"سمع هُس"... صرخة "حُمص وحلاوة" العالقة منذ سنة 2000

الأحد 11 سبتمبر 202203:19 م

في مغامرتهما القصيرة الفاتنة، يظل الفيلمان الأكثر نضجاً واكتمالاً لشريف عرفة وماهر عواد هما فيلمي "يا مهلبية يا" و" سمع هس"، من حيث استخدام أدوات والخفة والمرح واللعب والاستعراض الغنائي، والتوظيف الذكي لموسيقى مودي الإمام كإخراج مواز للفيلم، بتضافرها مع أبسط حركات الممثلين، وعدم الاكتفاء بمسرحة العالم، بل تحويله إلى سيرك حقيقي. وهي السمات الفاتنة التي جعلت من مشروع عرفة/ عواد مختلفاً عن كل ما قدمته السينما المصرية في تاريخها، رغم ضعف الإمكانيات الإنتاجية التي نفذا بها أفلامهما.

لكن ما يجعلهما الفيلمين الأكثر حيوية، هو أن الثنائي يطرحان عبرهما سؤالهما عن الفن من دون مواربة، ويواجهان جمهورهما بصراحة، يسخران من محدودية ذائقته ويضعانه موضع الاتهام، ويظهر هذا على نحو خاص في فيلم "سمع هس" الذي يوسع دائرة الاتهام من السلطة وممثليها اللذين يتعرض لهم فيلم "يا مهلبية يا".

ففي فيلم "سمع هس"، تتسع دائرة الاتهام، بدءاَ من الجمهور كما يحدث بشكل مصغر في بداية الفيلم مع المتفرج السكير الذي يلح على حلاوة أن تهز وسطها، وأن يتوقف حمص عن غناء الموال الذي يشرح فيه الثمن الذي يدفعه الفنان من أجل إمتاع جمهوره، أي يرفض الاستماع إلى الحقيقة؛ لأنها مركبة ومعقدة، مرورا بمواجهة مع تفاهة مالكي الصالات الذين يطلبون فقط "رقص مشفي"،  وكذلك تفاهة الإعلام المشغول بأسئلة عبثية من نوعية " هل يفضل صياد السمك الصيد في البحر أو البر"، وعنف الشارع الذي يتحرش بهم ويطاردهم، مروراً بالمطرب المشهور الذي يسرق لحنهم المرح والذكي، وينجح في تحويله إلى تفاهة عبر الطنطنة الوطنية "أنا وطني بانشد وبطنطن".


لا يقف مع حمص وحلاوة في الرحلة سوى ما يمثل الفن كأصالة، لا كتقليد. يقف معهما فرقة الربابة ولاعب البيانولا، لكنهما لا ينجحان في حمايتهما عندما يقفان (حمص وحلاوة) أمام القضاء، بوصفه السلطة الأعلى والأخيرة، لنرى تلك السلطة في مشهد كاريكاتوري تنحاز فيه إلى المجرم، فرقة الربابة تكتفي بعزف يكشف عن توترها وتوتر المشهد، أما لاعب البيانولا فليس أكثر من مجرد شاهد أخرس، وفي الاستعراض الأخير الجبار "على ما تهل سنة 2000 هنكون فوق فوق.. وأطول واحد فيكوا هييجي تحت كتافنا كده بشبرين"، تعود المواجهة مع جميع أطياف المجتمع لا السلطة، كأن المزاج الرجعي للسلطة في الأصل، قد تشكل من مزاج المجتمع ويكتسب منه مشروعيته، أو أنه قد توحد مع تلك السلطة، فلم يعد هناك أمل في تفرقة المصاب بالعفن عن صانعه.

في مغامرتهما القصيرة الفاتنة، يظل الفيلمان الأكثر نضجاً واكتمالاً لشريف عرفة وماهر عواد هما فيلمي "يا مهلبية يا" و" سمع هس"، من حيث استخدام أدوات والخفة والمرح، وعدم الاكتفاء بمسرحة العالم، بل تحويله إلى سيرك حقيقي

هكذا يغني ضد حمص وحلاوة في الاستعراض الأخير: المليونير وبائع السمك، والمتسول وربة منزل تطالبهم بالاستسلام، لا الملك ولا القاضي: "قُرع ونُزهية وفلاحيس، الأقرع هيتنه كده أقرع"، بل أن المقصود هنا أن السلطة وإن كانت لا تواجههم بشكل مباشر، إلا أنها قادرة على أيضا أن تتركهم فريسة جاهزة لجمهورهم، من دون حاجة منها إلى التدخل.

لا يفوِّت عرفة وعواد أن يحيدا "الشاويش" الذي يستنجد به حمص وحلاوة من دون جدوى. أما فرقة الربابة ولاعب البيانولا، فيقفان عاجزين على الرصيف، خارج حدود الاستعراض والمواجهة، لأنهما هُمِّشا من البداية، وماضيهما لم يكن إلا حاضر ومستقبل "حمص وحلاوة" وقد دُجِّنت أصالة فنهما، وعُلِّبت في شيء تافه يليق بالكذبة العمومية.


صرخة التحدي التي أطلقها حمص وحلاوة في النهاية "هتشوفوا" بالوعد المعلق بالانتصار "على ما تهل سنة 2000" - الذي مر عليه الآن أكثر من عقدين- ما زالت عالقة، والجماهير ما زالت تطالب برأس كل "حمص وحلاوة"، أو تمارس تهديدها وضغطها للعودة إلى كنف العادي والمكرور، لا ترغب فيمن يفضح الأوهام التي تستغلهم باسم الوطن أو الدين أو الأخلاق، بل من "يطنطن" باسمها.

الفن في كل أشكاله سواء البصرية أو المكتوبة، محاصر، يطل بلا رأس، لأن مزاج الجمهور والسلطة، يكره الحقيقة المركبة والمعقدة، وينادي بالأوهام.

وإن كان شريف عرفة قد نجح بالفعل عندما جاء عام 2000، لكنه لم ينجح عبر روح "حمص وحلاوة" فيه، بل انتهى به الأمر إذا ما استثنينا سلسلة أفلامه مع وحيد حامد، وكذلك فيلم الناظر لعلاء ولي الدين، إلى صناعة الطنطنة الوطنية، التي كشف زيفها ذات يوم، لم يذهب ليفجر الملك بل ليمجده، ولا ليتحدى سارق اللحن بل ليشارك معه في تدجينه، يغني كالمليونير" يستغرب من الأشكال دي، يبقوا طافحين الدردي، ويتنفشوا زي الدندي".

السلطة وإن كانت لا تواجه الفنان بشكل مباشر، إلا أنها قادرة على أيضا أن تتركه فريسة جاهزة لجمهوره، من دون حاجة منها إلى التدخل

أما ماهر عواد فقد انسحب على هامش الصورة المهزومة، كرسمة على ظهر علبة بيانولا، كما خلدت صرخة حمص وحلاوة في نهاية الفيلم، مع العلم أن نصف روحه أيضاً كانت معلقة في موهبة شريف عرفة الكبيرة، وأيضا العكس، فلا "حمص" من دون "حلاوة" ولا "حلاوة" من دون "حمص"، رأس وجسد، فكرة مجنونة حالمة لكنها ضبابية وغائمة في رأس مؤلف ومخرج قادر على منحها الحيوية اللازمة لتصير واقعاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard