بعد دعوات "الصرخيين" إلى هدم مراقد الأئمة... "الإرهاب الحلال" لتطويع "المختلفين" في العراق

السبت 16 أبريل 202202:46 م

دعا علي المسعودي، وهو خطيب الجمعة في حسينية الفتح المبين في بغداد، في 8 نيسان/ أبريل الحالي، إلى هدم مراقد الأئمة الشيعة وعدّها مخالفةً لتعاليم الدين الإسلامي.

على الأثر، تظاهر العشرات من المواطنين أمام الحسينية التابعة لرجل الدين الشيعي، محمود الصرخي، والواقعة في ناحية الحمزة التابعة لمحافظة بابل جنوب بغداد، احتجاجاً على تصريحات خطيبها، كما استهدفت عبوة صوتية حسينية المجتبى في مدينة المسيب التابعة لمحافظة بابل أيضاً.

لم يقتصر الاضطراب على محافظة بابل فحسب، بل أحرق متظاهرون كثر حسينيات تابعةً للصرخي في بغداد ومدن أخرى جنوب البلاد، ورافقتهم حملة اعتقالات واسعة طالت أنصاره، وأفادت وكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الداخلية، أنها اعتقلت المسعودي وستة آخرين في محافظات متفرقة، على خلفية محاولتهم بث الفتنة في البلاد، بالإضافة الى إغلاقها مقرات الصرخي كافة تحسباً لانفلات أمني محتمل.

دعا علي المسعودي، وهو خطيب الجمعة في حسينية الفتح المبين في بغداد، في 8 نيسان/ أبريل الحالي، إلى هدم مراقد الأئمة الشيعة

وقضائياً أصدرت محكمة العمارة في مركز محافظة ميسان، مذكرة قبض على الصرخي وفق أحكام المادة 372 عقوبات، والتي تشير إلى معاقبة من يعتدي على المعتقدات الدينية وشعائرها.

ومحمود عبد الرضا محمد (محمود الصرخي)، رجل دين شيعي، وُلد في مدينة الكاظمية في بغداد عام 1969، وفيها أنهى دراسته في الهندسة المدنية عام 1987، ثم التحق بدروس الحوزة الدينية لدى المرجع الشيعي محمد صادق الصدر، والد مقتدى الصدر، والذي كلفه بإمامة صلاة الجمعة في مدينة الحلة، مركز محافظة بابل، وخطبتها.

أحداث سابقة

الأزمة هذه ليست الأولى من نوعها، فالصرخي الذي يصفه أتباعه بآية الله العظمى، يمتلك تاريخاً إشكالياً حافلاً، يعود إلى عهد النظام السابق، الذي اعتقله مرتين بتهمة إحياء خطبة الجمعة، بعد أن منعها صدام حسين على أثر مقتل المرجع الشيعي محمد صادق الصدر، وحكم عليه بالإعدام ولكن سقوط بغداد حال دون تنفيذ الحكم.

تشير وثائق ويكليكس، إلى أن الصرخي انضم بعد الاحتلال إلى ميليشيات جيش المهدي التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، قبل أن ينشق عنها ويؤسس جيش الحسين، المتهم بتنفيذ عمليات عسكرية ضد القوات الأمريكية، ما دفع الأخيرة إلى تطويق منزله في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2003، وطالبته بتسليم سلاحه، ولكن أتباعه رفضوا الاستسلام واختاروا المقاومة ما أسفر عن مقتل ثلاثة ضباط في الجيش الأمريكي، وجرح سبعة آخرين.

وتذكر تقارير أخرى أن ميليشيات جيش الحسين خططت لاقتحام معسكر بوكا، في محافظة البصرة، وعلى الأثر أعلنت القوات الأمريكية عن شنها حملات أمنية عدة للقضاء عليه، ولكن دون جدوى، فاكتفت أخيراً بالإعلان عن منح مكافأة مالية لمن يساعد في القبض عليه.

في 1 تموز/ يوليو 2014، تحوّل مسار الأحداث، بعد أن دعا الصرخي في خطبة له إلى رفض فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني لقتال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وعدّها تؤسس لواجهة جديدة للميليشيات الإيرانية.

دعا الصرخي في خطبة له إلى رفض فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني لقتال تنظيم الدولة الإسلامية

هذه الدعوة بالإضافة إلى انتقاد الصرخي المستمر لمرجعية النجف، أغضبت رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي، ودفعته إلى شن حملة عسكرية شرسة ضد أتباعه في محافظة كربلاء، استُخدمت فيها الأسلحة الثقيلة وطائرات مروحية، كما قصفت مكاتبه في المحافظة.

أسفرت المواجهات التي استمرت على مدى يومين إلى مقتل أكثر من عنصر أمني، و125 عنصراً من ميليشيات الصرخي، بالإضافة إلى اعتقال أكثر من 375 من أنصاره، وإعدام 50 آخرين، ولم يظهر الصرخي إلى العلن منذ انتهاء هذه العمليات.

وينتشر أتباع الصرخي، المقدَّر عددهم بـ30 ألف شخص في جنوب العراق، ولا سيما في محافظات بابل والديوانية وكربلاء، بالإضافة إلى الناصرية والبصرة.

موقفه الديني

يعرّف الصدري بنفسه على أنه صدري التوجه، في إشارة إلى مدرسة الصدرَين، محمد باقر الصدر الذي أُعدم عام 1980، ومحمد صادق الصدر (والد مقتدى الصدر)، الذي اغتيل عام 1999، ويعتقد أن المعارضة التي يتعرض لها، مشابهة لتلك التي تعرّض لها محمد صادق الصدر، والتي دفعت به إلى تأسيس الحوزة الناطقة بدلاً من الحوزة العلمية التي يسمّيها بالصامتة.

يُشدد مصدر مقرب من الصرخي، على "تمسك مرجعيته بتعاليم الحوزة الناطقة وأهمها ضرورة الاجتهاد والتشاور في سبيل تجديد المفاهيم بطريقة أصولية تغطي التطورات الحاصلة على المستويَين المعيشي والحياتي، على نقيض الحوزة العلمية التي تتمسك بالتراث الديني من دون فهمه".

ويؤكد لرصيف22، على أن "المدرسة الصرخية ترفض سمة القدسية التي وضعتها حوزة النجف على نفسها، وترفض المساس بشخصية أصحاب الرسول وزوجاته وتعدّه بدعةً وضعتها الدولة الصفوية، وأكدت عليها الحكومة الإيرانية".

يتمسّك الصرخيون بتعاليم الحوزة الناطقة وأهمها ضرورة الاجتهاد والتشاور في سبيل تجديد المفاهيم بطريقة أصولية تغطي التطورات الحاصلة على المستويَين المعيشي والحياتي، على نقيض الحوزة العلمية التي تتمسك بالتراث الديني من دون فهمه

وكان الصرخي قد وصف الخطاب الشيعي الحالي بأنه خطاب إيراني بعيد عن التشيع بقدر ما يخدم السلطات الإيرانية وأمنها القومي، حسب تصريحات سابقة لصحيفة الوطن المصرية في شباط/ فبراير عام 2015.

في المقابل، يقول أحد طلبة الحوزة العلمية في النجف لرصيف22، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه، إن "الحوزة بعيدة عن التأثيرات السياسية أو الأجندة الإيرانية، وهي تتقبل جميع الآراء"، مستدلاً على ذلك بأن الحوزة العلمية معروفة بكثرة علمائها وتعدد آرائهم واختلافها.

ويضيف: "أما في ما خص الصرخي، فالحوزة ترفض انحرافاته ومنهجيته التي تؤكد بطلانها دعوة ممثله الأخيرة إلى هدم الأضرحة الدينية، وحرص الحوزة على إثبات بطلان أعلميته أو مناقشته تنبع من الاعتقاد بأن هذه المناظرات قد تؤدي إلى زيادة شعبيته، وتالياً الانحرافات الناتجة عن تفكيره في المجتمع الشيعي".

استنكر زعيم تيار الحكمة، عمار الحكيم، تطاول الصرخي على المراقد الدينية، وأكد في بيان صادر عن مكتبه الإعلامي أن هذه المحاولات تسعى إلى إثارة الفتنة

ويتفق مع القول بضعف أدلة الصرخي وبطلان مرجعيته الباحث في الأديان، زهير المرسومي، ولكنه لا يتفق مع فكرة أن الحوزة بعيدة عن التأثيرات السياسية، لا سيما وأنها من أبرز المؤيدين للانتخابات وللعملية السياسية، بالإضافة إلى تأكيده على أن هناك أذرعاً إيرانيةً داخل المؤسسة الدينية في النجف، وتسعى إلى تأمين نفوذ إيران في البلاد عبر تعزيز صورتها كمدافع عن حقوق الشيعة.

الصرخي والسياسة

دعوة ممثل الصرخي في بابل إلى هدم المراقد الدينية، عرّضت أتباعه لاستهداف شرس على الصعيدين الشعبي والسياسي. فبالإضافة إلى المظاهرات الشعبية، نشر صالح محمد العراقي، المعروف بوزير الصدر، بياناً لمقتدى الصدر على صفحته في تويتر، منح فيها "الصرخي ثلاثة أيام للتبرؤ من المسعودي ومحاولاته الرامية إلى تحريف المذهب الشيعي، أو اللجوء إلى الطرق القانونية والعرفية والشرعية، في حال عدم امتثاله".

ورأى زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، في تغريدة له على موقع تويتر، أن "ردة الفعل الشعبية غضبة حق"، محذراً في الوقت ذاته من هدم الجوامع والحسينيات التابعة للصرخي وتفجيرها والاكتفاء بإغلاقها.

كذلك، استنكر زعيم تيار الحكمة، عمار الحكيم، تطاول الصرخي على المراقد الدينية، وأكد في بيان صادر عن مكتبه الإعلامي أن هذه المحاولات تسعى إلى إثارة الفتنة في البلاد.

ولكن توقيت هذا الاستهداف هو أكثر ما أثار استغراب المتابعين، نظراً إلى أن الصرخي نشر فتاوى وتصريحات سابقة تؤكد عدم إيمانه بمعظم التراث الشيعي وانتقاده المستمر له، ما يشير إلى وجود دوافع خفية تقودها الأحزاب الإسلامية.

يعتقد كُثر من العراقيين أن الهجمة التي حصلت على أتباع الصرخي ومراكزه هي محاولة لاستغلال هذا الأمر لتوحيد الصف الشيعي، فيما الواقع يُشير أيضاً إلى استسهال السلطة العراقية اعتماد "الإهاب الحلال" لتطويع من يخالفها

وفي هذا الخصوص، يقول الكاتب والإعلامي، رسلي المالكي، "إن الحكومة وليدة التيارات الدينية، وتنفذ إرادة هذه التيارات، وهو ما يفسر عدم منع القوات الأمنية لعمليات التخريب ومن ثم يقول إنها جزء من عملية التخريب"، ويعتقد كُثر أن توقيت الاستهداف، استكمال لمحاولات سابقة تسعى إلى توحيد الصف الشيعي من جديد، بحجة الدفاع عن المراقد.

وقادت الأحزاب الإسلامية دعوات مشابهةً سابقاً، على خلفية الانشقاق المرافق لاحتلال داعش لثلث مساحة البلد عام 2014، وتوظيفها شعار الدفاع عن المراقد الدينية لحث الشباب على التطوع في صفوف الحشد الشعبي في سوريا، لمساندة القوات الإيرانية، وهو ما رفضه المرجع السيستاني وقتها.

ويعزز هذا السياق أن الحكومة لم تتخذ إجراءً مماثلاً لموقفها من الصرخي، في محاولات إثارة الفتنة التي قادتها الأحزاب الإسلامية سابقاً، كان آخرها تهجير أهالي قرية الرشاد التابعة لمحافظة ديالى من أهاليها واتهامهم بالدواعش، على أثر اقتحام التنظيم لقريتهم وقتله عدداً من عناصر الحشد الشعبي.

ويشير المتحدث باسم المرصد العراقي للحقوق والحريات، عادل الخزاعي، إلى أن طروحات الصرخي الدينية مجرد رأي يمكن القبول به أو الرد عليه علمياً. ويعبّر في حديثه إلى رصيف22، عن "صدمته من تغاضي السلطات والقضاء عما ارتكبه جمهور الأحزاب في حرقهم لأكثر من 50 مسجداً ومدرسةً دينيةً، وتهجير 150 عائلةً من مقلّدي المرجع الصرخي من مدينة بابل، أمام أنظار قوات الأمن وبموافقتهم".

ويدرج الخزاعي هذا التغاضي تحت "مسمى الجريمة المقدسة أو الإرهاب الحلال الذي لطالما سمحت به السلطات والقضاء العراقيين، وهذه الممارسات تُعدّ استمراراً لنهج الإرهاب الفكري وكتماً للحريات والتعبير عن الرأي من خلال اعتماد طرق بشعة في الرد على المخالفين"، مؤكداً على أن المرصد استلم العديد من النداءات عن ورود تهديدات لعوائل وطلبة تابعين للصرخي في النجف الأشرف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard