد الخبير التربوي، ناصر السيد، أن حل أزمة التسرب المدرسي، هو عرض لحالة الأمراض المستعصية التي يعايشها التعليم عموماً، ويحتاج إلى وضع رؤى وتصورات على كافة المستويات.

وقال لرصيف22، إن العبء الأكبر يقع على عاتق الدولة، إذ يستلزم قادتها زيادة الصرف في الموازنة العامة على التعليم، وإنشاء البنى التحتية، مع رفع أجور العاملين في القطاع.

مضيفاً أنه ما لم تلتزم الدولة بأدوارها فإنها لن تستطيع تفعيل القوانين المتعلقة بمعاقبة الآباء الذين يرفضون ذهاب أبنائهم إلى المدارس، أو تجريم الأشخاص الضالعين في ممارسات من شاكلة عمالة الأطفال.

وتقول تسنيم الريح، إنه في ظل تقاصر الدور الحكومي، فإن التركيز ينصب على المنظمات والجهود الشعبية لسد هذه الفجوة.

وطالبت بعودة الجهد الشعبي لغايات تشييد المدارس، ودفع حوافز إضافية للمعلمين في المناطق البعيدة، حاثّةً المنظمات على المساهمة في عودة برنامج "التعليم مقابل الغذاء".

وبرنامج التعليم مقابل الغذاء هو برنامج حكومي لتوزيع مواد غذائية على الأسر الفقيرة لتحفيزها على إرسال أبنائها إلى المدارس بدلاً من توجهيهم إلى العمل في السوق لتوفير لقمة العيش.

صكّت معظم دول العالم تعريفاً جديداً للأمية، يتصل بعجز الشخص عن الوصول والتعامل مع التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، فيما نحن في السودان عاجزون حتى عن إنقاذ ثلث أطفالنا من براثن الأمية بتعريفها البدائي الذي يعني القدرة على "فكّ الخط"، وهذا ما سندفع ثمنه بكل تأكيد حين نقع في فجوة جيلية مع عالمٍ كل زاده العلم والمعرفة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard