شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"متحف الميمورابيليا"... البحث عن الزمن المفقود في شوارع مصر وأسواقها

"متحف الميمورابيليا"... البحث عن الزمن المفقود في شوارع مصر وأسواقها

ثقافة نحن والتاريخ

الثلاثاء 13 سبتمبر 202205:52 م

يسير حسام علوان كالرحالة بين أسواق "الكانتو" وتجار الأنتيكات، يقسم أيام الأسبوع بين أسواق "خرج البيت" التي تباع فيها مقتنيات مستعملة، يوم السبت في سوق سينما ديانا، ويوم الجمعة إما يقضيه في سوق اللبان في الأسكندرية أو في سوق الجمعة الشهير في القاهرة القديمة، أما باقي أيام الأسبوع فيقضيها في ممارسة مهارة اصطياد النوادر من تجار الكتب والأوراق المهملة وباعة الروبابيكيا في شوارع بات يعرفها وتألفه.

ودائماً ما تجود عليه الصدف بمفاجآت تجدّد شغفه وتثير دهشة متابعيه، الذين باتوا يترصدون لقاياه المميزة التي يكتب عنها عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، قبل أن يؤسس متحفه الخاص في ممارسةٍ غابت عن مصر لعقود، وهو متحف "الميمورابيليا".

عبر الأوراق القديمة، يدخل المنتج السينمائي الذي بات مؤرخاً هاوياً عالماً يشبه الروايات البوليسية، يتتبع ما يتراءى له من أطراف خيوط يغزل منها حكاياتٍ لحيواتٍ مضت ونُسيت ونُسي معها أصحابها، قبل أن تنفخ فيهم أوراقهم الملقاة في المخازن روحاً جديدة عندما يجدها حسام علوان ويتتبعها ليكشف أطرافاً من تلك الحيوات، ويكشف معها قيَماً وتقاليدَ وعلاقاتٍ اجتماعية من زمنٍ مضى، مستخدماً "البعد الكرونولجي للتاريخ" بمعنى استكشاف اللحظة الآنية من خلال لحظات سابقة عليها.

متحف الميمورابيليا

 أطلق حسام علوان مشروع "متحف الميمورابيليا" عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ويستمد مادته (معروضاته) من شغفه المستمر بالبحث في العاديات والأوراق والخطابات القديمة، التي تكشف عن وجهٍ غائب من أوجه التاريخ الاجتماعي المعاصر لمصر. 

يحكي علوان لرصيف22 كيف بدأتْ هوايته التي كان تأسيس المتحف الفيسبوكي أحدث خطواتها، يقول: "كنت أقوم بالتدريس لطلبة أمريكان في جامعة ماونت سانت ماري في ولاية ماريلاند، وكان مكتبي في الجامعة مواجهاً لقسم التاريخ، وفي واجهة قسم التاريخ كنت أرى يومياً صورةً كبيرة لونستون تشرشل يقول فيها: "ادرس التاريخ، ادرس التاريخ... في التاريخ تكمن كلُّ أسرار إدارة الدول" (Study history, study history. In history lies all thesecrets of statecraft).

دائماً ما تجود عليه الصدف بمفاجآت تجدّد شغفه وتثير دهشة متابعيه، الذين باتوا يترصدون لقاياه المميزة التي يكتب عنها عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، قبل أن يؤسس متحفه الخاص في ممارسةٍ غابت عن مصر لعقود، وهو متحف "الميمورابيليا"

الجملة استدعت مصر فوراً إلى ذاكرة المنتج السينمائي، ليفكر في تاريخ المجتمع الذي سجلت السينما بعض لمحاته بانتقائيةٍ شديدة تتسق مع كونها تأسست في مصر لتعكس حكايات الطبقة المخملية أو تقدم لها التسلية. ومع مضي الوقت، عدا فترات قصيرة من الواقعية والواقعية الجديدة، سجنت السينما المصرية نفسها في لعبة التسلية والمبالغة لتبتعد، ولو بقدر عن توثيق الأوضاع الاجتماعية وتقديم صورة لها تحفظ التاريخ الاجتماعي المصري لأجيال قادمة.

يقول علوان: "جملة تشرشل تعبر عن حقيقة بالنسبة لنا. فنحن حينما نقول (الدولة المصرية) نتحدث عن قماشة واسعة من طبقات تاريخية واجتماعية عصية على الحصر، لا بد من فهمها واستيعابها كي نتمكن من استشراف مستقبلنا".

البحث عن التاريخ الموازي

 عبر رحلته مع الأوراق يبحث علوان عما يسميه "التاريخ الموازي" أي التاريخ الذي لا يهتم بتوثيقه أحد. 

يوضح علوان: "في عالم الأوراق تقيم قيمتها بـ(الدمغة) التي عليها، أو الختم أو توقيع شخصية شهيرة، وكل ما عدا ذلك يعتبر دشتاً لا قيمة له، و يتمّ بيعه لمصانع الورق بالطنّ، ليُفرم و يُعاد إنتاجه كمناديل ورقية".

ويواصل: "أنا يهمني هذا الكم المهمل الذي لا قيمة مادية له: كراسة تلميذ في أوائل القرن العشرين، خطابات يعود تاريخها إلى عقود مختلفة من القرن الماضي، صور أستديوهات قديمة مندثرة بلا أرشيف لجمعِ صورِها. هذه الأوراق أعتبرها مصدري الأول للحكم على الماضي. أنا متأثر بمنهج مدرسة الحوليات التاريخية الفرنسية، وما أسس له فرناند برودِل في كتابه (هوية فرنسا) من حيث الاعتماد على الوثائق الهامشية. ويجذبني القوة العاطفية للأوراق القديمة. من الممكن أن أقرأ عشرات أو مئات الأوراق، ولكن ورقة واحدة من بينها تجذبني إليها بشدة. وعادة ما تكون لها قوة عاطفية ما، تعيد استكشاف عوامل منقرضة كما هو الحال في رواية (البحث عن الزمن الضائع) -تترجم أيضاً بعنوان (البحث عن الزمن المفقود)- و أنا أبحث عن هذا الزمن منذ زمن".

"مش إنت اللي بتشتري جوابات"  

ذاعت شهرة حسام علوان كجامع للخطابات بين باعة سوق التونسي الشهير بالقاهرة، فمن هذا السوق جمع حسام خطاباتٍ تؤرخ لرحلةِ الطالبة إنعام سعيد، التي ابتعثت من وزارة المعارف المصرية للدراسة بإنكلترا عام 1926، وعادت من بعثتها لتؤسس المعهد العالي للتربية الفنية للفتيات الذي أصبح لاحقاً كلية التربية الفنية، والأخيرة هي من أهم الكليات الفنية في مصر والشرق الأوسط.

مع مضي الوقت، عدا فترات قصيرة من الواقعية والواقعية الجديدة، سجنت السينما المصرية نفسها في لعبة التسلية والمبالغة لتبتعد، ولو بقدر عن توثيق الأوضاع الاجتماعية وتقديم صورة لها تحفظ التاريخ الاجتماعي المصري لأجيال قادمة

قادت المصادفة حسام إلى طرف خيطٍ تمثَّل في خطاب واحد لها، تتبعه حتى جمع 120 خطاباً تبادلتها مع أسرتها وأصدقائها طوال فترة بعثتها، وثقت من خلالها رحلتَها كاملة، والتي عكست طرفاً مهماً من العلاقات الاجتماعية وحياة فتيات الطبقة العليا في مصر في بدايات القرن بعيداً عن خدر القصور.

 بالمثل وجد علوان مذكراتٍ غير مكتملة للفنانة دولت أبيض، والتي تفتح الباب على العالم الفريد للفنّ المصري في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتشعباته بين الطبقات الاجتماعية والجاليات الأجنبية والخلطة الثقافية التي عرفتها مصر، وانتهت بعد انتصاف القرن العشرين.

ويسعى حسام الآن إلى استكمال تلك المذكرات ليبني من خلالها السيرة الذاتية لسيدة المسرح العربي، إذ أن سيرتها تعكس البدايات الفنية في مصر في مجالي التمثيل المسرحي والسينمائي، وبدايات السينما الروائية المصرية، والسينما الناطقة المصرية، وتعكس كذلك الحراك الاجتماعي المصري في بدايات القرن العشرين بشكل كبير. يقول علوان: "لسنوات كان سوق التونسي هو مكان تمشيتي المفضلة، وشعرتُ معه بألفةٍ كنتُ أفتقدها في المدينة، وعقدتُ صداقاتٍ مع الباعة هناك، فكانوا يرحبون بي ويعزمونني على شرب الشاي، ويتركونني أغوص وسط بضائعهم من النحاسيات والعفش والصور القديمة والورق أحياناً".

ويواصل: "حينما كنت أجد خطاباً في درج قطعة أثاث قديم، كنت أسأل عن ثمنه، فيمنحونه لي هديةً. ثم جذبني موضوع البحث عن الخطابات، فأصبحتُ أطلبها، فكانت العقبة أن الجوابات عليها طوابع وأختام، وهذه لها سعر. فكان يُعرض علي أن أترك الظرفَ، وآخذ الخطاب ذاته لأنه لا قيمة له -في نظرهم-.

بعد ذلك أصبح يقال لي إن المظروف بدون خطاب يقلّ سعره لأن البعض يهتم بقراءة ما بداخل الخطاب. و بالتدريج أصبحتُ أشتري المظروف بمحتواه، فأصبح بنداً من البنود التي أشتريها، وصار بعض البائعين ممن ليس لي بهم صلات يتعرفون عليّ، ويبادرون لسؤالي: مش إنت اللي بتشتري جوابات؟ ويعرضون عليّ ما لديهم".

زمن الحداثة المصرية

يشعر جامع الأوراق واللوحات والمقتنيات الفريدة، أنه ينتمي روحياً لزمن آخر، "زمن  الحداثة المصرية" في عشرينيات القرن العشرين، كما يسميه. "كانت تلك الفترة من أهم الفترات الحيوية في تاريخ مصر، ونمت فيها (روح الإحياء)، بالأخص بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون، وبدأ المصريون يبحثون عن جذورهم القديمة، وظهرت تأثيرات مباشرة انعكست على الحياة الاجتماعية والمعمارية والفنية. هذه الفترة هي الأقرب لي وتحديداً قبل مائة عام من الآن، ولو خيرت لعشتُ هذا الزمن".

التأريخ على الفيسبوك

لم يفكر المنتج حسام علوان في طرح ما يقدمه عبر الوسيط المقروء "الكتاب"، وإنما فضل سكب معارفه على فيسبوك، ويوضح هذا الاختيار بقوله: "كان طموحي في بداية حياتي أن أكون كاتباً، ثم قرأتُ أن الكتابة بالنسبة للكاتب أصعب خمس مرات من الكتابة بالنسبة لأي إنسان. هناك الخوف من الكتابة، والخوف من المسؤولية، ومن النقد ومن أحكام القيمة. الكتابة على فيسبوك تتخلص من هذا العبء، فلا أحد سيقيم ما أكتبه فنياً، ولا أحد سيقول إني كاتب جيد أو سيء. المهم هو المحتوى نفسه وما يقدمه من معرفةٍ تتصل بما أجده من لوحات وأوراق".

ويتابع: "في بدايات حياتي العملية تحمس لي الروائي الراحل إبراهيم أصلان، وقرر مساعدتي في نشر قصص قصيرة نشرتُها متناثرة في الصحف. كان ينوي نشرَ هذه القصص في كتابٍ حينما تولى مسؤولية النشر في سلسلة (كتابات عربية) -سلسلة تصدر عن هيئة قصور الثقافة في مصر وتنشر أعمال الأدباء العرب غير المصريين للجمهور المصري-، ولاقى هجوماً واسعاً حينما عُرف أنه سينشر لكاتب مصري شاب. ثم أطيح من منصبه بسبب نشر رواية (وليمة لأعشاب البحر) فتوقف المشروع. وعندما تولى الروائي  إبراهيم عبد المجيد سلسلة (كتابات جديدة) -تصدر عن نفس الهيئة وتختص باكتشاف المواهب التي لم ينشر لها من قبل- وتمّ تجهيز كتابي للنشر، أطيح إبراهيم عبدالمجيد أيضاً، فقررتُ ألا أنشر حتى لا يتمّ الإطاحة بأحد مرة أخرى".

"شنطة سفر وحيدة"

جزء من رحلة حسام علوان مع المقتنيات القديمة التي يقوم بجمعها ويضفي من روحه عليها، وثّقَها في كتابه الأول "شنطة سفر وحيدة" وعنه يقول: "هو كتاب ظهر بالصدفة. كنت أمرّ بظروف صعبة، وقررتُ أن البوح هو أقرب الطُّرق للتخلص من الهموم. ولأن الناس لا يحبون الاستماع لمن يمرّون بظروفٍ صعبة، قررت أن أحول ذلك إلى (حكي) على صفحتي الشخصية على فيسبوك. وحدث نوع من التفاعل من أناس لم أعرفهم من قبل.

وفجأة انفتح العالم من جديد ووجدت من يطالبني بجمع هذه الحكايات في كتاب. وتواصل معي الناشر الأستاذ سيف سلماوي، وجمعت الحكايات بحسب تذكري وفقاً للموضوعات التي تذكرت أنني كتبت عنها، وأرسلتها لسيف، ونمت. في صباح اليوم التالي وجدت رسالة من سيف ومعها عقد للكتاب، فتواصلت معه، وسألته أيّ كتاب؟ فقال: (شنطة سفر وحيدة)". 

حاوي

أثاث منزل "سليمان" في فيلم "ستموت في العشرين"، معظمه مأخوذ من منزل حسام علوان، خاصة السجادة الحمراء، واللوحات على الجدار، والأباجورات النحاسية، وماكينة العرض السينمائية. فحسام  علوان هو أحد أهمّ المنتجين في السينما المستقلة المصرية والعربية، بداية من فيلم "حاوي" للمخرج إبراهيم البطوط، الذي باتت أغنيته الرئيسية التي كتبها الشاعر محمد جمعة (كاتب أغاني الفيلم)، هي أشهر أغنيات الفريق السكندري الغنائي المستقبل "مسار إجباري".   ثم أنتج فيلم "حار جاف صيفاً" للمخرج شريف البنداري، و"علي مِعزة وإبراهيم" للبنداري أيضاً، وأخيراً "زهرة الصبار" للمخرجة هالة القوصي.

إلا أن حسام لم يقف عند المشهد السينمائي المستقل في مصر، وتصدى لإنتاج الفيلم السوداني البارز "ستموت في العشرين" المأخوذ عن رواية للكاتب السوادني حمور زيادة، وهو الفيلم الذي حصل على جائزة أسد المستقبل من مهرجان فينيسيا 2019.

في رصيف22، نقرأ الماضي بانفتاح على الآراء المتنوعة، ونسعى دوماً إلى تقديم الحكاية من كل زواياها. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

ماضينا كما يُقدَّم لنا ليس أحداثاً وَقَعَت في زمنٍ انقضى، بل هو مجموعة عناصر تجمّعت من أزمنة فائتة ولا تزال حيّةًً وتتحكم بحاضرنا وتعيقنا أحياناً عن التطلّع إلى مستقبل مختلف. نسعى باستمرار، كأكبر مؤسسة إعلامية مستقلة في المنطقة، إلى كسر حلقة هيمنة الأسلاف وتقديم تاريخنا وتراثنا بعين لا تخاف من نقد ما اختُلِق من روايات و"وقائع". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. ساعدونا. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard