الاستثمار في الخطاب الديني لأغراض سياسية... باسم الكربلائي الذي "يمسّ بالصحابة" ولا يُمسّ

الثلاثاء 13 سبتمبر 202203:32 م

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بأزمة جديدة، من أزمات المجتمع العراقي الكثيرة، بطلها هذه المرة، باسم الكربلائي، الذي يُعدّ واحداً من أشهر منشدي المنبر الحسيني في العالم الشيعي، من خلال قصيدة ألقاها تحمل في كلماتها هجوماً على صحابة النبي محمد.

"شيل اسم الصحابة واكتبهم عصابة"؛ لم تكن الجملة أو السبب الوحيد خلف هذه الضجة، فصاحب القصيدة والتي تُسمى بـ"اللطمية أو النعي"، هو مُنشد معروف وله محبّون كثر في داخل الأوساط الشيعية، ينتظرونه في كُل مناسبة.

والكربلائي، هو بسام إسماعيل محمد، المولود عام 1967 في كربلاء، لأسرة من أصول إيرانية، ولكن رغبة جده محمد في التقرب من الإمام الحسين، دفعته إلى الاستقرار في كربلاء وحملها لقباً، بحسب تصريح سابق للملا باسم الكربلائي.

طالته وعائلته حملة التهجير التي دشّنها نظام صدام حسين ضد ذوي الأصول الإيرانية في عام 1980، ليتجه نحو إيران، ومن بين مدنها الدينية المقدسة، كانت انطلاقته الإنشادية، ومنها تنقل بين دول الخليج، واستقر أخيراً في سلطنة عُمان بعد زواجه من امرأة عُمانية، ولديهما 5 أولاد.

لم يحقق الكربلائي شهرته الواسعة حتى عام 2008، بعد انتشار مرثيته الحسينية "أخاف من أعوفك"، والتي وسعت آفاق شعبيته ليوصف لاحقاً بسلطان المنبر الحسيني.

الضجة التي أثارها باسم مؤخراً، لم تكن الأولى من نوعها، إذ سبق أن نشر في حزيران/ يونيو عام 2016، مرثيةً في مدح الإمام علي، قال فيها: "الله شرفه، وقله يا علي سوي الي على هواك، هنا خلي الشمس وهنا خلي القمر وبكيفك رتب الأفلاك، علي جاعل الأرض مهاداً وبان فوقكم سبع شداداً"، ما عُدّ وقتها تجاوزاً على الذات الإلهية والنصوص الدينية.

حقق الكربلائي شهرته الواسعة عام 2008، بعد انتشار مرثيته الحسينية "أخاف من أعوفك"، ووصف لاحقاً بسلطان المنبر الحسيني

بداية الفوضى

بالرغم من قِدم القصيدة المعروفة باسم "من حبر الصحيفة"، والتي ألقاها الكربلائي في جامع عبد مسلم أسد في الكوفة، خلال شهر حزيران/ يونيو الماضي، إلا أنها لم تحظَ باهتمام رواد وسائل التواصل، إلا خلال الأيام القليلة الماضية.

ويعتقد كثيرون أن هناك أغراضاً سياسيةً من التركيز الحالي عليها، نظراً إلى نسبة تداولها الحالية، وبغض النظر عن الدوافع من خلفها في هذا التوقيت، ولكنها تمكنت من إثارة الشارعين الشعبي والسياسي بشكل أكيد.

القيادي في تحالف السيادة والنائب عن محافظة ديالى، رعد الدهلكي، ندد بكلمات القصيدة، ودعا إلى القبض على المنشد، إذ قال إن "جهاز الأمن الوطني أعلن مسبقاً القبض على شخص نشر مقطعاً مسيئاً إلى الرموز الدينية وأهل البيت، وهو إجراء نثني عليه"، ولكنه طالب بألا تكون هذه الإجراءات استثنائيةً، بل يجب تعميمها على جميع الأصوات الطائفية، ومنها الكربلائي.

رابطة أئمة وخطباء الأعظمية، وديوان الوقف السني، طالبا بدورهما في بيانين منفصلين، بمنع مثل هذه الإساءات، وعدّها تطرفاً مشابهاً للتطرف الداعشي، ودعوا المرجعية الدينية والمؤسسات الشرعية إلى اتخاذ موقف واضح من هذه الإساءة.

الوقف الشيعي لم يستجِب لهذه الأحداث حتى الآن، وكذلك مكتب المرجع الديني الأعلى في العراق، علي السيستاني، ولكن الأخير سبق أن استنكر في عام 2013، حادثة سبّ الصحابة من قبل بعض المجاميع داخل منطقة الأعظمية السُنّية، وقال في رده على سؤال أحد مقلّديه حول الواقعة، إن "هذا التصرف مدان ومستنكر جداً، ويخالف أوامر أئمة أهل البيت عليهم السلام لشيعتهم".

ودخلت لجنة الأوقاف والعشائر النيابية، على خط التنديد، إذ طالبت في بيان لها، الوقف الشيعي بالتدخل، من أجل ردع الكربلائي عن إثارة الفتنة، ولكن على ما يبدو فإن موقف اللجنة الرسمي لا يمثل كافة أعضائها، إذ دافع نائب رئيس اللجنة وعضو ائتلاف دولة القانون محمد سعدون الصيهود، عن الكربلائي.

وقال الصيهود، إن "القصيدة لا تحمل إساءةً، وهناك أيادٍ خفية تريد بث الفتنة وزعزعة السلم الأهلي، خاصةً أن القصيدة أشارت بوضوح إلى معاوية ويزيد والزمرة الطاغية، التي أعدّت الجيوش لقتال الإمام الحسين، وهي لا تمت إلى الصحابة بشيء".

خلفية تاريخية

رأي الصيهود، يخالف ما أوردته قصيدة الرادود الحسيني، وتناوله حادثة الاعتداء على فاطمة الزهراء، إذ يقول فيها: "هذا باب الله على فاطمة يندفع"، وصولاً إلى قوله "شيلوا اسم الصحابة واكتبوهم عصابة"، في إشارة إلى دفع الصحابة لباب منزل فاطمة، وهي لا تتعلق بمعاوية أو يزيد كما يذهب الصيهود في تبريره.

تنبع قصيدة الكربلائي من الرواية التي تؤكد عليها العديد من الكتب الشيعية، ومفادها أنه وبعد مبايعة أبي بكر خليفةً للمسلمين، أرسل إلى علي ابن أبي طالب مطالباً ببيعتهِ، وكان علي في بيت فاطمة مع أنصاره الرافضين الامتثال إلى البيعة

وتنبع قصيدة الكربلائي من الرواية التي تؤكد عليها العديد من الكتب الشيعية البارزة، مثل مفاتيح الجنان لعباس القمي وبحار الأنوار لمحمد باقر المجلسي، وكتاب سليم بن قيس، ومفادها أنه وبعد مبايعة أبي بكر خليفةً للمسلمين، أرسل إلى علي ابن أبي طالب مطالباً ببيعتهِ، وكان علي في بيت فاطمة مع أنصاره الرافضين الامتثال إلى البيعة.

تطورت الأحداث بين الطرفين، وصولاً إلى إحراق عمر بن خطاب، باب بيت علي ورفسه برجله، وكانت فاطمة خلف الباب فعصرها بين الباب والجدار، ثم ضربها بغمد سيفه على جنبها، ثم ضربها بالسوط، وتؤكد الكتب الشيعية أن هذه الحادثة هي التي أدت إلى وفاتها لاحقاً، بعد مقتل جنينها "محسن" في بطنها.

وبذلك يكون رد الصيهود، محاولةً منه لتبرئة الكربلائي، ولكنه لم يكن الوحيد من بين قادة الإطار التنسيقي الشيعي في الدفاع عن الكربلائي، إذ نشر النائب عن عصائب أهل الحق، حسن سالم، تغريدةً، قال فيها: "باسم الكربلائي هو الصوت الحسيني الثائر الناطق بالحق، وما تردد في هذه الأيام بحقه هي أصوات نشاز نطقت بنهج يزيد، فلتخرس ولتصمت أبد الدهر" .

دفاع الإطار التنسيقي عن الكربلائي، لا ينبع من الحمية المذهبية، إذ ندد الكثير من علماء الشيعة بتصرف الكربلائي، ولكنه يرجع إلى قرب الكربلائي من أحزاب الإطار التنسيقي.

وسبق لباسم الكربلائي أن أحيا مجالس حسينيةً عدةً تابعةً للإطار التنسيقي، والحشد الشعبي، كان آخرها المجلس الذي أقامه زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، في منطقة الجادرية وسط بغداد، ويظهر الكربلائي فيه وهو يقبّل يد الحكيم، ويرحب بحرارة ببقية قادة الإطار، ومنهم زعيم عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي.

التوظيف السياسي والديني

وبالرغم من عدم حداثة قصيدة الكربلائي الأخيرة، ولكن يعتقد بعض المراقبين للشأن العراقي، أن التركيز الحالي عليها ينبع من محاولات توظيفها ضمن العاصفة السياسية التي يشهدها البلد.

ويرى مصدر سياسي فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن "هذا التوظيف أصبح ضرورةً فعليةً بعد فشل الإطار التنسيقي في التوافق مع رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، الذي رفض كافة الضغوط المفروضة عليه لإلغاء تجميد البرلمان، تمهيداً لانتخاب حكومة إطارية جديدة".

التوظيف السياسي للأناشيد الدينية ينبع من رغبة كيانات سياسية في تحشيد الشارع، واستعادة الجماهير، من خلال استغلال النزعة الطائفية، وهي ترتكز غالباً على شهر محرم، كونه الأساس الفعلي للخلاف السني الشيعي على السلطة

وكان رئيس البرلمان قد علّق أعمال البرلمان كافة، منذ اقتحام متظاهري التيار الصدري للمنطقة الخضراء ومبنى مجلس النواب في 30 تموز/ يوليو الماضي، وحتى الآن.

التوظيف السياسي لقصيدة باسم الكربلائي الأخيرة، ليس واقعاً جديداً على الساحة السياسية العراقية. في الحقيقة، فإن توظيف الخطاب الديني في الأزمات السياسية لطالما كان حاضراً في المشهد السياسي العراقي على مر التاريخ، ويعتمد غالباً على إثارة العاطفة ومحاولة تأجيجها ضمن سياقات سياسية برداء ديني.

وفي المحاولة الحالية، فإن التوظيف ينبع من رغبة بعض الكيانات السياسية في إعادة تحشيد الشارع، واستعادة الجماهير، من خلال استغلال النزعة الطائفية، بحسب الباحث في التاريخ السياسي العراقي سلام العزاوي، الذي يرى أن هذه المحاولات ترتكز غالباً على شهر محرم، كونه الأساس الفعلي للخلاف السني الشيعي على السلطة.

ويقول العزاوي، في تصريح لرصيف22، إن "السياسيين يدركون أنهم بتوظيفهم لهذا الجانب يستطيعون دفع الشارع إلى الاضطراب، والخوف من عودة الطائفية، وتالياً انحيازهم إلى فئة دون أخرى لحمايتها"، موضحاً أن التوظيف في ما يحصل اليوم، تم عبر تشبيه الحلبوسي السُني بيزيد الذي يحاول منع الحسين من تسلم الحكم الشيعي، ويمثل الأخير بحسب الخريطة الحالية أحزاب الإطار التنسيقي الشيعية، وهو ما سيزيد من شعبية الإطار بين الشيعة.

السنّة يستنفرون

سبق للكربلائي أن أحيا مجالس حسينيةً عدةً تابعةً للإطار التنسيقي، والحشد الشعبي، كان آخرها لزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم

ردة الفعل السُنّية أتت مفاجئةً أيضاً، نظراً إلى جميع السوابق المشابهة الماضية، التي لم تحظَ بهذا القدر من اهتمام السياسيين السنّة إلا ضمن حدود ضيقة، وتالياً فإن قادة الكتل السنية يرغبون بدورهم في توظيف هذه الأزمة في صراعهم على السلطة، وتحشيد جماهيرهم في مواجهة خطر الإطار التنسيقي الشيعي، بحسب تصريح أستاذ العلوم السياسية المتقاعد عثمان الموصلي، لرصيف22.

ولكن ما هو الموقف القانوني من قصيدة الكربلائي الأخيرة؟ يبيّن المحامي علاء البياتي، أن قانون العقوبات العراقي رقم 111 يعاقب وفق المادة 200، بالسجن لمدة لا تزيد عن 7 سنوات أو بالحبس لكل من روّج لما يثير النعرات المذهبية والطائفية أو حرّض على النزاع بين الطوائف أو إثارة شعور الكراهية في العراق بما يهدد السلم الأهلي.

ويؤكد في حديثه إلى رصيف22، أن قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لعام 2005، ينص أيضاً على معاقبة كل من يثير الفتنة الطائفية وعدّها من الجرائم الإرهابية، ولكنه يستبعد أن تصل قضية الكربلائي إلى هذه العقوبات نظراً إلى علاقاته السياسية الواسعة.

غالباً ما يستثمر سياسيو العراق في الأزمات ويلعبون على الوتد الطائفي لحشد الجمهور من خلفهم، فبحسب اعتقادهم، جميع هذه الأزمات ستُطوى طي النسيان كسابقاتها، ولكنهم يتجاهلون أثرها في النفوس، التي قد تهدد بالانفجار في أي لحظة، في بلد يضج بالخلافات المذهبية كضجيجه بالأزمات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard