تسريبات المالكي الصوتية... 48 دقيقةً "غير موثّقة" كفيلة بإحراق العراق

الأربعاء 20 يوليو 202203:54 م

عاد الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية وزعيم ائتلاف دولة القانون المنضوي ضمن الإطار التنسيقي الشيعي، نوري المالكي، إلى واجهة الأخبار المحلية والعالمية، على أثر انتشار التسريبات الصوتية المنسوبة إليه، والتي نشرها الإعلامي العراقي المقيم في أمريكا علي فاضل.

نشر فاضل حتى الآن خمسة تسجيلات صوتية، تتراوح مدة التسجيل الواحد منها بين 3 و5 دقائق من مجمل 48 دقيقةً، بحسب تصريحه، وتدور حبكتها في حوار بين المالكي وشخصية مجهولة يُعتقد أنها ضالعة بشكل بارز ضمن الفصائل المسلحة.

التسجيلات الصوتية حازت على اهتمام العراقيين والمتابعين للشأن العراقي، بالرغم من تباين الآراء حولها، بالإضافة إلى عدم القدرة على إثبات صحتها، ولكن مصدراً مقرّباً من الإطار التنسيقي، يعتقد أنها "تسجيلات مفبركة ضمن سيناريو أوسع تم تنفيذه بإشراف المالكي شخصياً، الغرض منها، رغبة المالكي في ضرب منافسيه من خلال الإيحاء بأنه ضحية لمؤامراتهم المعادية له شخصياً، ولكونه ‘حامي حمى’ الشيعة في العراق".

الجزء الأول من هذه التسريبات تضمّن اتهام الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده مسعود برزاني، بمحاولة ضرب الشيعة، من خلال احتضانه للسنّة، وبدورهم يحاول السنّة اختراق الوضع الشيعي من خلال حليفهم السابق في تحالف إنقاذ وطن وزعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر.

التسجيلات الصوتية حازت على اهتمام العراقيين والمتابعين للشأن العراقي، بالرغم من تباين الآراء حولها، بالإضافة إلى عدم القدرة على إثبات صحتها

بين المالكي والصدر

الجزء الثاني، استذكر فيه المالكي حملته العسكرية ضد جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، عام 2008، ووصف أتباع التيار بالجبناء في أكثر من مرّة، كما اتهم الصدر بالتورط في عمليات القتل الطائفي التي شهدتها البلاد بين عامي 2006 و2008، بقوله: "كم قتل الصدر من الأبرياء، والاختطاف وأيام البطة"، والبطة لقب محلي يطلقه العراقيون على السيارات من نوع تويوتا كراون موديل 1994، والتي استخدمتها المجاميع الشيعية في عمليات القتل والخطف الطائفية.

المالكي وصف الصدر أيضاً بـ"الجاهل"، و"ما يفهم بالسياسة"، كما زعم بتلقّي الأخير، دعماً من إيران رغبةً في تحويله إلى نسخة ثانية من زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر الله.

عداء المالكي للصدر يزداد وضوحاً في الجزء الرابع من التسجيل المنسوب إليه، إذ أكد فيه أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة قتال، والتحضير من أجل حرب طاحنة لن يخرج منها أحد، إلا بعد إسقاط مشروع الصدر وحلفائه، واستعداده لضرب النجف من أجل هذه الغاية، والدفاع عن نفسه، والاستعانة بعشيرته، بدلاً من الجيش والشرطة، "غير الجديرين بالثقة" بحسب اعتراف المالكي في التسجيل.

وعشيرة بني مالك التي ينتمي إليها المالكي، هي واحدة من القبائل القحطانية العراقية العريقة، ويرجع أصل تسميتها إلى مالك الأشتر بن الحارث النخعي، وهو أحد قادة جيش الإمام علي بن أبي طالب، في حربه ضد معاوية بن أبي سفيان، ووالي مصر في عهده، وينتشر أفرادها في مختلف محافظات وسط البلاد وجنوبه، بالإضافة إلى وجود آخر في الأحواز العربية المحتلة، ودول الخليج العربي.

المالكي نفى هذه التسجيلات في تغريدتين منفصلتين، نشر الأولى في 13 تموز/ يوليو الجاري، وأكد فيها رغبته في العلاقة الطيبة مع الصدر وشركائه في العملية السياسية، وذهب في تغريدته الثانية المنشورة في في الـ17 من الشهر ذاته إلى نفي ما حملته التسجيلات المسربة من تجاوزات وجّهها كما يزعم التسجيل إلى الحشد الشعبي.

مقتدى الصدر، لم يصدّق هذا النفي، إذ نشر على صفحته الشخصية في تويتر، في 18 تموز/ يوليو الجاري، بياناً دعا فيه حلفاء المالكي وكبار عشيرته إلى استنكار هذه التصريحات، كما دعا المالكي إلى اعتزال العمل السياسي، خاصةً أن هذا التسريب ينطوي على أفكار هدّامة لا تصلح لقيادة العراق في أي شكل من الأشكال، وأكد فيه براءته من أي اعتداء أو عنف ضد المالكي.

ردود الفعل المتباينة بين شيوخ عشيرة بني مالك، توضح مدى انقسام الرأي العام اللاحق لتغريدة الصدر، إذ نشر الشيخ أرشد البنية آل ملزوم المالكي، بياناً عن عشائر بني مالك في الفرات الأوسط، أكد فيه عدم تدخلهم في الخلافات الحاصلة، خاصةً أن الأحزاب تمارس سياستها بعيداً عن إشراك العشائر أو الأخذ برأيها، ودعا أطراف الأزمة إلى اللجوء إلى القضاء وعدم جر البلاد الى الدمار والصراعات العنصرية والعشائرية.

فيما ذهب الشيخ بلال المالكي، وهو أحد شيوخ القبيلة، إلى عدم تبرؤه من المالكي بسبب هذه التسجيلات، داعياً الصدر إلى عدم الالتفات نحو مثل هذه الفبركة.

قاد أتباع الصدر في محافظة ذي قار، ليلة 18 تموز/ يوليو، مظاهرات ضد المالكي، كما تعرّض منزل النائب عن ائتلاف دولة القانون محمود السلامي إلى اعتداء مسلح

وفي الوقت ذاته، قاد أتباع مقتدى الصدر في محافظة ذي قار، ليلة 18 تموز/ يوليو، مظاهرات ضد المالكي، كما تعرّض منزل النائب عن ائتلاف دولة القانون محمود السلامي، في المحافظة نفسها إلى اعتداء مسلح قاده مجهولون، ولم يسفر عن أي خسائر بشرية.

المالكي والحشد الشعبي

التسجيل الثالث المزعوم للمالكي، حمل اتهامات ضد هادي العامري زعيم منظمة بدر المنضوية ضمن الحشد الشعبي والإطار التنسيقي في آن واحد، إذ قال فيها "العامري يتسلّم رواتب 30 إلى 40 ألف مقاتل، من دون أي قوة حقيقية على أرض الواقع"، في إشارة إلى تسلّمه رواتب جنود وهميين ضمن الحشد الشعبي، أو ما يُعرف محلياً بـ"الجنود الفضائيين".

انسحاب العامري من المشاركة في الحكومة المقبلة، تلاه انسحاب ائتلاف قوى الدولة، المكوّن من تيارَي الحكمة برئاسة عمار الحكيم، والنصر بقيادة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، يؤكد أن هناك خلافاً حاداً داخل الإطار التنسيقي على خلفية انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية وترشّح المالكي في آن واحد، وهو ما قد يكون الدافع الأساسي لمهاجمة المالكي لهم، حسب التسريبات المزعومة.

احتمال آخر يطفح على الساحة، يقول إن هذا الانسحاب مجرد جزء من مخطط أوسع، يهدف إلى فسح المجال أمام المالكي للاستحواذ على منصب رئاسة الوزراء الذي يطمح إليه، خاصةً أن المنسحبين أعلنوا بقاءهم ضمن الإطار التنسيقي ومشاركتهم في اختيار شخصية رئيس المرحلة القادمة.

يفيد مصدر سياسي مقرب من الإطار التنسيقي، بأن "انسحاب هذين التيارين من المشاركة في العملية السياسية تم في اجتماع مغلق في بيت رئيس المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودي، من دون الإعلان عن تفاصيلها".

وبغض النظر عن جميع هذه الاحتمالات، فإن التصريحات الحالية قد وضعت المالكي في موقف محرج وغير متوقع، خاصةً أنها أثارت الرأي العام ضده.

أحدثت التسريبات المنسوبة إلى المالكي شرخاً كبيراً في العراق وداخل البيت الشيعي نفسه وحلفاء رئيس الوزراء السابق إذ يفيد مصدر مقرّب من قيادة الحشد أن مساهمة المالكي في تأسيس الحشد تنبع من رغبته في تشكيل ذراع عسكرية خاص به، وهو خسر هذه القدرة بسبب التسجيلات

اتهم المالكي خلال التسجيل الرابع، الحشد الشعبي بأمّة الجبناء، إذ قال "إني لا أثق بالحشد الشعبي، لا سيما أن أمة الجبناء جزء منه"، تلت هذا التصريح موجة غضب واسعة، دفعت بعض عناصر الحشد الشعبي إلى وسم مقر حزب الدعوة في منطقة الزعفرانية، جنوب شرق العاصمة بغداد، بعبارة "مغلَق بأمر الحشد".

اعتراف المالكي بالسعي من أجل تشكيل الفصائل المسلحة من أجل خوض القتال وضرب النجف، من أجل إبعاد الصدر عن الواجهة، واستهداف المرجعيات الدينية، دفع العديد من الناشطين والحقوقيين إلى رفع دعوى قضائية ضد المالكي.

وأعلنت محكمة الكرخ فتحها تحقيق ضد نوري المالكي على خلفية التسجيلات المنسوبة إليه، وقال المركز الإعلامي بمجلس القضاء الأعلى، في بيان، إن "محكمة تحقيق الكرخ تلقت طلباً مقدماً إلى الادعاء العام لاتخاذ الإجراءات القانونية بخصوص التسريبات الصوتية المنسوبة لنوري المالكي"، وأضاف أن "التحقيق الأصولي بخصوص التسريبات يجري وفق القانون".

المالكي أكد في التسريبات الصوتية أنه حاول جعل الحشد الشعبي شبيهاً للحرس الثوري الإيراني، من أجل حماية الشيعة، ولكن مصدراً مقرباً من قيادة الحشد الشعبي، يؤكد أن مساهمة المالكي في تأسيس الحشد تنبع من رغبته في تشكيل ذراع عسكرية خاص به، ويبيّن لرصيف22، أنه "خسر هذه القدرة في الوقت الحالي، بسبب تأثيرات هذه التسجيلات على الرأي الشعبي، بغض النظر عن صحتها".

إلى من يتحدث المالكي؟

معالم الشخصية التي يدور الحوار بينها وبين المالكي تتضح في التسجيل الصوتي الخامس، إذ يؤكد المتحدث على ضرورة تمسّك المالكي بأمّة الأخيار وكتائب أئمة البقيع، التي تدين بولائها للمالكي.

استمرار نتائج التسريبات الوخيمة، قد يدفع بالحشد الشعبي إلى التدخل من أجل عزل المالكي، بغض النظر عن صحة هذه التسجيلات، وهذا العزل لن يكون عبر الطرق المسلحة، ولا يستبعد مصدر مقرّب من الصدر أن يتفق الحشد والصدر على المالكي

ويُعتقد أن أمة الأخيار هي تنظيم موازٍ لكتائب أئمة البقيع، التي يقودها سعد طعيس التميمي، حسب التقارير المنشورة، وتُعرف بأنها أحد تشكيلات الحشد التابعة لوزارة الدفاع العراقية، وتنشط بشكل لافت في محافظة ديالى، وتتورط في فرض الإتاوات على الشاحنات التجارية والمواطنين في المحافظة، والضلوع في تجارة المخدرات.

وبحسب التسريب الصوتي، فإن أمة الأخيار تستقي فتاواها من "الميرزا"، وهي شخصية مجهولة اختُلف في أصلها وفصلها، ولكنها وفق التسجيل تؤيد شرعية تولّي المالكي منصب رئاسة الوزراء، وترى ضرورة هدر دماء جديدة، لفرض هذه الشرعية، ويعزز المتحدث المجهول حديثه بالدماء التي خسرها الإمام علي في سبيل الدفاع عن شرعيته ضد معاوية.

طعيس نفى صحة ما نُسب إلى كتائب أئمة البقيع، كما نفى الميرزا عبد الله عبد الرسول الإحقاقي، ما تداوله مغردون عن أنه شخصية الميرزا المجهولة.

المالكي أكد وجود خلافات داخل الإطار التنسيقي، بعد اعترافه بعدم استجابته للدعوة التي وجهها إليه رئيس هيئة الحشد الشعبي وعضو الإطار التنسيقي، فالح الفياض، من أجل مناقشة المستجدات الطارئة.

كما زعم، حسب ما نُسب له، أن كتلتي بدر ونصر منشغلتان بالمزارع بعيداً عن السياسة، وأن إيران تسيطر عليهما بالإضافة إلى سيطرتها على عصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء.

هل يجتمعون ضده؟

التسجيلات الصوتية المزعومة للمالكي، قد تكون شرارة انطلاق الاقتتال المسلّح بين طرفي الأزمة وأطراف أخرى، حسب الدلائل الحالية التي تؤكد أن هناك تصعيداً خطيراً في الأزمة السياسية العراقية، كما يقول المحلل السياسي والأمني علي البيدر.

اتهم المالكي خلال التسجيل الرابع، الحشد الشعبي بأمّة الجبناء، إذ قال "إني لا أثق بالحشد الشعبي، لا سيما أن أمة الجبناء جزء منه"

وينبّه في تصريحه لرصيف22، إلى أن "منع هذا الخطر يتوقف على تدخل الشخصيات البارزة في الشأنين السياسي والديني أو غيرهما، من أجل حلّ الخلاف بصورة سلمية، ودرء النتائج الكارثية لاستمراره، على السياسية العراقية والمواطنين".

ويؤكد مصدر في الحشد الشعبي، أن "قيادة الحشد غير راضية عن نتائج هذه التصريحات، وبدأت تبتعد أكثر عن المالكي، خوفاً من أن يؤدي بقاؤها بالقرب منه إلى صدامات مع التيار الصدري".

ويشير في حديثه إلى رصيف22، إلى أن "استمرار هذه النتائج الوخيمة، قد يدفع بالحشد الشعبي إلى التدخل من أجل عزل المالكي، بغض النظر عن صحة هذه التسجيلات"، مؤكداً أن "هذا العزل لن يكون عبر الطرق المسلحة، بل من الممكن أن يكون عبر أدوات ضغط أخرى، كالتهديد بسحب يده من داخل الإطار التنسيقي، أو دفع إيران إلى الاستغناء عنه، أو اللجوء إلى الوحدة بين الفصائل المسلحة من أجل فرض وجودها على قرار المالكي القادم".

ولكن هل يوافق التيار الصدري على الاتحاد مع الفصائل الولائية المنضوية ضمن الإطار التنسيقي؟

يؤكد مصدر مقرّب من التيار الصدري، أن الواقع السياسي في البلاد يحتمل هذا الأمر، في سبيل تحقيق مصلحة جماعية. ويضيف في تصريحه لرصيف22، أن "هذه الوحدة ستكون وفق شروط التيار الصدري، مع التأكيد على عدم إلغاء دور الآخرين، وهي شروط تتعلّق بكيف ستكون هذه المشاركة، وما سيلحق بنتائجها من مساهمة في تشكيل الحكومة وفق نظرة التيار الصدري".

إيران على ما يبدو، لا تؤيد المالكي كلّياً، فبحسب الجزء الخامس من التسريبات الصوتية، يحاول المالكي إقناع قادة الحرس الثوري بدعمه، بعد تأكيده أن قاآني يسيطر على وضع البلد من خلال قوله إنه تحدث مع قادة الاطلاعات "المخابرات الإيرانية"، ومجلس الشورى ومحسن رضائي الذي يشغل حالياً منصب أمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام، والذين أكدوا تأييدهم للمالكي، مع عجزهم عن اتخاذ أي خطوة من دون موافقة قائد فيلق القدس لحرس الثورة الإسلامية.

وتالياً، فإن المالكي بدأ يخسر نفوذه فعلاً بين أروقة أبرز مصادر قوته المتمثلة في هيئة الحشد الشعبي وإيران، وعلاقته الوثيقة بعصائب أهل الحق التابعة لقيس الخزعلي أو كتائب حزب الله، لن تؤهله لمواجهة بقية الفصائل.

أفق مستقبل العملية السياسية لا يزال صعب القراءة، في ظل متغيرات كثيرة تطرأ في لحظات متسارعة، قد تؤدي إلى إشعال فتيل حرب طاحنة، أو تشكيل حكومة ضعيفة، أو توافق إعجازي يلفظ معه المواطن العراقي، والعراق عموماً، أنفاسه الأخيرة. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard